28- تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، العمود الفقري للنهضة الاقتصادية
في رحلتنا نحو بناء منظومة مالية إسلامية قوية تدعم طموح
مصر في الوصول إلى مصاف أفضل عشرة اقتصادات عالمية، نصل إلى أحد أكثر المحاور حيوية وتأثيرا، تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. فهذه المشروعات ليست مجرد قطاع اقتصادي ضمن قطاعات أخرى، بل هي القلب النابض للاقتصاد، والمحرك الأساسي للتوظيف، والحاضنة الطبيعية للابتكار والإبداع.
في كل اقتصاد متقدم حول العالم، تشكل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 90 في المئة من المؤسسات، وتوفر ما بين 60 في المئة إلى 70 في المئة من فرص العمل، وتساهم بنسب كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي، لكن في الدول النامية ومنها مصر لا تزال هذه المشروعات تعاني من تحديات جوهرية
المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل أكبر مشغّل للعمالة في أي اقتصاد، فهي تستوعب أعدادا ضخمة من العمال بمهارات متنوعة، من الخريجين الجدد إلى أصحاب المهن والحرف التقليدية. كل مشروع صغير ينشأ يعني فرص عمل مباشرة لصاحبه وعائلته، وفرص عمل غير مباشرة للموردين والمتعاملين معه.
في بلد كمصر يواجه تحديا ديموغرافيا يتمثل في دخول مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل سنويا، لا يمكن للقطاع الحكومي أو الشركات الكبرى وحدها استيعاب هذه الأعداد. المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي الحل الطبيعي والواقعي لمعضلة البطالة، وهي السبيل لتحويل الشباب من باحثين عن وظائف إلى خالقين لفرص العمل.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة بطبيعتها أكثر مرونة وقدرة على التكيف من الشركات الكبيرة الجامدة. صاحب المشروع الصغير يستطيع تجربة أفكار جديدة، والاستجابة السريعة لتغيرات السوق، وابتكار منتجات وخدمات تلبي احتياجات محددة قد تغفل عنها الشركات الكبرى.
عندما تزدهر المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تنتشر الثروة في طبقات واسعة من المجتمع، بدلا من تركزها في أيدي قلة من أصحاب الشركات الكبرى. كل صاحب مشروع صغير ناجح يمثل قصة تمكين اقتصادي، وكل موظف في هذه المشروعات يحصل على دخل يحسّن من مستوى معيشته
كثير من الشركات العملاقة اليوم بدأت كمشروعات صغيرة في منازل أو مكاتب متواضعة. القصص الملهمة من وادي السيليكون وغيره تؤكد أن الابتكار الحقيقي غالبا ما ينبع من المشروعات الصغيرة الجريئة التي تجرؤ على تحدي المألوف.
عندما تزدهر المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تنتشر الثروة في طبقات واسعة من المجتمع، بدلا من تركزها في أيدي قلة من أصحاب الشركات الكبرى. كل صاحب مشروع صغير ناجح يمثل قصة تمكين اقتصادي، وكل موظف في هذه المشروعات يحصل على دخل يحسّن من مستوى معيشته.
هذا التوزيع الأوسع للثروة يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويحد من التفاوت الطبقي، ويبني طبقة وسطى قوية ومستقرة، وهي أساس أي مجتمع متقدم ومزدهر.
اقتصاد يعتمد على عدد محدود من الشركات الكبرى يكون هشا وعرضة للصدمات، أما الاقتصاد الذي يضم آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة في قطاعات متنوعة فيكون أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات. إذا تعثر قطاع تستمر القطاعات الأخرى، وإذا فشل مشروع تظل آلاف المشروعات الأخرى تعمل وتنتج.
كثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة مرتبطة بحرِف تقليدية، وصناعات تراثية، ومهارات محلية متوارثة. دعم هذه المشروعات يعني الحفاظ على تراث اقتصادي وثقافي غني، وحمايته من الاندثار في وجه العولمة والمنتجات الصناعية الموحدة.
الصناعات اليدوية المصرية، الحِرف التقليدية، المنتجات الزراعية المحلية، كلها تمثل هوية اقتصادية مميزة يمكن أن تصبح ميزة تنافسية في الأسواق العالمية إذا توفر لها الدعم والتمويل المناسب.
واقع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر
رغم الأهمية البالغة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة فإن واقعها في مصر لا يزال دون المستوى المأمول. معظم هذه المشروعات تعمل في القطاع غير الرسمي، وتفتقر إلى التنظيم والدعم المؤسسي. كثير منها يعاني من ضعف الإدارة، ومحدودية المهارات، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، وبطء النمو.
لكن التحدي الأكبر الذي يعيق نمو هذه المشروعات ويحد من إمكاناتها، هو الفجوة التمويلية الضخمة. معظم أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا يستطيعون الحصول على تمويل من البنوك والأسباب متعددة، وعدم وجود ضمانات كافية، وضعف التاريخ الائتماني، وصغر حجم التمويل المطلوب مقارنة بتكاليف المعاملة، وارتفاع المخاطر المتصورة، وتعقيد الإجراءات وبطئها. وحتى عندما ينجح صاحب المشروع في الحصول على تمويل بنكي تقليدي، فإنه يواجه تحديات أخرى، من ارتفاع أسعار الفائدة، وقصر فترات السداد، وشروط تعجيزية قد تدفع المشروع إلى التعثر بدلا من دعمه.
وبالنسبة لشريحة واسعة من المجتمع المصري، هناك بعد إضافي للمشكلة، وهو التحفظ الديني على التعامل بالفائدة الربوية. كثير من أصحاب المشروعات الصغيرة، خاصة في المناطق الريفية والقرى يفضلون البقاء بلا تمويل على التعامل بالربا، هذا يعني أن فرصا اقتصادية هائلة تُهدر، وطاقات إنتاجية تبقى معطلة، بسبب غياب البديل الإسلامي المناسب.
التمويل الإسلامي- الحل الأمثل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة
التمويل الإسلامي بفلسفته ومبادئه وصيغه المتنوعة يحمل حلولا مبتكرة وواقعية لمعظم التحديات التي تواجه تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. دعونا نستكشف كيف.
في النظام المالي التقليدي، المشروع الصغير الذي يحصل على قرض يتحمل كامل المخاطرة، بينما البنك يضمن استرداد أمواله بفائدة محددة بغض النظر عن نجاح المشروع أو فشله. هذا يخلق عبئا ثقيلا على صاحب المشروع، وقد يدفعه للإفلاس إذا واجه صعوبات.
في التمويل الإسلامي من خلال صيغ كالمضاربة والمشاركة يصبح الممول شريكا حقيقيا في المشروع، يتحمل المخاطر ويشارك في النتائج. إذا ربح المشروع يحصل كل طرف على نصيبه المتفق عليه، وإذا خسر (بدون تقصير أو تعدٍ)، يتحمل الممول خسارة المال ويتحمل المضارب خسارة الجهد والوقت.
هذه الشراكة العادلة تخفف من الضغوط على صاحب المشروع، وتحفز الممول على تقديم المشورة والدعم لأنه شريك في النجاح لا مجرد دائن ينتظر سداد دينه، كما أنها تضمن توزيعا أعدل للعوائد بين رأس المال والعمل.
التمويل الإسلامي يقدم مجموعة متنوعة من الصيغ التي تناسب احتياجات مختلفة:
- المرابحة تناسب المشروعات التي تحتاج لشراء معدات أو بضائع؛ البنك يشتري الأصل ثم يبيعه للمشروع بسعر أعلى مع تقسيط الثمن.
- المضاربة طريقة مثالية للمشروعات التي تحتاج تمويلا كاملا وصاحبها يملك الخبرة والجهد؛ الممول يقدم المال والمضارب يقدم العمل، والربح يُوزع بنسب متفق عليها.
- المشاركة تناسب المشروعات التي يملك صاحبها جزءا من رأس المال أو الأصول ويحتاج لتمويل إضافي؛ الطرفان يشتركان في رأس المال والإدارة والأرباح والخسائر.
- السلم يفيد المشروعات الزراعية والإنتاجية؛ يدفع الممول ثمن السلعة مقدما ويستلمها لاحقا، مما يوفر للمنتج تمويلا سريعا لموسمه أو دورته الإنتاجية.
- الاستصناع مناسب للمشروعات التصنيعية؛ يتفق الممول والصانع على مواصفات المنتج وسعره وموعد تسليمه، ويدفع الثمن على دفعات.
هذا التنوع يعني أن كل مشروع مهما كان حجمه أو قطاعه، يمكن أن يجد صيغة تمويلية إسلامية تناسب طبيعته واحتياجاته.
في التمويل الإسلامي خاصة في صيغ المشاركة والمضاربة، تقل أهمية الضمانات التقليدية، لأن العلاقة قائمة على الشراكة والثقة المتبادلة، وليس على الدَين والضمان. الممول يعتمد على دراسة جدوى المشروع وخبرة صاحبه وإمكانياته أكثر من اعتماده على ضمانات عينية.
بالطبع لا يعني هذا غياب الضوابط، فالتمويل الإسلامي يشترط الأمانة والكفاءة والشفافية، ويمكن أن يستخدم آليات بديلة للضمان كالكفالة الشخصية أو التأمين التكافلي أو الرهن الجزئي، لكن المنطق الأساسي مختلف؛ الشراكة بدلا من الإقراض والثقة بدلا من الشك.
شريحة واسعة من المصريين تتحفظ دينيا على التعامل بالفائدة الربوية، هذا التحفظ ليس مجرد موقف نظري، بل له انعكاسات عملية مباشرة على السلوك الاقتصادي. كثير من الناس يفضلون الاقتراض من الأهل والأصدقاء، أو التأخر في البدء بمشروعاتهم، أو حتى الاستمرار في العمل بأموال محدودة على أن يتعاملوا بالربا.
توفير تمويل إسلامي حقيقي يفتح الباب أمام هذه الشريحة الضخمة لتصبح جزءا فاعلا في الاقتصاد. الراحة النفسية والطمأنينة الدينية تزيد من إنتاجية صاحب المشروع، وتحفزه على الجد والاجتهاد، وتبني علاقة إيجابية بينه وبين الممول. كما أن التمويل الإسلامي، بتأكيده على القيم الأخلاقية كالصدق والأمانة والوفاء بالعهد، يبني ثقافة نزاهة في المعاملات المالية تنعكس إيجابا على المناخ الاقتصادي العام.
نماذج مبتكرة في التمويل الإسلامي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة
لا يكفي أن نتحدث عن المبادئ النظرية، بل نحتاج لنماذج عملية وواقعية. دعونا نستكشف بعض النماذج المبتكرة التي يمكن تطبيقها في مصر.
- التمويل الأصغر الإسلامي، دروس من تجربة بنك غرامين
بنك غرامين في بنغلاديش قدم نموذجا رائدا في التمويل الأصغر، استطاع من خلاله انتشال ملايين الفقراء من براثن الفقر. ومؤسسه البروفيسور محمد يونس، حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2006 تقديرا لهذا الإنجاز.
جوهر نموذج غرامين يتمثل في تقديم قروض صغيرة جدا (أحيانا لا تتجاوز 50 دولارا) للفقراء خاصة النساء لبدء مشروعات صغيرة بسيطة، لكن ما يميز النموذج ليس حجم القروض، بل الآليات المبتكرة التي استخدمها:
- الإقراض الجماعي بدلا من إقراض الأفراد بشكل منفصل. يتم تشكيل مجموعات صغيرة (5-7 أفراد)؛ المجموعة تتكفل بضمان بعضها البعض، وإذا تعثر أحد الأعضاء، تساعده المجموعة أو تتحمل مسؤولية السداد عنه. هذا يخلق ضغطا اجتماعيا إيجابيا ويقلل من مخاطر التعثر.
- القروض التدريجية، فالمقترض يبدأ بمبلغ صغير جدا، إذا نجح وسدد في الموعد يحصل على قرض أكبر في المرة التالية. هذا يحفز على الانضباط والسداد في الوقت المحدد.
- التركيز على النساء: 97 في المئة من عملاء بنك غرامين من النساء، لأن التجربة أثبتت أنهن أكثر التزاما بالسداد، وأكثر حرصا على استثمار العوائد في تحسين حياة الأسرة.
- الدعم غير المالي، فالبنك لا يقدم تمويلا فقط بل تدريبا وإرشادا وبناء للقدرات، مما يزيد من فرص نجاح المشروعات الصغيرة.
- معدلات السداد المرتفعة برغم أن العملاء فقراء وبلا ضمانات، فإن معدل السداد في بنك غرامين يتجاوز 98 في المئة، وهو أعلى من كثير من البنوك التجارية التقليدية.
- هل يمكن أسلمة هذا النموذج؟
بدلا من القروض بفائدة يمكن استخدام صيغة المضاربة المصغرة أو المشاركة المتناقصة؛ الممول يقدم المال كشريك، والمقترض يقدم الجهد والخبرة، والربح يُوزع بنسب متفق عليها، أو يمكن استخدام المرابحة المبسطة لشراء الأصول أو البضائع اللازمة للمشروع.
آلية الضمان الجماعي متوافقة تماما مع مبدأ الكفالة في الإسلام، حيث يكفل المسلم أخاه ويتحمل المسؤولية عنه. والتدرج في التمويل يتماشى مع مبدأ الأمانة والكفاءة، فمن أثبت جدارته يُعطى أكثر. والتركيز على تمكين المرأة يتفق مع المقاصد الإسلامية في تحقيق العدل والكفاية للجميع، ودعم الأسر الفقيرة.
مصر تحتاج إلى بنوك أو مؤسسات تمويل أصغر إسلامية تطبق هذا النموذج، خاصة في الريف والمناطق الفقيرة والمحرومة. هذه المؤسسات يمكن أن تكون جسرا لإدماج ملايين المصريين في المنظومة الاقتصادية، وتحويلهم من متلقين للمعونات إلى منتجين ومساهمين في النمو.
- نموذج مصري أصيل: صندوق الحي الإسلامي
رغم أهمية التجارب العالمية كبنك غرامين، إلا أن مصر تمتلك مقومات فريدة يمكن أن تلهم نموذجا تمويليا أصيلا ينبع من نسيجها الاجتماعي وتراثها الإسلامي. فالمجتمع المصري، خاصة في الأحياء الشعبية والقرى، يتميز بروابط اجتماعية قوية وثقة متبادلة بين الجيران، وتقاليد عريقة في التكافل والتعاون. كيف يمكن تحويل هذه المقومات إلى آلية تمويلية فعالة؟
تخيل أن كل حي من أحياء مصر، أو كل قرية من قراها، تمتلك صندوقا إسلاميا للمشروعات الصغيرة؛ ليس صندوقا حكوميا بيروقراطيا، ولا بنكا بعيدا عن الناس، بل مؤسسة محلية يديرها أهل الحي أنفسهم، يعرف أعضاؤها كل شاب طموح وكل صاحب مهارة، ويفهمون احتياجات مجتمعهم المحلي فهما عميقا.
النموذج يقوم على ثلاثة أركان متكاملة:
أولا- رأس المال الوقفي المحلي
بدلا من الاعتماد على قروض خارجية أو تمويل حكومي قد يتأخر أو ينقطع، يتم تأسيس الصندوق على مبدأ الوقف الإسلامي بصورة عصرية. أهل الخير في الحي -التجار الميسورون، المغتربون الناجحون، أصحاب الأعمال- يتبرعون بمبالغ كوقف دائم. قد يبدأ الصندوق بخمسمائة ألف جنيه أو حتى أقل. الأصل المالي يبقى محفوظا، أما العوائد والأرباح فتُعاد باستمرار لتمويل مشروعات جديدة.
هذا النموذج يحل مشكلة الاستدامة، فالصندوق لا يحتاج لضخ أموال جديدة باستمرار، بل ينمو ذاتيا مع نجاح المشروعات الممولة. كما أنه يحيي سُنة الوقف الإسلامي بصورة منتجة ومعاصرة، فبدلا من وقف العقارات فقط، نوقف رؤوس أموال تدور وتُنتج وتخلق فرص عمل.
ثانيا- لجنة الحي الموثوقة
إدارة الصندوق لا تحتاج لبيروقراطية معقدة، بل للجنة صغيرة من أهل الحي الموثوقين. إمام المسجد أو واعظه يمثل البعد الديني والأخلاقي، فهو يعرف الناس عن قرب ويُرجع إليه في تقييم الأمانة والاستقامة، وثلاثة إلى خمسة من تجار الحي وأصحاب الخبرة يقدمون المشورة العملية والنصح للمشروعات الناشئة، ومحاسب أو خريج تجارة متطوع يضبط الحسابات ويضمن الشفافية، وممثل عن الشباب طالبي التمويل يضمن أن أصواتهم مسموعة واحتياجاتهم مفهومة. هذا التنوع في اللجنة يحقق التوازن بين الجوانب الدينية والعملية والمالية والاجتماعية.
ثالثا- آلية عمل مبسطة وسريعة
الشاب الذي يريد بدء مشروع صغير -ورشة نجارة، محل خضار متنقل، تربية دواجن، خياطة منزلية- يتقدم للجنة الحي بفكرته ببساطة؛ لا نماذج معقدة، لا دراسات جدوى بعشرات الصفحات، بل عرض واضح ومباشر.
اللجنة تدرس الطلب خلال أسبوع على أقصى تقدير، لا شهور كما في البنوك. التقييم يعتمد على معرفتهم الشخصية بالمتقدم، سمعته في الحي، التزامه الديني والأخلاقي، جديته وطموحه. وبدلا من الضمانات المالية المستحيلة، يُطلب من المتقدم إحضار ثلاثة أشخاص من أهل الحي يكفلونه أخلاقيا، يشهدون على أمانته واجتهاده.
عند الموافقة، تختار اللجنة الصيغة الإسلامية الأنسب؛ مضاربة للمشروعات التجارية حيث يتقاسم الصندوق والشاب الأرباح بنسب عادلة (مثلا 60 في المئة للعامل و40 في المئة للصندوق)، مشاركة للمشروعات الأكبر حجما، سلم للمزارعين الذين يحتاجون تمويلا سريعا لموسمهم الزراعي.
والأهم من كل ذلك، المتابعة القريبة والداعمة؛ أعضاء اللجنة يزورون المشروع شهريا، ليس كمراقبين متشككين بل كموجهين وداعمين، يقدمون النصيحة، يحلون المشاكل، يربطون صاحب المشروع بعملاء أو موردين محتملين.
تخيل لو بدأنا بعشرة أحياء تجريبية في خمس محافظات مختلفة خلال السنة الأولى؛ نراقب، نتعلم، نطور، في السنة الثانية ننشر النموذج الناجح في مئة حي، في السنة الثالثة نتوسع لألف حي وقرية. خلال خمس سنوات، يمكن أن تكون لدينا شبكة وطنية من آلاف صناديق الأحياء، تمول عشرات الآلاف من المشروعات الصغيرة سنويا، بتكلفة إدارية ضئيلة، وبكفاءة عالية، وبروح إسلامية أصيلة.
هذا ليس حلما بعيد المنال، بل نموذج واقعي يمكن البدء فيه غدا، في أي حي، في أي قرية، بمبادرة من أهل الخير المحليين والشباب الطموح.
التكامل مع منظومة النهضة الشاملة
تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليس جزيرة معزولة، بل هو حلقة في سلسلة متكاملة من الإصلاح الاقتصادي. نجاح هذا القطاع يعتمد على تكامله مع القطاعات الأخرى، وتفاعله الإيجابي مع باقي مكونات المنظومة الاقتصادية.
الرابط الحيوي مع التعليم والتدريب
تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليس جزيرة معزولة، بل هو حلقة في سلسلة متكاملة من الإصلاح الاقتصادي. نجاح هذا القطاع يعتمد على تكامله مع القطاعات الأخرى، وتفاعله الإيجابي مع باقي مكونات المنظومة الاقتصادية
تخيل خريج مدرسة فنية صناعية تعلم النجارة الحديثة بمعاييرها العالمية، واكتسب مهارات التسويق الرقمي وإدارة المشروعات الصغيرة ضمن مناهجه الدراسية؛ عندما يتخرج لا يبحث فقط عن وظيفة في مصنع، بل يمتلك المقومات لبدء ورشته الخاصة، ينتج أثاثا مبتكرا يسوقه عبر منصات التجارة الإلكترونية.
أو تخيل خريجة كلية زراعة درست الزراعة العضوية وتقنيات التعبئة والتغليف الحديثة والتصدير؛ بدلا من انتظار تعيين حكومي، تبدأ مشروعا لإنتاج المربيات والعصائر الطبيعية من فواكه قريتها، وتصدرها للأسواق الخليجية التي تقدر المنتجات الطبيعية.
هذا التكامل يعني أن كل جنيه نستثمره في إصلاح التعليم هو استثمار غير مباشر في المشروعات الصغيرة المستقبلية. والعكس صحيح، كلما ازدهرت المشروعات الصغيرة، زاد الطلب على خريجين بمهارات عملية معينة، مما يدفع المؤسسات التعليمية لتطوير مناهجها وبرامجها.
بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك؛ المدارس الفنية والجامعات يمكن أن تصبح حاضنات مباشرة للمشروعات، طالب السنة النهائية يبدأ مشروعه التخرج كمشروع حقيقي ممول من صندوق الكلية أو شراكة مع مؤسسة تمويل إسلامية. يتخرج وهو يمتلك مشروعا قائما فعلا، لا مجرد شهادة يبحث بها عن عمل.
دعم العمود الفقري: الصناعة والزراعة
القطاعان الإنتاجيان الرئيسيان -الصناعة والزراعة- يعتمدان بشكل كبير على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والعلاقة تبادلية ومثمرة.
في القطاع الزراعي، معظم المزارع المصرية صغيرة ومتوسطة الحجم؛ المزارع لا يحتاج فقط لتمويل شراء البذور والأسمدة، بل يحتاج لمشروعات خدمية مكملة. شاب يؤسس مشروعا لتأجير المعدات الزراعية الحديثة للمزارعين الصغار الذين لا يستطيعون شراءها، آخر يبدأ مشروعا للتعبئة والتغليف يخدم عشرات المزارعين في قريته، ثالث يؤسس محطة تبريد مشتركة تحفظ المحاصيل من الفساد.
في القطاع الصناعي، المصانع الكبرى تحتاج لشبكة من الموردين والمقاولين الصغار؛ مصنع سيارات كبير يعتمد على مئات الموردين لقطع الغيار والمكونات، هنا يأتي دور تمويل المشروعات الصغيرة المتخصصة في التصنيع. ورشة صغيرة تنتج مكون معين بجودة عالية وسعر تنافسي، وتبيعه لمصانع كبرى.
بل إن بعض المشروعات الصغيرة يمكن أن تكون امتدادا طبيعيا للقطاع الزراعي والصناعي. فلاح ينتج ألبان، بدلا من بيعها خاما بسعر بخس، يبدأ مشروعا صغيرا لإنتاج الجبن أو الزبادي. هذه الصناعات التحويلية الصغيرة تضاعف قيمة المنتج الزراعي، وتخلق فرص عمل إضافية، وترفع دخل المزارع.
الثورة الرقمية: التكنولوجيا المالية في خدمة المشروعات الصغيرة
التكنولوجيا المالية (FinTech) ليست مجرد رفاهية تقنية، بل هي أداة تحويلية يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
في الماضي، كان صاحب المشروع الصغير يحتاج للذهاب إلى البنك، الوقوف في طوابير، ملء نماذج ورقية معقدة، الانتظار أسابيع أو شهورا للحصول على رد. اليوم، بفضل التكنولوجيا المالية، يمكنه التقدم لطلب تمويل من هاتفه المحمول في دقائق، والحصول على موافقة أولية في ساعات.
منصات التمويل الإسلامي الرقمية يمكن أن تربط آلاف المشروعات الصغيرة بآلاف المستثمرين الصغار عبر تطبيق واحد؛ شاب في أسيوط يحتاج 50 ألف جنيه لتوسيع ورشة ميكانيكا، ينشر مشروعه على المنصة، مئة مستثمر صغير، كل منهم يملك 500 جنيه يريد استثمارها بصيغة إسلامية، يساهمون في تمويله. كل شيء موثق رقميا، شفاف، متابع لحظيا.
تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد في تقييم المخاطر بشكل أكثر دقة وسرعة. بدلا من الاعتماد فقط على الضمانات التقليدية، يمكن للنظام الذكي تحليل بيانات المشروع، وتدفقاته النقدية، وسلوك صاحبه التجاري، وتقييمات عملائه، وإعطاء تقييم ائتماني عادل.
المحافظ الرقمية والدفع الإلكتروني يسهلان على المشروعات الصغيرة استلام مدفوعات عملائها، حتى لو كانوا في مدن بعيدة؛ صاحب ورشة في صعيد مصر يبيع منتجاته عبر الإنترنت ويستلم ثمنها فورا في محفظته الرقمية، دون حاجة لبنك أو وسيط.
لكن الأهم من كل هذا، التكنولوجيا المالية تخفض التكاليف بشكل جذري؛ لا مباني فخمة، لا موظفون بالآلاف، لا فروع في كل مدينة. منصة رقمية واحدة يديرها فريق صغير يمكن أن تخدم ملايين المشروعات الصغيرة، هذا يعني أن التمويل يصبح أرخص وأسرع وأكثر وصولا للجميع.
تخيل صندوق الحي الإسلامي الذي تحدثنا عنه سابقا، مدعوما بتطبيق بسيط على الهاتف المحمول. صاحب المشروع يتقدم للطلب عبر التطبيق، يرفع صور مشروعه ومستنداته البسيطة، أعضاء لجنة الحي يراجعون الطلب على هواتفهم، يصوتون بالموافقة أو الرفض، العملاء (الممولون) يتابعون تقدم المشروع ويستلمون حصتهم من الأرباح رقميا. كل شيء شفاف، موثق، سريع، قليل التكلفة.
هذا التكامل بين التراث الإسلامي الأصيل (الوقف، المضاربة، المشاركة) وبين أحدث التقنيات المالية الرقمية يمكن أن يخلق نموذجا مصريا فريدا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين القيم الأخلاقية والكفاءة التقنية.
دائرة النمو المتكاملة
عندما تتكامل كل هذه العناصر -تعليم يبني المهارات، تمويل ميسر بصيغ إسلامية، قطاعات إنتاجية نشطة، تكنولوجيا مالية متقدمة- تنشأ دائرة نمو إيجابية.
الشاب يتعلم مهارة عملية في مدرسة متطورة، يحصل على تمويل ميسر من صندوق حيه أو منصة رقمية، يبدأ مشروعا يخدم القطاع الزراعي أو الصناعي، ينجح ويوظف خريجين جددا، يسدد تمويله فتُعاد الأموال لتمول مشروعات أخرى، ينمو مشروعه فيحتاج لموردين ومقاولين صغار آخرين، وهكذا تستمر الدائرة في التوسع.
هذا التكامل ليس رفاهية أو تحسينا هامشيا، بل هو ضرورة حتمية. كل قطاع يدعم الآخر ويستفيد منه، والاقتصاد الذي يحقق هذا التكامل هو الذي ينمو بشكل مستدام وشامل، لا نموا هشا معتمدا على قطاع واحد أو شريحة واحدة.
في المقال التالي -إن شاء الله- نقدم استراتيجيات تنفيذ الفكرة وتحدياتها وحلول هذه التحديات.