تعيش
الحركات والتيارات الإسلامية على اختلاف أسمائها ومشاربها اليوم إحدى أدقّ لحظاتها
التاريخية، حيث تتقاطع فيها التحديات الخارجية مع أزمات داخلية متراكمة، ويتداخل
فيها الصّراع مع الأعداء مع تصدّعات في الصفّ، وتختلط فيها مشروعات النّهوض بعلل
الاستنزاف الذّاتي.
وفي
مثل هذه اللحظات تتقدّم نصوص الوحي من موقع التوجيه العام إلى موقع التشخيص الدقيق
لتعيد ترتيب بوصلة الوعي، وتكشف عن مكامن الخطر الحقيقي الذي يتهدد العمل الإسلامي
من داخله قبل خارجه.
في
حديثٍ صحيح الإسناد ينبغي أن يضعه العاملون في الحقل الإسلاميّ وقيادات الجماعات
الإسلاميّة قبل أفرادها أمام أعينهم كلّ الوقت يقلّبون فيه النّظر ويتذكرونه كلّ
حينٍ؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ
فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها
وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ فإنِّي سأَلْتُ ربِّي لِأُمَّتي ألَّا
يُهلِكَها بسَنةٍ عامَّةٍ وألَّا يُسلِّطَ عليهم عدوّا مِن سوى أنفسِهم فيَستبيحَ
بَيْضَتَهم فإنَّ ربِّي قال: يا مُحمَّدُ إنِّي إذا قضَيْتُ قضاء فإنَّه لا
يُرَدُّ وإنِّي أُعطيكَ لِأُمَّتِكَ ألَّا أُهلِكَهم بسَنةٍ عامَّةٍ وألَّا
أُسلِّطَ عليهم عدوّا مِن سوى أنفسِهم فيستبيحَ بَيْضَتَهم ولوِ اجتَمَع عليهم مِن
أقطارِها أو قال: مَنْ بَيْنَ أقطارِها حتَّى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضا ويَسبي
بعضُهم بعضا".
اشتداد البأس بين أبناء الصف الواحد لا ينشأ فجأة وإنما يتغذّى على تراكمات صغيرة من التعصّب، وتضخّم الذات، وسوء إدارة الخلاف، حتى يبلغ مرحلة يصبح فيها الصراع الداخلي أسبق من مواجهة العدو، وأشد أثرا من كيده ومكره
إنّ
هذا الحديث واضحٌ صريحٌ في أنّ الخطرَ الأكبر على العاملين للإسلام هو من داخلهم
لا من أعدائهم، وهو حديثٌ تحذيريّ يبيّنُ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّ
هذه الأمّة لا يجتثّها عدوّ ولا يستأصل شأفتها غادر، ولا تمحوها من الوجود كارثةٌ
طبيعيّة بل الخطرُ الأكبر عليها هو من أبنائها أن يغدو بأسهم بينهم شديدا.
وهذا
التقرير النبويّ يضع يدا مباشرة على موضع العطب الحقيقي في مسيرة العمل الإسلامي،
ويكشف أن سنن البقاء والهلاك لا ترتبط فقط بميزان القوّة الخارجية، وإنما تتصل
اتصالا عميقا ببنية الداخل وبما يجري في القلوب والعقول قبل أن يظهر في المواقف
والصفوف، فالعدوّ الخارجي مهما اشتدّ بطشه يظلّ عامل اختبار وامتحان أمّا التمزّق
الداخلي فيتحوّل مع الزمن إلى عامل استئصال ذاتي يفرّغ العمل من معناه، ويبدّد
طاقته، ويجعل الجماعات تنهك نفسها بنفسها قبل أن يواجهها خصومها.
وفي
هذا المعنى انتقال خطير من مفهوم
الصراع مع الآخر إلى مفهوم الصراع داخل الذات الجماعية،
حيث تتحوّل أدوات البناء إلى وسائل هدم وتغدو القدرات التي أُعطيت للأمة سببا في
إنهاكها حين تنفصل عن مقاصدها وحين يُدار الاختلاف بغير هديٍ من الشرع والحكمة.
فاشتداد البأس بين أبناء الصف الواحد لا ينشأ فجأة وإنما يتغذّى على تراكمات صغيرة
من التعصّب، وتضخّم الذات، وسوء إدارة الخلاف، حتى يبلغ مرحلة يصبح فيها الصراع
الداخلي أسبق من مواجهة العدو، وأشد أثرا من كيده ومكره.
ومن
هنا فإن الحديث لا يكتفي بوصف الخطر، ولكنّه يؤسّس لميزان فقهٍ في قراءة الواقع
يعلّم العاملين للإسلام أن سلامة الصفّ وحراسة القلوب وضبط البأس شرط سابق لكل
مشروع نهوض أو تمكين، وأن الأمة حين تخفق في ذلك تبدأ مرحلة التآكل من الداخل وهي
أخطر مراحل الضعف، وأعسرها علاجا، وأشدها أثرا في مصير الدعوة والرسالة.
إنّ
الله تكفل لأبناء هذا الدّين بأن لا يهزمهم عدوّهم ولو اجتمعت عليهم الدّنيا كلّها
إن كانوا على منهج الحقّ آخذين بأسباب النصر، ينصرون الله فينصرهم، ويواجهون
عدوّهم صفّا واحدا كأنّهم بنيانٌ مرصوص.
أمّا
إن تسربّت إليهم الخلافات والنّزاعات من شقوق الانتصار للذّات، وبدأت تنمو داخل
جماعاتهم أورام الشّلليّة، واندلعت الحروب الباردة داخل الصفّ الإسلاميّ على أساسٍ
مصلحيّ ذاتيّ ضيّق، أو على أساسٍ مناطقيّ بائس، عندها يكون الفتك بالعمل الإسلاميّ
وكياناته وجماعاته بأيدي أبنائه لا بطائرات وصواريخ ومؤامرات أعدائه.
وإنّ
أخطر ما في هذه الظاهرة أنّها تتسلّل إلى العمل الإسلامي تحت عناوين براقة،
وتتغذّى على شعارات كبرى، وتستتر خلف دعاوى الحرص على المنهج أو الجماعة أو
المشروع والدّفاع عن العقيدة والإسلام، ثم تتحوّل مع الزمن إلى بنية صراعية تستنزف
الطاقات، وتشوّه الأولويات، وتعيد توجيه السهام من صدر العدو إلى صدور الإخوة في
الصفّ الواحد، وحين تفقد الجماعات قدرتها على إدارة الاختلاف، وتغيب عنها أخلاقيات
التزكية، يتحوّل الخلاف من تنوّع محمود إلى صدام مدمّر، ومن اجتهاد مشروع إلى صراع
كاسر.
أولو الأبصار المأمورون بالاعتبار هم الذين يعلمون أنّ تسرّب داء أعدائهم إليهم مُهلك لهم، فإذا أصبح بأسهم بينهم شديدا وقلوبهم شتّى فإنّهم سيخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم من الطغاة المستبدّين والمحتلّين الغاصبين
إنّ
ربّنا تبارك وتعالى بيّن لنا في كتابه الكريم أوصاف عدوّنا، وشرح لنا مواطن ضعفه،
فقال جلّ في علاه في سياق الحديث عن يهود بني النّضير: "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ
جَمِيعا إِلَّا فِي قُرى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم
بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ" (الحشر: 14).
وانظر
إلى بديع الوصف الإلهي في الاقتران بين كَون بأسهم بينهم شديدا وكَون قلوبهم شتّى،
وهي علاقة تبادليّة؛ فعندما تغدو القلوب شتّى متفرّقة يغدو بأس أبناء الكيان
الواحد بينهم شديدا، وحين يكون بأسهم بينهم شديدا تتعمّق الشّروخ بينهم ولو كانت
الصّورة الظاهرة أنّ النّاس يحسبونهم جميعا قلبهم واحد وتوجّههم واحد.
ولقد
كان مآل أعدائنا حين صار بأسهم بينهم شديدا وغدت قلوبهم شتّى أنّهم "يُخْرِبُونَ
بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي
الْأَبْصَارِ" (الحشر: 1).
فأولو
الأبصار المأمورون بالاعتبار هم الذين يعلمون أنّ تسرّب داء أعدائهم إليهم مُهلك
لهم، فإذا أصبح بأسهم بينهم شديدا وقلوبهم شتّى فإنّهم سيخربون بيوتهم بأيديهم
وأيدي أعدائهم من الطغاة المستبدّين والمحتلّين الغاصبين.
إنّ
هذه صيحةُ نذيرٍ عسى أن يتدارك أولو الأبصار في العمل الإسلاميّ في مختلف الجماعات
والكيانات والتيّارات أمر أنفسهم فيتنبّهوا إلى مواضع الخطر الأكبر على العمل
الإسلاميّ الذي ينبع من داخلهم قبل أن يأتي من عدوّهم، ولعلّهم يشمّرون عن سواعد
العمل العلاجيّ العمليّ الذي لا يقتصر على محض وعظ النّاس في الرّجوع إلى ربّهم
ودينهم؛ فهذا وحده -على أهميّته- من دون مصارحات ومكاشفات عميقة ومراجعات منهجيّة
وآليّات عمليّة تنفيذيّة وتغييرات في البنى الفكريّة والإداريّة سيكون محضَ ذرّ
رمادٍ في العيون ليس أكثر.
x.com/muhammadkhm