تصدير: "من لا يستطيع أن يبارك، عليه أن يتعلّم كيف
يلعن" (نيتشه).
منذ 25 تموز/ يوليو 2021 دخلت
تونس
مرحلة سياسية جديدة اتخذت لنفسها عند أنصار السلطة الجديدة وحلفائهم في
"المساندة النقدية"؛ اسمَ "تصحيح المسار". وبصرف النظر عن
الاختلافات الجذرية في توصيف هذه المرحلة (هل هي انقلاب على الدستور والانتقال
الديمقراطي أم هي قراءة ما فوق دستورية اقتضاها "الخطر الداهم")، فإنّ
الدارس للشأن التونسي لا يمكن أن ينكر دور ما يُسمّى بـ"القوى
الديمقراطية" في التمهيد لتصحيح المسار وفي منحه الشرعية النُّخبوية الضرورية
لتمرير قراراته الناقضة لغزل "عشرية الانتقال الديمقراطي". فلم تكن
القوة العارية وسردية الاستجابة للانتظارات الشعبية بالغتين شيئا لولا التعامد
الوظيفي أو التخادم شبه الكُلّي بين النظام الجديد وأغلب النخب
"الديمقراطية"، على الأقل في المرحلة الأولى من تصحيح المسار، أي قبل
صدور الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 أيلول/ سبتمبر 2021 وما تلاه من أزمات
مفتوحة مع "الديمقراطيين" ومنظماتهم وأحزابهم ونقاباتهم رغم ما قدّمته
هذه الأجسام الوسيطة من خدمات مؤكدة للنظام الجديد.
رغم أنّ "القوى الديمقراطية" كانت من أكبر
المستفيدين مما تُسميه "العشرية السوداء"، بحكم اختلال موازين القوى
بينها وبين النهضة "التوافقية"، فإن أغلب تلك القوى رأت في إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 فرصة لإعادة هندسة المجال العام -خاصة الحقل السياسي- باستبعاد
حركة النهضة وحلفائها تمهيدا لشراكة استراتيجية مع المشروع السياسي للرئيس، كما
كان الشأن مع المخلوع زين العابدين بن علي.
رأى أغلب "الديمقراطيين" في "تصحيح المسار" مشروعا سياسيا يحقق لهم ما عجزوا عنه منذ المرحلة التأسيسية: إرجاع حركة النهضة إلى مُربع الملف الأمني-القضائي، وبناء تفاهمات مع النواة الصلبة للحكم للتموقع داخل السلطة أو في هوامشها الوظيفية
لقد رأى أغلب "الديمقراطيين"
في "تصحيح المسار" مشروعا سياسيا يحقق لهم ما عجزوا عنه منذ المرحلة
التأسيسية: إرجاع حركة النهضة إلى مُربع الملف الأمني-القضائي، وبناء تفاهمات مع
النواة الصلبة للحكم للتموقع داخل السلطة أو في هوامشها الوظيفية.
لقد أثبت الواقع أنّ هذه الانتظارات لم تكن تقوم على فهم
مطابق لمنطق السلطة الجديدة ولا لسرديتها السياسية القائمة على منطق البديل لا على
منطق الشريك، كما أثبت الواقع أنّ عدوّ السلطة الجديدة ليس فقط الأجسام الوسيطة
السياسية التي بشّر الرئيس منذ حملته الانتخابية بأنه لن يحتاج إلى حلها لأنها
ستنحل من تلقاء ذاتها لانتفاء الحاجة إليها في الديمقراطية المباشرة/المجالسية، بل
إن العدو الوجودي لتصحيح المسار هو كل الأجسام الوسيطة المستقلة عن إرادة السلطة
والرافضة للتحول إلى جسم وظيفي في خدمة "حرب التحرير الوطني"، في ظل
مركزة السلطة وتحويل سائر السلطات إلى "وظائف" في خدمة الرئيس باعتباره
صاحب التفويض الشعبي الكلي والنهائي وغير القابل للسحب، كما هو شأن التفويض
الممنوح لأعضاء غرفتي البرلمان. ولم تكن الرابطة التونسية لحقوق الإنسان بعيدة عن
الوعي الديمقراطي العام الذي قرأ "تصحيح المسار" خطأ باعتباره 7 تشرين الثاني/ نوفمبر جديدا سيقصي الإسلاميين، ثم سيسمح
"للقوى الديمقراطية" ببعض فتات السلطة وامتيازاتها الرمزية والمادية
بعيدا عن الاحتكام للإرادة الشعبية أو بعد هندسة مشهد سياسي على مقاسهم.
ليس يعنينا في هذا المقال أن نستعيد تاريخ
"الرابطة" منذ حصولها على تأشيرة العمل القانوني في 7 أيار/ مايو 1977، كما لا يعنينا -رغم أهمية التاريخ في فهم مواقع/مواقف الفاعلين
الجماعيين بعد الثورة- أن نتحدث عن علاقة هذه المنظمة المدنية بنظام المخلوع
وبالممولين الأجانب، أي باستراتيجيات الهيمنة والاستلحاق الغربية قبل الثورة
وبعدها، ولا علاقتها بالأقليات الأيديولوجية والطائفية في العالم العربي ودفاعها
المستميت عنهم، فما يعنينا هو أساسا هو أن نجيب عن الأسئلة التالية: هل كانت
"عشرية الانتقال الديمقراطي" حقّا عشرية سوداء على "الرابطة"
وباقي مكونات
المجتمع المدني أم كانت عشرية "الربيع المدني"؟ هل كانت
"الرابطة" رابطة للدفاع عن حقوق التونسيين كلهم أم رابطة للدفاع عن
وكلاء "النمط الفرنسي المُتَونس"، وعن حقوق طائفة من التونسيين
"الذين يشبهون "الرابطيين" أيديولوجيا دون غيرهم؟ هل كانت الرابطة -مثل
الأغلب الأعم من مكونات ما يُسمى مجتمعا مدنيا- فاعلا مدنيا أم فاعلا سياسيا في
خدمة أجندات داخلية وخارجية، أساسها معاداة الإسلاميين وضرب أي مشروع ديمقراطي
يتجاوز الصراعات الهوياتية ويبني مشتركا مواطنيا جامعا؟ ولو أردنا صياغة السؤال
الأهم الذي سيساعدنا على تقديم عناصر إجابة منطقية لما سبقة من أسئلة لقلنا: ما هو
دور الحقيقي لما يُسمى مجتمعا مدنيا في "الكيانات الوظيفية" التي تُسمّى
مجازا دولا كما هو شأن الدول العربية كلها؟
إن براءة "الرابطة" من عشرية الانتقال الديمقراطي
لا تُفسّر في الحقيقة بتضرر هذه الجمعية من تلك العشرية؛ بقدر ما تُفسّر بعوامل
نفسية (مصفوفات مشاعر وصور نمطية) تضخّم خطر "الإسلاميين" المتخيل أو
الموهوم على الحقوق والحريات الفردية والجماعية. وهو وعي يخترق سائر مكونات
"العائلة الديمقراطية" التي ترى في الإسلاميين -بمن فيهم حركة النهضة-
عدوا وجوديا للنمط المجتمعي التونسي، أي للخيارات التشريعية والقيمية لمنظومة
الاستعمار الداخلي أو ما كان يسميه اليسار الوظيفي نفسه (الوطد) "دولة
الاستعمار الجديد".
ومن منظور اليسار المرتد عن "المقولات الصلبة" في
الماركسية كالصراع الطبقي، يصبح التناقض الرئيس هو القائم ضد الإسلاميين -كهويات
بصرية وأنماط سلوكية وخيارات فكرية فرديةً وجماعيةً- وليس ضد النواة الصلبة
لمنظومة الاستعمار الداخلي وخياراتها التحديثية الفاشلة، كما يصبح الملف الحقوقي
أساسا ملفا جندريا أو مرتبطا بالحقوق الفردية. أما الحقوق والحريات الجماعية فهي
تغيب تماما فيما يخص "الخوانجية" ومن طبّع معهم من "أشباه الديمقراطيين"،
ولكنها تحضر على استحياء عندما يتعلق الأمر بـ"الديمقراطيين" الذين
تستهدفهم السلطة الحاكمة رغم عداوتهم الثابتة للإسلاميين.
منذ المرحلة التأسيسية كانت "الرابطة" وأغلب
مكونات "المجتمع المدني" أقرب إلى الفاعلين السياسيين منهم إلى الفاعلين
المدنيين. ولم يكن تضخم ما يسميه هؤلاء بـ"الدور الوطني" ناتجا عن موقف
نقدي للأساطير المؤسسة للدولة-الأمة باعتبارها أيديولوجيا منظومة الاستعمار
الداخلي، بل كان ناتجا عن الفراغ السياسي الذي تركه حلّ الحزب الحاكم زمن المخلوع،
وعجز "الأقليات الأيديولوجية" في الأحزاب "الديمقراطية" عن
ملء ذلك الفراغ في الاستحقاقات الانتخابية بحكم تشتتها وهشاشة قواعدها الشعبية، وهو
ما جعل النهضة تتحول إلى الفاعل الأهم في الحقل السياسي.
وأمام هذا المشهد تحوّل "المجتمع المدني" إلى
فاعل سياسي أريد له أن يُضعِفَ تلك الحركة داخليا وخارجيا، وأن يُبقيَ على الهُوّة
بين تمثيليتها الشعبية وبين تملّكها -هي وحلفائها- لأدوات القرار والحكم. لقد حرصت
"الرابطة" واتحاد الشغل ونقابة الصحفيين وغيرهم من مكونات "المجتمع
المدني" على تشبيك علاقاتهم لتأبيد "الخوانجية" في صورة نمطية
أساسها "العنصرية الثقافية": التمييز لا على أساس العرق بل على أساس
ثقافي يصادر على الشر المطلق والدونية المطلق "للخوانجية"، وبالتالي
استحالة استدماجهم في "العائلة الديمقراطية" والاعتراف بهم شركاء في
الوطن والمصير (انظر مقالنا:
مفهوم المواطنة وتحوّلاته منذ بناء الدولة الوطنية
التونسية، ومقالنا:
"العنصرية الثقافية" أو النواة الصلبة للفكر
"الحداثي" التونسي).
بصرف النظر عن كون "المجتمع المدني" هو جزء من مشروع التحديث الفوقي القائم على استبعاد "المجتمع الأهلي" وممثليه التقليديين، فإن هذا المجتمع -ومنه الرابطة- قد تحوّل إلى ديكور "مؤسساتي" تحت قيادة اليسار الوظيفي
بصرف النظر عن كون "المجتمع المدني" هو جزء من
مشروع التحديث الفوقي القائم على استبعاد "المجتمع الأهلي" وممثليه
التقليديين، فإن هذا المجتمع -ومنه الرابطة- قد تحوّل إلى ديكور
"مؤسساتي" تحت قيادة اليسار الوظيفي في منظومة المخلوع
الجهوية-الريعية-الزبونية، ولم يعد من الممكن فصله -إلا من باب الادعاءات الذاتية-
عن منظومة الاستعمار الداخلي وعن استراتيجيتها في مختلف مراحلها قبل الثورة
وبعدها.
فهذه المنظومة قد احتاجت في مرحلة "الاختلال
المؤقت" لتقوية المجتمع المدني واتحاد الشغل وسائر مكونات "العائلة
الديمقراطية". بل إن هذه المنظومة قد شجعت "حرية الإعلام" خلال
عشرية الانتقال الديمقراطي، ولكنها حرصت على أن تكون تلك الحرية موجهة أساسا لضرب
الديمقراطية وشيطنتها أمام عموم المواطنين، كما حرصت على أن تكون "نضالات"
الرابطة" بعيدة عن تهديد مصالحها المادية والرمزية. ولم يكن هناك أفضل من
"الخوانجية" -في الداخل والخارج- لحرف الصراع المجتمعي عن مداراته
الحقيقية وتزييف الوعي بقضايا هوياتية كان خراجها يصبّ دائما في خزائن المنظومة
ونواتها الصلبة.
ونحن نذهب إلى أن الخطأ القاتل للرابطة -ومن قبلها للاتحاد
وللإعلام- هو أنها ظنت أن قوتها خلال عشرية الانتقال الديمقراطي هي قوة ذاتية
وليست قوة مشتقة من منظومة الاستعمار الداخلي، وهو خطأ جعلها تتوهم أنها شريك في
"تصحيح المسار" سواء بالتمهيد له أو بدعمه، والحال أن كل الأجسام
الوسيطة لم تكن إلا أدوات في مشروع سياسي جوهره إلغاء الحاجة إليها. وهو أمر عُمّي
على الرابطة وغيرها، لا نتيجة قصور فكري بل نتيجة "مصفوفات مشاعر"
وقياسات مغالطية كان عاقبتها سَوقُهم إلى الموت السريري بعد انتفاء حاجة السلطة
إليهم على الأقل في المدى المنظور.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.