34- استراتيجيات الصناعات الاستراتيجية لنهضة
مصر
تحدثنا في المقال السابق عن أهمية الصناعات الاستراتيجية
لنهضة مصر الاقتصادية وموقف الإسلام منها وتاريخها وتجارب معاصرة، وفي هذا المقال سنستعرض
الاستراتيجيات والتحديات، فالحديث عن
الصناعة بلا استراتيجية هو كالحديث عن السفر بلا
وجهة، حركة بلا اتجاه، وجهد بلا أثر. واستراتيجياتنا اثنتا عشرة متكاملة، كل منها يُغذّي
الآخر ويبني عليه.
1-
اعرف أين تتفوق وابدأ من هناك
أول خطأ تقع فيه الدول حين تُريد التصنيع هو أن تريد كل
شيء في وقت واحد. فتبني صناعات لا تملك لها ميزة حقيقية، وتُنفق مواردها في مجالات
لا تستطيع المنافسة فيها، فينتهي بها المطاف بصناعات تحيا على الدعم ولا تقدر على الوقوف
وحدها.
الاستراتيجية الذكية تبدأ بسؤال صادق ودقيق هو: ماذا تمتلك
مصر لا تمتلكه غيرها أو تمتلكه بميزة حقيقية؟ الجواب يُفضي مباشرة إلى الصناعات التي
ينبغي أن تُبنى أولا، مثل الصناعات المرتبطة بالقطن وعمق تاريخ النسيج المصري، وصناعات
الغذاء التحويلية المبنية على ثروة زراعية أصيلة، وصناعات البتروكيماويات المرتبطة
بالثروة النفطية والغازية، وصناعات مواد البناء المرتبطة بالحجر الجيري والرمل والجبس
التي تزخر بها الأرض المصرية. هذه ليست صناعات مُستوردة، هي صناعات تنبت في التربة
المصرية وتتجذّر فيها. وفي هذا الاختيار الواعي للميزة النسبية الحقيقية صدى عميق لفقه
الإسلام في العمل؛ فالنبي ﷺ حين قيل له: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده
وكل بيع مبرور". وعمل الرجل بيده لا يكون مبرورا حقا إلا حين يُوظَّف فيما يُتقنه
ويُجيده، لا فيما يُضيّع فيه موارده وجهده. الاستخلاف الحضاري يبدأ بمعرفة ما أودع
الله في هذه الأرض من نِعَم، ثم توجيه الطاقة البشرية نحوها بدلا من تبديدها في مجالات
لا قِبَلَ لها بها.
2- اصنع ما تحتاجه قبل أن تصدّر ما تُنتجه
ثمة مفارقة مؤلمة تعيشها دول كثيرة، تستورد
بأغلى الأسعار ما تمتلك مادته الخام. مصر التي تمتلك أجود أنواع القطن في العالم تستورد
منسوجات، والتي تمتلك ثروة غازية تستورد مشتقات بتروكيماوية، والتي تمتلك تربة خصبة
وتاريخا زراعيا عريقا تستورد أغذية مصنّعة. كسر هذه الحلقة المفرغة هو نقطة الانطلاق
الحقيقية. والاستراتيجية هنا تقوم على مبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد؛ هو إن أيّ سلعة
تستوردها مصر وتملك مادتها الخام هي فرصة صناعية تنتظر من يُحوّلها. وكل دولار يُنفق
على استيراد ما يمكن إنتاجه محليا هو خسارة مزدوجة، خسارة في العملة وخسارة في فرصة
التصنيع.
الاستراتيجية الصناعية كائن حي يتطور مع تطور الاقتصاد ومتغيرات العالم، لكن مجتمعة تُشكّل منظومة متكاملة يُعزّز بعضها بعضا، وتُقدّم لمصر خارطة طريق صناعية تستحق أن تُبنى عليها نهضة حقيقية وليس مجرد طموح معلّق في الهواء
3- التدرّج الصناعي من البسيط إلى المعقد
التحول الصناعي الناجح لا يقفز من الفراغ إلى
القمة. كوريا لم تبدأ بصناعة الرقائق الإلكترونية، بدأت بالنسيج والأحذية، وألمانيا
لم تبدأ بالسيارات الفاخرة، بدأت بالصلب والآلات.
المسار الصناعي المنطقي لمصر يسير في ثلاث
مراحل متتالية ومتداخلة، الأولى هي صناعات كثيفة العمالة تستوعب الطاقة البشرية الشابة
وتُدرّبها وتُنتج دخلا يُموّل المرحلة التالية، ثم صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة متوسطة
تبني الكفاءة الهندسية وتُرسّخ ثقافة التصنيع، ثم الصناعات التكنولوجية المتقدمة التي
تقوم على ما تراكم من خبرة وكفاءة في المرحلتين السابقتين. من يحاول تخطّي هذه المراحل
يجد نفسه يبني على رمال، ومن يصبر عليها يجد نفسه يبني على صخر.
4- الصناعات الصغيرة والمتوسطة هي الجيش الحقيقي
الصناعة الكبرى تأخذ الأضواء لكن الصناعات الصغيرة والمتوسطة
هي التي تصنع الثروة الحقيقية وتوزّعها. في كل اقتصاد صناعي ناضج هذه الصناعات هي التي
تستوعب الجزء الأكبر من العمالة، وتُوفر المرونة التي تفتقر إليها المنشآت العملاقة،
وتُنتج الابتكار الذي لا تجرؤ عليه البيروقراطية المؤسسية الكبرى.
الاستراتيجية هنا تقوم على بناء منظومة دعم متكاملة لهذه
الصناعات: تمويل ميسّر بآليات إسلامية كالمشاركة والمضاربة، وحاضنات صناعية متخصصة،
وربط هذه المنشآت الصغيرة بسلاسل التوريد الكبرى محليا وعالميا. الصناعة الصغيرة التي
تتخصص عميقا في منتج واحد وتُتقنه قد تكون أكثر قيمة وأعمق أثرا من مصنع عملاق يُنتج
كل شيء بمستوى متوسط.
5- توطين التكنولوجيا لا استئجارها
التكنولوجيا المستوردة التي تبقى مستوردة إلى
الأبد هي عبودية مُقنّعة. الاستراتيجية الذكية تستورد التكنولوجيا في البداية كوسيلة
للتعلم لا كغاية في ذاتها. وهذا يعني اشتراط نقل التكنولوجيا في كل عقد
استثماري أجنبي،
وبناء منظومة بحث وتطوير مرتبطة بالصناعة لا منفصلة عنها، وتأهيل كوادر هندسية وطنية
تُطوّر ما استقدمته ثم تتجاوزه.
الصين لم تكتفِ بأن تكون مصنع العالم، لكن
استثمرت عائدات هذه المرحلة في توطين التكنولوجيا وتطويرها حتى أصبحت منافسا حقيقيا
لا مجرد منفّذ. وهذا هو المسار الذي ينبغي أن تسلكه مصر بوعي وإصرار.
6- بيئة تشريعية وإدارية تُطلق لا تُقيّد
أفضل الاستراتيجيات الصناعية تموت في رحم البيروقراطية
إن لم تجد بيئة تشريعية وإدارية محفّزة، وهذا المحور ليس ترفا إصلاحيا بل هو شرط الحياة
للصناعة.
المطلوب هو بساطة إجراءات تأسيس واضحة وسريعة، وحماية حقيقية
للمستثمر المحلي قبل الأجنبي، وقضاء اقتصادي متخصص يفصل في النزاعات بسرعة وعدالة،
وضرائب تُشجّع الإنتاج ولا تُعاقبه، ومناطق صناعية ببنية تحتية حقيقية لا مجرد أرض
مُسوَّرة. وفي هذا الإطار تُقدّم الصياغة الإسلامية لحماية المال وصون الملكية وضمان
العقود إطارا أخلاقيا وقانونيا راسخا يُعزّز الثقة ويُحفّز الاستثمار.
7- الصناعة من أجل الإنسان لا من أجل الأرقام
هذه الاستراتيجية هي الأعمق والأهم؛ الصناعة التي تقوم
على استنزاف العامل وإهدار كرامته وتلويث البيئة التي يحيا فيها ليست نهضة بل استبدال
لمشكلة بمشكلة. الاستراتيجية الحقيقية تضع الإنسان في قلب المعادلة الصناعية، وهذا
بالضبط ما يميّز الرؤية الإسلامية للتنمية عن غيرها. حدّد الإسلام للعامل حقوقا لا
تقبل المساومة؛ أن يُعطى أجره قبل أن يجفّ عرقه كما في قوله ﷺ: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه"، وأن لا يُكلَّف فوق طاقته، وأن يُشارك في ثمار
عمله بآليات المضاربة والمشاركة لا أن يكون أداة في يد رأس المال. وهذه المبادئ ليست
مطالب اجتماعية عاطفية، هي أسس اقتصادية تُنتج عاملا منتجا بحافز حقيقي لا بخوف مُقنَّع،
والعامل الذي يشعر بكرامته في مصنعه يُعطي أكثر مما تصوّره أي منظومة حوافز مادية وحدها.
8- التجمّعات الصناعية المتخصصة
التاريخ الاقتصادي يُثبت أن الصناعة لا تزدهر في العزلة
بل تزدهر حين تتجمّع. حين تتركّز صناعات متقاربة في منطقة جغرافية واحدة، تنشأ بينها
شبكة غير مرئية من التغذية المتبادلة؛ موردون وعملاء ومهندسون وخبرات تتراكم وتتشابك
حتى تُصبح المنطقة بأسرها أكبر من مجموع مصانعها.
وادي السيليكون لم يكن خطة حكومية، كان تجمّعا عضويا نما
حول جامعات وشركات متقاربة حتى أصبح ظاهرة عالمية، وشنتشن الصينية بدأت منطقة صناعية
محدودة ثم تحوّلت إلى عاصمة تكنولوجية تُنافس على المستوى العالمي.
مصر بتنوّعها الجغرافي وثروتها البشرية المتوزّعة قادرة
على بناء تجمّعات صناعية متخصصة؛ تجمّع للصناعات الغذائية في دلتا النيل، وتجمّع للصناعات
البتروكيماوية على ساحل البحر الأحمر، وتجمّع للصناعات التكنولوجية في المدن الجديدة،
وتجمّع للصناعات النسيجية في المحافظات ذات التاريخ الحرفي العريق. كل تجمّع يبني هويته
الصناعية ويُطوّر كفاءته المتخصصة، وتربطها جميعا منظومة لوجستية وطنية متكاملة.
9- الصناعة الرقمية والثورة الصناعية الرابعة
لا تستطيع مصر أن تبني صناعة المستقبل بأدوات الماضي، الثورة
الصناعية الرابعة التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والطباعة ثلاثية
الأبعاد والروبوتيك لم تعد رفاهية تكنولوجية بل شرط المنافسة.
الاستراتيجية هنا لا تعني استيراد هذه التقنيات فحسب، بل
دمجها في المنظومة الصناعية القائمة ثم البناء عليها محليا. المصنع الذكي الذي يُدير
نفسه بالبيانات ويُحسّن إنتاجه في الوقت الفعلي ليس حلما بعيدا، هو استثمار قابل للتطبيق
حين تتوفر الإرادة والكفاءة البشرية المؤهّلة لإدارته. وهنا تتقاطع استراتيجية الصناعة
مع استراتيجية التعليم والبحث العلمي تقاطعا لا فكاك منه.
10- بناء العلامة التجارية الوطنية
الصناعة التي لا تحمل اسما لا تبني ثروة تبني فقط دخلا.
الفارق بين المنتج الذي يُباع بسعر السوق والمنتج الذي يُباع بسعر العلامة التجارية
قد يبلغ أضعافا مضاعفة، وهذا الفارق بعينه هو ما تتركه كثير من الدول النامية على الطاولة.
مصر تمتلك من الإرث والهوية ما يكفي لبناء علامات تجارية
وطنية تحمل قيمة حضارية لا مجرد قيمة سلعية. القطن المصري الذي يعرفه العالم باسمه،
والحِرف اليدوية ذات التاريخ العريق، والصناعات الغذائية ذات الطابع المصري الفريد
كلها مواد خام لعلامات تجارية تستحق أن تُبنى وتُحمى وتُسوَّق عالميا. وحين تقف "صُنع
في مصر" بجانب "صُنع في ألمانيا" أو "صُنع في اليابان" بكل
ما تحمله هذه العلامات من وعد بالجودة والهوية، يكون التحول الصناعي قد اكتمل حقا.
وقد أدرك التجار المسلمون الأوائل أن السمعة أثمن من البضاعة
وأبقى منها؛ لذا بنوا الثقة بالصدق في المعاملة والوضوح في وصف البضاعة، وهو ما أرساه
النبي ﷺ حين مدح التاجر الأمين فقال: "التاجر الأمين الصدوق
مع النبيين والصدّيقين والشهداء". والعلامة التجارية في جوهرها ليست شعارا يُرسم
ولا لونا يُختار، هي عهد بين الصانع والمستهلك، وعهد الصانع المسلم مُصان بقيمة دينية
تفوق أي عقد قانوني.
11- الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام
والخاص
الدولة وحدها لا تستطيع أن تبني صناعة وطنية راسخة، وهذه
حقيقة أثبتها التاريخ مرارا، والقطاع الخاص وحده لا يُبادر إلى الصناعات الاستراتيجية
التي تتطلب استثمارات طويلة الأمد وعائدا مؤجّلا. المعادلة الناجحة في كل تجربة صناعية
مثمرة كانت دائما في الشراكة بينهما؛ الدولة تُهيّئ البيئة وتُحدّد الأولويات وتتحمّل
مخاطر البداية، والقطاع الخاص يُدير ويُبتكر ويُنافس ويُحقق الكفاءة. هذا النموذج التشاركي
يجد في الفقه الإسلامي سندا راسخا، فعقود المشاركة والمضاربة التي أرستها الشريعة قبل
قرون هي في جوهرها توزيع عادل للأدوار والمخاطر والعوائد بين أصحاب القرار وأصحاب رأس
المال وأصحاب الخبرة؛ ثلاثة أطراف لا يغني أحدها عن الآخر.
12- الاندماج في سلاسل القيمة العالمية
الصناعة الوطنية المعزولة عن العالم محكوم عليها بسقف محدود؛
النموذج الأذكى هو أن تجد مصر لنفسها مكانا محسوبا في سلاسل القيمة العالمية ليس كمورّد
للخام، ولا كمصنع للتجميع البسيط، بل كشريك صناعي حقيقي يُضيف قيمة متميزة لا يستطيع
الاستغناء عنها.
موقع مصر الجغرافي بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وعلاقاتها
التجارية المتشعّبة، واتفاقياتها الدولية؛ كلها أوراق تُمكّنها من التفاوض على موقع
أفضل في هذه السلاسل. لكن هذا الموقع لن يُمنح، لا بد أن يُكسب بالكفاءة والجودة والالتزام
بالمواعيد والقدرة على المنافسة. وهذه الكفاءة لا تنزل من السماء، لكن تُبنى في المدارس
والجامعات والمصانع والمختبرات.
هذه الاستراتيجيات ليست النهاية، فالاستراتيجية الصناعية
كائن حي يتطور مع تطور الاقتصاد ومتغيرات العالم، لكن مجتمعة تُشكّل منظومة متكاملة
يُعزّز بعضها بعضا، وتُقدّم لمصر خارطة طريق صناعية تستحق أن تُبنى عليها نهضة حقيقية
وليس مجرد طموح معلّق في الهواء.
التحديات والمعوقات
لا تستحق الاستراتيجية اسمها إن لم تواجه التحديات بعيون
مفتوحة، والنهضة الصناعية الحقيقية لا تنبثق من الحماس وحده، بل من الجمع بين الطموح
الكبير والبصيرة الواضحة بما يعترض الطريق. ومصر أمام تحديات حقيقية لا فائدة من التهوين
منها، ولا جدوى من المبالغة فيها، الفائدة كلها في فهمها وتحويلها من عقبات تُوقف إلى
مسائل تُحل.
البيروقراطية التي تأكل الوقت والطموح
يكاد يكون هذا التحدي الأول والأكثر إلحاحا في أذهان من
جرّبوا الاستثمار الصناعي. المستثمر الذي يحتاج أشهرا للحصول على تراخيصه، ويجتاز دهاليز
إدارية لا نهاية لها، ويُفاجأ بمتطلبات جديدة في كل مرحلة، هذا المستثمر إما يُحجم
عن البدء أصلا، أو يبحث عن مخرج غير رسمي يُفسد المنظومة من داخلها.
البيروقراطية ليست مجرد إزعاج إداري هي ضريبة خفية على
الإنتاج، وعائق حقيقي أمام التحول الصناعي، وكل يوم يتأخر فيه مصنع عن العمل بسبب إجراء
إداري هو يوم ضائع من عمر النهضة.
غياب الثقة بين الدولة والقطاع الخاص
هذا هو جذر كثير من الأمراض الأخرى؛ حين لا يثق المستثمر
المحلي في استقرار القرار، وحين يرى أن اللوائح تتغير فجأة والأولويات تتبدل بتبدّل
المسؤولين، وحين يشعر أن الملعب ليس متكافئا بين من يملك علاقات ومن لا يملكها يُقرّر
أن يحتفظ برأس ماله في ملاذات آمنة بدلا من مغامرة صناعية في بيئة لا يمكن التنبؤ بها.
هذه الثقة لا تُبنى بالقوانين وحدها، لكن تُبنى بالسلوك
المتراكم والوفاء بالوعود وثبات القرار عبر الزمن، وهي أصعب ما يُبنى وأسرع ما يُهدم.
الفساد وهدر الكفاءة
الفساد ليس مشكلة أخلاقية فحسب، هو ضريبة غير رسمية تُثقل
كاهل الصناعة وتُشوّه المنافسة وتُكافئ من يدفع لا من يُنتج. المصنع الذي يحتاج إلى
وساطة ليحصل على تراخيصه، والعقد الذي يذهب لمن يُقرّب لا لمن يُجيد، هذه ليست استثناءات
هامشية بل أمراض هيكلية تأكل جسد الاقتصاد من الداخل.
والأشد خطورة أن الفساد لا يُؤخّر النهضة فحسب، بل يُشوّه
طبيعتها، يبني صناعات ريعية لا تنافسية، وكفاءات وهمية لا حقيقية، ونجاحات زائفة تنهار
عند أول اختبار حقيقي في السوق.
ضعف منظومة الجودة وغياب ثقافة الإتقان
هذا التحدي الأعمق لأنه ثقافي قبل أن يكون تقنيا؛ المنتج
الذي يخرج من المصنع دون أن يخضع لمعايير جودة صارمة، والخدمة التي تُقدَّم دون أن
يكون الإتقان شرطا لا خيارا، والعامل الذي لم يُعلَّم يوما أن "إن الله يحب إذا
عمل أحدكم عملا أن يُتقنه" ليست مجرد حديثا بل منهجا للحياة.. هذا كله يُنتج صناعة
لا تصمد في سوق عالمي لا يرحم.
وهذا الحديث النبوي الشريف يحمل أبعادا اقتصادية لم تستخرجها
كثير من مناهجنا التعليمية، فقوله ﷺ "يُحبّ" يعني أن الإتقان ليس فضيلة اختيارية
بل هو مما يُرضي الله ويُقرّب إليه؛ وهذا يرفع العمل المتقن من مرتبة النشاط الاقتصادي
إلى مرتبة العبادة، ويُحوّل المصنع من مكان لكسب الرزق إلى فضاء للقُربى. وحين يستوعب
العامل المصري هذا المعنى استيعابا حقيقيا، لن يحتاج إلى رقيب يتابعه أو عقوبة تُهدده،
سيكون ضميره الديني هو أكفأ منظومة جودة عرفها الاقتصاد. وهنا تحديدا يتجاوز النموذج
الإسلامي نظريات الحوافز الغربية، فهي تُحفّز بالراتب والترقية والخوف من الفصل، أما
الإسلام فيُحفّز بما لا تُقاس قيمته بأي رقم.
ثقافة الإتقان لا تأتي بمرسوم، تُزرع في المدرسة وتُعزَّز
في المصنع وتُكافَأ في السوق. وحين تغيب هذه الحلقات الثلاث معا يبقى المنتج المصري
أسير السوق المحلي المحمي، عاجزا عن المنافسة حين تُفتح الأبواب.
هشاشة سلاسل التوريد المحلية
الصناعة لا تقوم وحدها، تقوم على شبكة من الموردين والمصنّعين
الفرعيين والخدمات الداعمة. وحين تكون هذه الشبكة هشة أو غائبة، يجد المصنع نفسه مضطرا
لاستيراد مكوّناته الأساسية من الخارج، فترتفع تكاليفه وتتراجع مرونته وتتعرض استمراريته
لمخاطر خارجة عن إرادته.
بناء سلاسل توريد محلية متكاملة ومتينة ليس رفاهية صناعية،
هو العمود الفقري الذي يُمسك الصناعة الوطنية معا ويمنحها الاستقلالية الحقيقية. والدرس
الأكبر من جائحة كوفيد كان بالضبط هذا: الدول التي تملك سلاسل توريد محلية راسخة صمدت،
والتي كانت مرتهنة للخارج تعثّرت.
غياب حماية حقيقية للملكية الفكرية
المخترع الذي لا يثق في حماية اختراعه لا يُعلنه، والشركة
التي تخشى أن تُنسخ منتجاتها لا تستثمر في تطويرها، وحين تغيب الحماية الجدية لحقوق
الملكية الفكرية، تجف منابع الابتكار الصناعي ويتوقف السلّم الصناعي عند درجاته الدنيا.
هذا التحدي أعمق مما يبدو لأنه يمس الصناعات التي تصنع
المستقبل أكثر من تلك التي تصنع الحاضر؛ صناعات الدواء والتكنولوجيا والتصميم والإبداع
لا تُبنى إلا في بيئة تحمي العقل وتُكافئ الابتكار وتُعاقب التقليد.
الاعتماد على الدعم بدلا من بناء التنافسية
الدعم الحكومي للصناعة أداة مشروعة حين يكون جسرا مؤقتا
إلى التنافسية، لكنه يتحول إلى كارثة حين يصبح غاية دائمة. الصناعة التي تعيش على الدعم
لا تتعلم الكفاءة، ولا تُطوّر الجودة، ولا تبحث عن الابتكار لأنها لا تحتاج إلى ذلك
ما دام الدعم ضامنا لبقائها.
المفارقة المؤلمة أن كثيرا من القطاعات الصناعية المدعومة
تُعارض بشدة أي إصلاح يُهدد الدعم، حتى حين يكون هذا الإصلاح هو الطريق الوحيد لتحويلها
من صناعة عبء إلى صناعة ثروة. وفصم هذه العلاقة يحتاج شجاعة سياسية نادرة وخطة تحوّل
تدريجية واضحة.
فجوة التمويل وصعوبة الوصول إليه
الفكرة الصناعية مهما كانت لامعة تحتاج رأس مال يُحوّلها
من ورقة إلى واقع. وكثير من رواد الأعمال الصناعيين في مصر يصطدمون بجدار التمويل قبل
أن يصطدموا بأي تحدٍّ آخر. اشتراطات الضمانات المرهقة، وارتفاع تكلفة التمويل التقليدي،
وضعف منظومة رأس المال المخاطر، وغياب أدوات التمويل الإسلامي المتخصصة في الصناعة،
كلها تجعل الوصول إلى التمويل امتيازا لمن يملك لا حقا لمن يستحق.
وهذه الفجوة تُضرّ بالصناعات الصغيرة والمتوسطة أكثر من
غيرها، لأن الكبار يجدون طريقهم دائما، بينما يقف الصغير أمام الباب المغلق.
ضعف منظومة البحث والتطوير
الصناعة التي لا تبحث لا تتطور، والتي لا تتطور تتراجع.
الفجوة بين الجامعة والمصنع في مصر فجوة حقيقية ومؤلمة، بحوث تُكتب ولا تُطبَّق، ومصانع
تحتاج حلولا لا تجد من يُوفّرها. المهندس الذي يتخرج من الجامعة بمعرفة نظرية ثم يجد
نفسه أمام واقع صناعي مختلف تماما، هذه الهوّة لا يُجسّرها حسن النية، بل يُجسّرها
نظام متكامل يربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة ويُموّل التطبيق لا النشر فحسب.
أزمة الكفاءات البشرية المتخصصة
مصر لا تعاني نقصا في الأعداد، تعاني أحيانا نقصا في التخصص
الدقيق. الصناعات الاستراتيجية المتقدمة تحتاج كفاءات بعينها؛ مهندسين ميكاترونيكس،
وخبراء أتمتة، وفنيين متخصصين في تقنيات بعينها، وهذه الكفاءات لا تتوفر بالأعداد الكافية
محليا، فيضطر المستثمر إلى استقدامها من الخارج بتكلفة عالية أو الاستغناء عن التقنية
الأحدث.
وهذا التحدي لا يُحل بمزيد من الخريجين، بل يُحل بإعادة
ضبط المنظومة التعليمية والتدريبية لتُخرج ما يحتاجه الاقتصاد لا ما يُؤنس المناهج
القديمة.
البنية التحتية غير المتكافئة
المصنع الذي يعاني من انقطاع الكهرباء، والميناء الذي يُعاني
الازدحام، والطريق الذي لا يصل إلى المنطقة الصناعية بكفاءة؛ هذه ليست تفاصيل هامشية
بل تكاليف إضافية تُضعف التنافسية وتُثبّط الاستثمار.
البنية التحتية المتكافئة ليست رفاهية تتبع النمو هي شرط
يسبقه. ومصر تشهد استثمارات ضخمة في البنية التحتية، لكن التحدي يبقى في ضمان أن تصل
هذه الاستثمارات إلى المناطق الصناعية الواعدة في التوقيت الذي يحتاجها المستثمر، لا
بعد أن يكون قد غيّر قراره.
المنافسة الخارجية الشرسة
ثقافة الإتقان لا تأتي بمرسوم، تُزرع في المدرسة وتُعزَّز في المصنع وتُكافَأ في السوق. وحين تغيب هذه الحلقات الثلاث معا يبقى المنتج المصري أسير السوق المحلي المحمي، عاجزا عن المنافسة حين تُفتح الأبواب
العالم لا ينتظر مصر؛ المنتج الصيني الرخيص يضغط على الصناعات
كثيفة العمالة، والمنتج الأوروبي عالي الجودة يضغط على الصناعات الراقية، والمنتج التركي
والهندي يتمدّد في الأسواق التي كانت يوما حكرا للمنتج المصري.
هذه المنافسة ليست ظلما، هي قانون السوق، لكنها تعني أن
الصناعة المصرية لا تستطيع الاعتماد على السوق المحلي المحمي إلى الأبد، وأنها مدعوة
إلى الكفاءة والتميز والتخصص كشروط للبقاء قبل أن تكون شروطا للنجاح.
ثقافة الاستيراد وضعف الولاء للمنتج المحلي
هذا التحدي أكثر عمقا مما يبدو، فجزء من المستهلك المصري
تشرّب قناعة راسخة بأن المستورد أجود والمحلي أدنى؛ قناعة ليست بلا سند تاريخي أحيانا،
لكنها باتت تُشكّل عائقا ثقافيا حقيقيا أمام الصناعة الوطنية.
الصناعة التي لا تجد سوقا محليا داعما تبدأ السباق بساق
مكسورة. والحل ليس في الشعارات الوطنية الحماسية، بل في صناعة تستحق فعلا ثقة المستهلك
وتتنافس بالجودة والسعر لا بالحماية فقط. حين تكون "صُنع في مصر" علامة جودة
لا مجرد نداء عاطفي، يتحول الولاء من مطلب وطني إلى قرار عقلاني.
هذه تحديات حقيقية لكنها ليست أحكاما بالإعدام هي مسائل
قابلة للحل حين تُعالَج بمنهج وإرادة. وفي التاريخ الصناعي للأمم كان أصعب التحديات
هو ما صنع أعمق النهضات، لأن التحدي الحقيقي لا يُضعف الأمم العازمة بل يُصلّبها ويُمحّص
إرادتها. والأمة التي تعرف تحدياتها بوضوح ولا تهرب منها، تكون قد قطعت نصف المسافة
نحو التغلب عليها.
وختاما، فحين تقرر مصر أن تصنع يبقى سؤال هو: من يُطعم
هذه المصانع؟ ومن يُطعم هذا الشعب؟
الأرض التي أنجبت الحضارة لم تتوقف عن العطاء، لكنها تنتظر
من يسألها بلغتها الحقيقية، لغة البذرة والموسم والنيل.
في المقال القادم - إن شاء الله- نزرع.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.