32- اقتصاديات التكافل الاجتماعي
في كل مرة تمتد فيها يدٌ تطلب وتصطدم بفراغ، تُهدَر ليس
فقط كرامةُ إنسان، بل تُهدَر أيضا طاقةٌ كامنة كانت يوما ما عمودا في صرح النهضة. فالفقر
ليس مجرد معاناة شخصية يتجرعها صاحبها في صمت، بل هو خسارة وطنية بامتياز، تنزّ منها
الطاقات وتتبخر القدرات قبل أن تُعطي ثمرها في بناء الاقتصاد والمجتمع.
وحين نتأمل المشهد في ضوء مسيرتنا في هذه السلسلة نجد أننا
بنينا جسورا من الفكر الاقتصادي الإسلامي المستنير؛ تحدثنا عن
التمويل الإسلامي في
أصوله وابتكاراته، ورسمنا مستقبلا رقميا للصيرفة المتوافقة مع الشريعة، وأضأنا على
مسارات تمويل الصغار والمتوسطين. وكان لا بد أن يكتمل هذا البنيان بحجره الأساس الأكثر
إنسانية وأعمق أثرا الجدار الذي تحمي به المجتمعات أكثرها هشاشة وتحوّل بفضله العدالةَ
من شعار إلى واقع ملموس.
هنا يبرز التكافل الاجتماعي بكل ثقله الحضاري لا بوصفه
شعيرة روحية فحسب، بل بوصفه نظاما اقتصاديا ذكيا أدركت عقوله الفقهية الأولى ما يكتشفه
الاقتصاد الحديث اليوم أن توزيع الثروة ليس مبادرة خيرية طوعية، بل هو صمامُ الأمان
الذي يحول دون انفجار أي منظومة اقتصادية من الداخل.
أهمية اقتصاديات التكافل في نهضة مصر
بناء منظومة تكافل وطنية راسخة ليس ترفا أخلاقيا تقتضيه القيم فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية تمليها الحسابات الاقتصادية. إذ لا يمكن لأي نموذج تنموي أن يتحمل تكاليف التفاوت الطويل الأمد
لا تُبنى النهضات على أكتاف النخب وحدها ولا تنطلق صواريخ
التنمية من قاعدة إطلاق يقف عليها أقلّون، النهضة الحقيقية هي تلك التي تشرك في وقودها
كل طبقات المجتمع، وتحوّل الهامشَ إلى مركز، والعبءَ إلى طاقة فاعلة. ومن هنا تحديدا
تبدأ أهمية التكافل الاجتماعي حين نضعه في سياق المشروع النهضوي المصري الذي تتناوله
هذه السلسلة.
فمصر لن تبلغ مقام النهضة بجزء من طاقتها البشرية الهائلة
وهو معطَّل، ولا بشريحة واسعة من أبنائها منشغلة بالبحث عن لقمة العيش بدلا من الإسهام
في صنع الناتج القومي. إن الاقتصادي الحصيف يعرف ما لا يراه الناظر العابر أن كل أسرة
تعيش على هامش الكفاف تمثّل طلبا استهلاكيا مكبوتا، وكفاءة إنتاجية مهدرة، ومشروعا
رياديا صغيرا لم يُولد بعد.
والتكافل في هذا السياق ليس صدقة تُسكت جوعا لساعات، بل
هو استثمارٌ اجتماعي يُعيد ضخ الدورة الدموية في أوردة الاقتصاد. فالمواطن الذي تجاوز
حاجز الفاقة يصبح مستهلكا فاعلا يُحرّك الأسواق، ثم منتجا يُضاعف الناتج، ثم مدخِّرا
يُغذّي منظومة التمويل؛ إنها سلسلة قيمة حقيقية تبدأ بالعدالة وتنتهي بالازدهار.
وحين ندرك مصر بحجمها السكاني الضخم وتنوع طبقاتها الاجتماعية،
يتضح أن بناء منظومة تكافل وطنية راسخة ليس ترفا أخلاقيا تقتضيه القيم فحسب، بل هو
ضرورة استراتيجية تمليها الحسابات الاقتصادية. إذ لا يمكن لأي نموذج تنموي
أن يتحمل تكاليف التفاوت الطويل الأمد، سواء تجلّى ذلك في توترات اجتماعية تُعيق بيئة
الاستثمار، أو في أجيال قادمة ورثت الفقر ودفعت تكاليفه من حصة الوطن في الثروة العالمية.
لذلك فإن اقتصاديات التكافل في المشروع المصري ليست ملحقا
رحيما يُضاف إلى هامش الخطة التنموية، بل هي في صميمها وقلبها النابض شرطٌ لازم لأي
نجاح حقيقي ومستدام.
إضاءة من التشريع والتاريخ الإسلامي
ثمة مفارقة لافتة يكتشفها من يتأمل تاريخ الفكر الاقتصادي
الإنساني، أن ما يُقدِّمه الغرب اليوم باعتباره اكتشافا حديثا تحت مسمّيات شبكات الأمان
الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة والاقتصاد التضامني؛ كان الإسلام قد أرسى دعائمه التشريعية
قبل أربعة عشر قرنا، لا بوصفه سياسة حكومية قابلة للتعديل والإلغاء، بل بوصفه فريضة
إلهية تتشابك جذورها مع صميم العقيدة ذاتها.
فالزكاة لم تكن في الوعي الفقهي الإسلامي مجرد واجب ديني
يُؤدَّى ويُنسى، بل كانت نظاما ماليا متكاملا ذا هندسة دقيقة؛ نسبٌ محددة، وأوعية ادخارية
موصوفة، ومصارفُ ثمانية رسمها القرآن الكريم بدقة تُعجز كثيرا من التشريعات الضريبية
المعاصرة. وحين نعيد قراءة آية المصارف في سورة التوبة بعين الاقتصادي لا بعين المتعبد
فحسب، نجد أنها تُغطي في سطور معدودة ما تحتاجه منظومة الحماية الاجتماعية الحديثة
بأكملها: الفقر، والمديونية، وتحرير الطاقة البشرية المكبّلة، ودعم التنقل الاجتماعي.
وإلى جانب الزكاة نسجت الشريعة شبكة تكافلية متعددة الطبقات؛
فالوقف كان جامعة تُعلّم مجانا، ومستشفى يعالج بلا ثمن، وسبيلا للماء في قلب الصحراء،
وصندوقا لرأس المال الاجتماعي يتراكم عبر الأجيال دون أن تنال منه يد الزوال. وكانت
الكفالة الاجتماعية واجبا تضامنيا تبدأ من الأسرة وتتسع دوائرها حتى تبلغ بيت المال
الذي يكفل العاجز ويُنفق على من لا كافل له من خزينة الدولة.
والتاريخ في هذا الباب ليس مجرد ذكريات مجيدة تُستدعى للتفاخر،
بل هو شواهد حيّة قابلة للقراءة والتحليل. فقد شهدت الخلافة العمرية الأولى نضجا مبكرا
لمفهوم بيت المال كمؤسسة رعاية اجتماعية منظّمة، وتحدّث المؤرخون عن أن عمر بن عبد
العزيز حين فعّل منظومة الزكاة بعدالة وشفافية، بلغ المجتمع من الرخاء حدا عسُر فيه
إيجاد مستحق يقبل الصدقة. وهذا ليس أسطورة وردية، بل هو دليلٌ تاريخي على أن التكافل
المُحكم حين يُطبَّق بصدق لا يُقلّص الفقر فحسب، بل يُفني البيئة التي ينمو فيها.
وحين نضع هذا الإرث أمام المشروع المصري ندرك أننا لسنا
أمام استيراد نموذج أجنبي يحتاج إلى تكييف ثقافي مُضنٍ، بل أمام استعادة منظومة ولدت
في رحم هذه الحضارة، وتشرّبت القيمَ التي يحملها المجتمع المصري في وجدانه الجمعي منذ
قرون، ما يجعل قبولها الشعبي سابقا لأي قرار سياسي، وانطلاقها أيسر وأسرع مما تحتاجه
أي تجربة مستوردة من خارج السياق.
نماذج من العصر الحديث
الفكرة التي لا تجد لها تجسيدا في الواقع تظل حبيسة الكتب،
وتلك التي تجد طريقها إلى التطبيق تكتسب من المصداقية ما لا تمنحه إياها آلاف الصفحات
النظرية. ولحسن الطالع فإن اقتصاديات التكافل الإسلامي لم تبق رهينة النصوص الفقهية،
بل وجدت لها في العصر الحديث تجارب حيّة تستحق الوقوف أمامها طويلا، لا للتقليد الأعمى
بل للاستلهام الواعي.
- ماليزيا حين تحوّل الوقف إلى بورصة
لا تجربة في العالم الإسلامي المعاصر أكثر إثارة للدهشة
من التجربة الماليزية في توظيف التكافل الاجتماعي خدمة للتنمية. فقد أدركت ماليزيا
مبكرا أن الزكاة المتناثرة في الجيوب الفردية طاقةٌ مبعثرة، فأسست هيئات مركزية لجمعها
وتوجيهها، وحوّلت الوقف من أراضٍ معطّلة إلى صناديق استثمار تُدار باحترافية مؤسسية
حقيقية. ووصل الأمر إلى أن الوقف الماليزي اليوم يموّل مستشفيات وجامعات وحاضنات أعمال،
محوّلا الإرث الحضاري إلى رافعة اقتصادية تشتغل في صمت وتُنتج في استمرار.
- بنغلاديش وبنك غرامين ثورة من القاع
وإن خرجنا من الحيّز الإسلامي الصريح لحظة فلن نجد درسا
أبلغ في توظيف التكافل المجتمعي من تجربة بنك غرامين. فحين بدأ محمد يونس تجربته ببضع
عشرات الدولارات يُقرضها لنساء فقيرات في قرى بنغلاديش، لم يكن يُجرّب نظرية اقتصادية،
بل كان يُعلن أن أصغر وحدة في المجتمع إذا مُنحت الثقة والأداة، تحوّلت إلى محرك إنتاجي
حقيقي. والدرس الأعمق من هذه التجربة ليس في مكافحة الفقر، بل في أن الثقة المجتمعية
حين تُؤسَّس أداة للتمويل تتفوق في نتائجها على الضمانات المادية التقليدية.
- الكويت والإمارات الوقف في ثوبه المؤسسي
أما على صعيد المؤسسية وإعادة هيكلة منظومة الوقف، فقد
قدّمت الكويت والإمارات نموذجا يستحق الاقتداء. فهيئة
الأوقاف الكويتية تُدير محفظة
أصول وقفية تُقدَّر بمليارات الدولارات، تُستثمر في العقارات والأسواق المالية وتموّل
برامج تنموية متنوعة. والإمارات من جهتها طوّرت مفهوم الوقف الرقمي الذي يتيح لأي مواطن
الإسهام بمبالغ رمزية عبر تطبيقات الهاتف، محوّلة التكافل من فعل فردي إلى حركة مجتمعية
رقمية واسعة.
والدرس الجامع من كل هذه التجارب أن النجاح لم يأتِ حيثما
اكتُفي بالنيات الحسنة والخطاب الوعظي، بل جاء دائما حيث اجتمعت ثلاثة عناصر: إدارة
مؤسسية احترافية، وتشريع حاضن داعم، وتوظيف ذكي للتكنولوجيا في الجمع والتوزيع والرقابة.
وهذا بالضبط ما تحتاج مصر أن تستلهمه وتبني عليه مسارها الخاص.
استراتيجيات التفعيل والتحديات
بين أن تملك نظاما تكافليا ناجحا على الورق وأن ترى أثره
حيا في الشارع والمصنع والحقل مسافةٌ طويلة يمتلئ طريقها بالعقبات والاشتراطات. ومصر
التي تمتلك كل المقومات الفكرية والتشريعية والبشرية لبناء منظومة تكافل اجتماعي رائدة،
تحتاج إلى خارطة عملية واضحة المعالم تُحوّل هذا الرصيد الحضاري إلى برامج فاعلة وسياسات
قابلة للقياس.
أولا: إعادة هيكلة منظومة الزكاة مؤسسيا
المشكلة الجوهرية في تجربة الزكاة المصرية ليست في ضعف
الوازع الديني لدى المجتمع، فالمصريون من أكثر الشعوب تبرعا وتكافلا بشهادة كل المؤشرات
الدولية، بل تكمن المشكلة في تناثر هذا السيل الخيري وغياب القناة المؤسسية التي توجّهه
حيث يُحدث أكبر أثر. ولذا فإن الأولوية الاستراتيجية الأولى هي إنشاء هيئة وطنية مستقلة
للزكاة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلالية المالية والإدارية، تعمل بمعايير حوكمة
شفافة، وتُصدر تقارير دورية مدققة، وتُوظّف التكنولوجيا في جمع الأموال وتوزيعها وضمان
وصولها لمستحقيها دون تسرّب أو هدر. وينبغي أن تعمل هذه الهيئة وفق خريطة احتياج اجتماعي
محدَّثة باستمرار، تُميّز بين مصارف الزكاة الثمانية وتوزّع الأولويات وفق احتياج كل
مرحلة، بدلا من التوزيع العشوائي الذي يُرضي الضمير دون أن يُغيّر الواقع.
ثانيا: إحياء الوقف وتحديث هياكله
تمتلك مصر رصيدا وقفيا ضخما يتجاوز في مساحاته وأصوله ما
تمتلكه كثير من الدول الإسلامية مجتمعة، غير أن جزءا كبيرا من هذا الرصيد يرزح تحت
أعباء البيروقراطية والتقادم القانوني. والاستراتيجية المطلوبة هنا لا تعني مجرد صيانة
الأصول الوقفية القائمة، بل تعني إطلاق جيل جديد من الأوقاف المعاصرة؛ وقف رقمي يتيح
التبرع بمبالغ صغيرة عبر المحافظ الإلكترونية، ووقف مؤسسي تُسهم فيه الشركات الكبرى
ضمن منظومة مسؤوليتها الاجتماعية، ووقف نقدي يُستثمر في صناديق متخصصة تموّل التعليم
والصحة وريادة الأعمال للمحتاجين. فضلا عن ذلك، ينبغي إنشاء سجل وطني رقمي شامل لأصول
الأوقاف يمنع التعدي والتلاشي، ويُتيح لكل مواطن الاطلاع على كيفية إدارة هذه الثروة
الوطنية والانتفاع بها.
ثالثا: بناء منظومة التأمين التكافلي الشامل
لا يزال التأمين التكافلي في مصر دون مستوى طموحاته وإمكاناته،
فنسبة التأمين إلى الناتج المحلي تظل متواضعة قياسا بدول مماثلة. والاستراتيجية هنا
تقوم على محورين متوازيين: توسيع قاعدة المشاركين عبر برامج تكافل صحي وتكافل على الحياة
بأقساط ميسّرة تصل إلى الطبقات الوسطى والدنيا، ودمج هذه المنظومة مع البرامج الحكومية
للحماية الاجتماعية بدلا من أن تسير كلٌّ منهما في خط موازٍ لا يلتقي بالآخر. ويستلزم
ذلك تطوير منتجات تكافلية مبتكرة تستجيب لاحتياجات قطاعات بعينها كالفلاحين والحرفيين
وعمال الاقتصاد غير الرسمي، الذين يُمثّلون شريحة واسعة من المجتمع المصري وظلوا تاريخيا
خارج مظلة الحماية التأمينية.
رابعا: تحويل الاقتصاد غير الرسمي إلى شريك في منظومة التكافل
يُمثّل الاقتصاد غير الرسمي في مصر ما يزيد على ثلث الناتج
الاقتصادي الفعلي، وملايين العاملين فيه يعيشون خارج أي منظومة حماية اجتماعية رسمية،
لا يدفعون تأمينات ولا يستفيدون من برامج الدعم المنظّم. واستراتيجية الدمج التدريجي
لهذا القطاع في منظومة التكافل الوطني تتطلب مقاربة مغايرة تماما للمقاربة التقليدية؛
فبدلا من ملاحقته بالضرائب والرسوم التي تدفعه إلى مزيد من الاختباء، ينبغي تصميم حوافز
إيجابية تجعل الانضمام إلى منظومة التكافل الرسمي مجديا ومُغريا، عبر تقديم مزايا صحية
وتعليمية ومعاشية تُقنع صاحب العمل غير الرسمي أن الانضمام يُضيف إليه لا يُثقل كاهله.
خامسا: بناء منظومة تمكين اقتصادي لا مجرد إعانة
الفارق الجوهري بين التكافل الذي يُحدث أثرا حضاريا والتكافل
الذي يُعيد إنتاج التبعية يكمن في سؤال واحد: هل يخرج المستفيد في نهاية المطاف من
دائرة الاستفادة أم يظل أسيرها؟ ولذا فإن استراتيجية التكافل الذكي لا تقف عند حد سدّ
الحاجة الآنية، بل تبني معها جسر الخروج من الفقر عبر برامج متكاملة تجمع بين الدعم
المادي المؤقت، والتدريب المهني الموجَّه لاحتياجات السوق الفعلية، والتمويل الأصغر
المُيسَّر الذي يُحوّل المستفيد إلى منتج، والمتابعة الدورية التي تضمن أن المشروع
الصغير لم يموت في مهده. وهذا النموذج يستلهم من السنة النبوية حين أعطى النبي صلى
الله عليه وسلم السائلَ قدّوما ودرهمين بدلا من العطاء المباشر، فكانت تلك أول درس
توثيقي في الفرق بين الإعانة والتمكين.
سادسا: الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص
لا يمكن لمنظومة التكافل أن تبلغ أهدافها إذا ظلت مسؤولية
حكومية حصرية تتوقف على إيرادات الخزينة وأولويات الموازنة؛ الاستراتيجية الأنجع هي
بناء نموذج ثلاثي الأبعاد تضطلع فيه الدولة بدور التشريع والتنظيم والإشراف والضمان،
بينما يتولى القطاع الخاص قيادة برامج المسؤولية الاجتماعية الموجَّهة والتأمين التكافلي
التجاري، فيما تملأ منظمات المجتمع المدني المسافةَ الأخيرة بين المؤسسة والمستفيد
حيث لا تصل لا هذه ولا تلك. وحين تعمل هذه الأذرع الثلاثة في تناسق حقيقي لا في تنافس
وتداخل، يتضاعف الأثر ويتقلص الهدر.
سابعا: توظيف التكنولوجيا في خدمة التكافل
التحدي الأكبر الذي أفشل كثيرا من برامج الدعم الاجتماعي
في مصر وغيرها لم يكن في شُح الموارد بل في دقة الاستهداف؛ فالدعم كثيرا ما وصل إلى
من لا يستحقه وتسرّب من بين يدي من يستحقه. والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة
يُتيحان اليوم ما لم يكن متاحا بالأمس: رسم خريطة دقيقة للاحتياج الاجتماعي، وتتبّع
أثر الإنفاق التكافلي، وضبط منظومة الاستحقاق بدقة تُقلّل الهدر وتُعظّم الأثر. وفوق
ذلك يُتيح تقنية البلوكتشين إنشاء سجلات وقفية وزكوية شفافة غير قابلة للتلاعب، تمنح
المانح اليقين بأن ما أعطاه وصل إلى مكانه، وهو بالضبط ما يحتاجه المجتمع المصري لاستعادة
ثقته في المنظومة الرسمية.
ثامنا: التكافل البيني بين الدول الإسلامية
ثمة بُعد استراتيجي يُغفله كثيرون حين يناقشون التكافل
في إطاره المحلي فحسب، وهو بُعد التضامن الاقتصادي الإسلامي على المستوى الدولي. فمصر
بثقلها الحضاري والديموغرافي مؤهّلة لقيادة مبادرة إقليمية تُنشئ صندوقا تكافليا مشتركا
بين الدول الإسلامية، يُوظَّف في دعم برامج التنمية والتعليم والصحة في الدول الأعضاء
الأقل حظا، وتنتفع منه مصر ذاتها في مراحل تحوّلها الاقتصادي. وهذا ليس ضربا من الأحلام،
بل هو نموذج يحاول البنك الإسلامي للتنمية تطبيق جزء منه، وتحتاج مصر أن تكون طرفا
فاعلا في رسم ملامحه لا متلقيا سلبيا لما يُقرَّر بعيدا عنها.
التحديات والمعوقات
لو كانت النوايا الحسنة وحدها كافية لإنجاح منظومات التكافل
لكانت مصر في مقدمة الأمم تكافلا واحتضانا للمحتاجين، فهي مجتمعٌ لم يفقد يوما روح
التضامن ولا وازع العطاء. غير أن الطريق بين النية الصادقة والأثر الحقيقي تعترضه عقباتٌ
هيكلية متجذّرة لا تُعالَج بالخطاب الوعظي ولا بالمبادرات الموسمية.
وأعمق هذه العقبات وأشدّها أثرا هو أزمة الثقة التي تتربّع
على رأس التحديات جميعها؛ فالمواطن المصري لا يبخل بعطائه، لكنه يتحيّن اللحظة المناسبة
لتوجيهه بيده مباشرة إلى من يراه مستحقا، متجاوزا المؤسسات الرسمية التي لم تُقنعه
بعدُ بأن ما يمنحه سيصل كاملا دون أن تنال منه يدٌ في الطريق. وهذه الفجوة بين المواطن
والمؤسسة ليست وليدة اليوم، بل هي تراكمٌ من خيبات الأمل المتكررة التي جعلت الشكّ
ردَّ فعل أول وأوتوماتيكيا لأي دعوة للمشاركة الرسمية في أي منظومة تبرع أو دعم.
ويزيد هذا التحدي تعقيدا غياب الإطار التشريعي المحفّز؛
إذ لا تزال قوانين الأوقاف والزكاة والتأمين التكافلي تحتاج إلى تحديث جوهري جريء يواكب
متطلبات العصر، فبعض النصوص التشريعية الناظمة لهذه المنظومة موروثٌ من حقب سابقة لم
تكن تتخيّل فيها منصات رقمية ولا وقفا نقديا ولا تأمينا تشاركيا عبر التطبيقات. وفي
غياب بيئة تشريعية محفّزة تمنح إعفاءات ضريبية حقيقية وتُيسّر إجراءات التأسيس والتشغيل،
يظل القطاع الخاص مُحجما عن الدخول بثقله في هذا الميدان رغم إدراكه لأهميته.
منظومة التكافل الحديثة تحتاج إلى نوع نادر من الكوادر يجمع بين العمق الفقهي الشرعي والأداء المؤسسي الاحترافي وإتقان أدوات التكنولوجيا المالية، وهو جمعٌ ليس متاحا بسهولة في سوق العمل المصري الراهن
وعلى مستوى مختلف يكشف الواقع عن تحدي التشتت المؤسسي الذي
يُضيّع في التنسيق ما يُنتجه الجهد؛ فوزارة الأوقاف تعمل في واد، وهيئة التأمينات الاجتماعية
في واد آخر، وصناديق الدعم الحكومي في واد ثالث، وكل منها يحمل قاعدة بيانات مستقلة
وأهدافا غير منسّقة، فتتضخم الازدواجية ويتسرّب الهدر ويقع المستفيد في متاهة البيروقراطية
بحثا عن جهة تسمعه وتستجيب. وهذا التشتت ليس مجرد إشكالية إدارية، بل له تكلفة اقتصادية
حقيقية تُقاس بما يُهدر من موارد كان يمكن أن تبني مدارس وتمول مشاريع وتنقذ أسرا.
ويتعمّق المشهد بـتحدي الاقتصاد غير الرسمي الذي يُمثّل
ظاهرة مركّبة؛ فعشرات الملايين من المصريين يعيشون خارج المنظومة الرسمية بالكامل،
لا يدفعون اشتراكات ولا يستفيدون من حماية، وأي استراتيجية تكافلية تتجاهلهم تظل ناقصة
في جوهرها. غير أن استقطابهم إلى المنظومة الرسمية ليس قرارا إداريا يُنفَّذ بمرسوم،
بل يحتاج إلى إقناع حقيقي بأن الانضمام يُضيف لا يُثقِل، وهو إقناع لن يتحقق إلا بعد
أن تثبت المنظومة ذاتها جدارتها أمام من هم داخلها أصلا.
ولا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى تحدي الكفاءات البشرية
المتخصصة؛ فمنظومة التكافل الحديثة تحتاج إلى نوع نادر من الكوادر يجمع بين العمق الفقهي
الشرعي والأداء المؤسسي الاحترافي وإتقان أدوات التكنولوجيا المالية، وهو جمعٌ ليس
متاحا بسهولة في سوق العمل المصري الراهن. فمناهجنا الأزهرية أنتجت فقهاء ومناهجنا
المدنية أنتجت ماليين، لكن الجسر بين الاثنين لا يزال هشا ومتقطعا.
وختاما فإن هذه التحديات ليست قدرا محتوما يُسوّغ التردد،
بل هي خارطة العمل بعينها؛ فمن يعرف العقبة يستطيع تجاوزها، ومن يشخّص المرض بدقة يكون
العلاج في متناول يده. وما تحتاجه مصر هو إرادة سياسية جادة تُدرك أن بناء منظومة تكافل
وطنية راسخة ليس استجابة أخلاقية للفقر فحسب، بل هو استثمارٌ استراتيجي في أمن المجتمع
واستقراره وفي الطاقة البشرية التي ستحمل على عاتقها مشروع الوصول إلى العشرة الكبار.