هل ظلمت السلطةُ في تونس الاتحادَ أم ظلم نفسَه و"الثورةَ"؟

عادل بن عبد الله
"حقيقة التبست على الاتحاد ولم يتبيّن له حقيقة وزنه وموقعه في تلك المنظومة إلا بعد تصحيح المسار"- الأناضول
"حقيقة التبست على الاتحاد ولم يتبيّن له حقيقة وزنه وموقعه في تلك المنظومة إلا بعد تصحيح المسار"- الأناضول
شارك الخبر
في ظل أوضاع داخلية وإقليمية مأزومة سياسيا واقتصاديا، يعقد الاتحاد العام التونسي للشغل بين بين 25 و27 من هذا الشهر مؤتمرا عاديا -أو مؤتمرا انتخابيا سابقا لموعده- في جهة المنستير بالساحل التونسي، دون أن يأخذ المؤتمر طابعا استثنائيا. وهو خيار يفتح إمكانية تحويل مخرجات هذا المؤتمر إلى ملف تنازع قضائي ستكون "الوظيفة القضائية" -كما هو اسمها في سردية السلطة الحاكمة- هي الفيصل فيه، مع ما يعنيه ذلك للسلطة التنفيذية التي لا تخفي سرديتها السياسية موقفها المعادي لكل الأجسام الوسيطة بما فيها تلك الأجسام التي تنتمي إلى "الموالاة النقدية" لتصحيح المسار. فهذه السردية السياسية لا تشتغل بمنطق الشريك بل بمنطق البديل الكلي والمطلق، وهو ما جعلها لا تكتفي بضرب الأجسام السياسية الأهم وتحويل رموزها إلى ملفات أمنية-قضائية، بل اعتبرت "العشرية السوداء" بمؤسساتها ومنظماتها و"توافقاتها" عدوا وجوديا لها بحكم فساد فاعليها الجماعيين وخيانتهم لانتظارات عموم المواطنين وتزييفهم للإرادة الشعبية. وهو وصم لم يسلم منه اتحاد الشغل وأغلب مكوّنات ما يسمى بـ"المجتمع المدني" وحواضنهم الأيديولوجية في أحزاب اليسار الوظيفي بشقّيه الماركسي والقومي، رغم كل ما قدّموه من خدمات لـ"تصحيح المسار" من جهتي التمهيد والشرعنة.

لن نجانب الصواب إذا قلنا إنّ السلطات خلال عشرية الانتقال الديمقراطي المجهضة لم تكن ثلاثا -ولا أربعا إذا ما أضفنا الإعلام سلطة رابعة- بل كان التونسيون أمام سلطة خامسة هي اتحاد الشغل. وهي سلطة غير دستورية ولكنها كانت واقعيا فوق الدستور ذاته، وذات قوة تتجاوز سائر السلطات بما فيها السلطة التنفيذية. وهي وضعية يمكن ردها إلى إسناد منظومة الاستعمار الداخلي -ومَن يقف خلفها في مراكز القرار الإقليمي والدولي- إلى الاتحاد دور "التجمع الدستوري"؛ الحزب الحاكم في عهد المخلوع بن علي. فبعد هروب المخلوع والانقلاب الناعم على الثورة يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2011،
لعب الاتحاد منذ المرحلة التأسيسية دور المعرقل الأساسي لانبثاق حقل سياسي طبيعي، وعمل على تجذير الانقسامات والصراعات على أساس هوياتي
عملت الآلة الدعائية لتلك المنظومة على "تبييض" الاتحاد ودوره المعلوم في النظام النوفمبري حتى آخر أيامه. فلملء الفراغ الذي تركه "التجمع" وشعبه الترابية، دفعت منظومة الاستعمار الداخلي بالاتحاد وشعبه المهنية إلى واجهة المشهد العام باعتباره الفاعل الأهم في "الثورة".

إذا كنا لا ننكر دور الهياكل الدنيا والوسطى للاتحاد في الثورة، فإن الحديث عن دور للمركزية النقابية فيها هو مجرد تزييف للتاريخ وإعادة صياغة له. فهذه المركزية قد حاولت إنقاذ المخلوع ولم تسمح -تحت ضغط القواعد- إلا بإضرابات جهوية دون الدعوة إلى إضراب وطني عام. وبحكم غلبة التعامد الوظيفي أو سياسة "التخادم" بين الاتحاد ومكوناته السياسية والأيديولوجية؛ وبين نظام المخلوع من جهة ثانية، كان اختيار منظومة الاستعمار الداخلي للاتحاد ليكون واجهتها السياسية خيارا منطقيا. ولذلك طمست آلاتُها الدعائية تاريخ ذلك التعامد الوظيفي وسكتت عن ورثة "الشُّعب المهنية"، بل تحالفت معهم وجعلت منهم قاطرة ما يسمى بـ"العائلة الديمقراطية" التي سرعان ما "طبّعت" مع ورثة "الشُّعب الترابية" وملحقاتهم الوظيفية.

لقد لعب الاتحاد منذ المرحلة التأسيسية دور المعرقل الأساسي لانبثاق حقل سياسي طبيعي، وعمل على تجذير الانقسامات والصراعات على أساس هوياتي. وهو ما نقل الصراع من مداره الأصلي -مواجهة جميع الفاعلين في "التأسيس" لمنظومة الاستعمار الداخلي- إلى مدارات هوياتية أصبحت فيها تلك المنظومة هي المتحكم الأوحد في رهانات الصراع بمفرداته ومخرجاته، سواء خلال ما يسميه الاتحاد وحلفاؤه بـ"العشرية السواء" أو ما يُسمّونه بـ"تصحيح المسار".

رغم تبرؤ الاتحاد من "العشرية السوداء"، فإن الواقع يخبرنا بأنه كان أحد الفاعلين الأساسيين فيها، بل أكبر مستفيد منها. ففي تلك العشرية "تغوّل" اتحاد الشغل وأصبح فاعلا سياسيا من خارج مجلة الأحزاب، وهو أمر جعله يتحكم في تشكيل الحكومات المتعاقبة ويفرض مرشحيه في وزارات معينة. وكان الاتحاد يفعل كل ذلك بسردية نقابية ترى أنّ دوره ليس دورا اجتماعيا مطلبيا محضا، بل هو دور وطني، أي سياسي بالضرورة. ولذلك لم يتردد الاتحاد في التموقع السياسي ضد النهضة وحلفائها منذ المرحلة التأسيسية، مرورا بإسقاط حكومة الترويكا وفرض مشهد سياسي شبه خال من النهضة خلال "مرحلة التوافق" بين نداء تونس وتلك الحركة، مع الحرص خلال تلك الفترة وبعدها على استهداف حركة النهضة وتحميلها مسؤولية الأزمات السياسية والاقتصادية المتعاقبة.

ولا يخفى ما في هذا السلوك "السياسي" من خلفية أيديولوجية لم يستطع الاتحاد -خاصة قياداته المؤدلجة من الوطديين والقوميين- تحييدها وهم يدفعون إلى "تصحيح المسار"، أو يتحولون إلى قلاع متقدمة للدفاع عن سياساته في ضرب الديمقراطية والنظام البرلماني المعدّل وأغلب الأجسام الوسيطة والمؤسسات الدستورية وغير الدستورية.

لقد كان النقابيون -وأغلب الأحزاب الوظيفية التي ينتمون إليها- يرون أن "تصحيح المسار" هو في أسوأ حالاته عودة إلى مربّع 7 نوفمبر وإلى النظام الرئاسوي الذي سيكونون فيه "شركاء" بعد تحييد العدو الوجودي لما يسمى بـ"القوى الديمقراطية والمدنية": حركة النهضة وحلفائها والمطبّعين معها من "الديمقراطيين"، وهي قراءة سياسية أثبتت خيارات "تصحيح المسار" تهافتها. كان الخطأ التقديري الأول للاتحاد هو أنه قد توهّم أن قوته "ذاتية" وليست مشتقة من منظومة الاستعمار الداخلي واحتياجاتها تبعا للسياقات المختلفة. فتلك المنظومة هي من أطلقت يد الاتحاد خلال المرحلة التأسيسية وما تلاها، وهي من جعلت منه قوة متحكمة في المشهد العام بما وفرته له من حصانة قضائية ومن دعم إعلامي وسياسي ومدني. كان الاتحاد بعد الثورة "وكيلا أساسيا" في خدمة المصالح المادية والرمزية لتلك المنظومة، ولكنه لم يكن يوما جزءا من نواتها الصلبة (المركّب المالي-الأمني-الجهوي).

إننا أمام حقيقة التبست على الاتحاد ولم يتبيّن له حقيقة وزنه وموقعه في تلك المنظومة إلا بعد "تصحيح المسار". فبعد 25 تموز/ يوليو 2021 راهنت تلك المنظومة على حليف جديد (سردية تصحيح المسار) التي تستمد شرعيتها من كونها بديلا مطلقا لا يقبل الشراكة مع الأجسام الوسيطة "الفاسدة" ولا يرتضي محاورة رموزها، حتى لو كانوا فاعلين كبارا في التمهيد لـ25 تموز/ يوليو 2021 وفي شرعنة خياراتها على الأقل في مرحلتها الأولى. وهو ما يقودنا إلى الخطأ الثاني في تقديرات الاتحاد، ألا وهو عدم توقعه انتهاء الحاجة إليه بعد تصحيح المسار، أي بالأحرى انتهاء حاجة السلطة إلى "شريك اجتماعي" يفرض عليها سياساتها الاقتصادية والاجتماعية ويُشغّب عليها في الملفات الحقوقية.

فقد أهم أوراقه التفاوضية؛ أولا: حاجة منظومة الاستعمار الداخلي إليه في هذه المرحلة، ثانيا: الدعم الشعبي، ثالثا: الموارد المالية المتأتية من الاقتطاع الآلي أو الطوعي

رغم أن الاتحاد لم يكن يوما جزءا من النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي فإنه كان دائما جزءا من منظومة الحكم منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، أو ما يُسميه الباحث الجزائري محمد الهادي الحسني بـ"الاستقلال الخَديج"، ولكنّ قوته لم تكن يوما ذاتية بل هي قوة مشتقة من احتياجات منظومة الاستعمار الداخلي. ففي فترات الصدام بين الاتحاد وبين تلك المنظومة كان الاتحاد يعود دائما إلى "بيت الطاعة" مقابل رشاوى سياسية لنخبه وبعض المكاسب لمنظوريه، وهي مكاسب لا تمسّ مصالح النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار ولا تهدد وجودها ذاته، ولكنها فقط تخفف وطأة خياراتها اللاوطنية على عموم المواطنين بدعم نشط من هياكل الاتحاد وغيره من الأجسام الوسيطة في المجتمع المدني وغيره.

لقد ظنّ الاتحاد -بمنطق الاستقراء لتاريخ علاقته بالسلطة- أن منظومة الاستعمار الداخلي بعد "تصحيح المسار" وتحييد حركة النهضة لن تتخلى عن شراكته وعن شراكة حلفائه في "العائلة الديمقراطية"، وهو ظنّ أثبت سياسات تصحيح المسار أنه ينتمي لمنطق الرغبة لا لمنطق الواقع. وهو ما يجعل سقف مؤتمر المنستير لا يتجاوز البحث عن إعادة الاعتبار -ولو شكليا- للاتحاد باعتباره شريكا اجتماعيا لا يتجاوز دوره المستوى المطلبي المحض. ولكننا نستبعد أن تستجيب السلطة لهذا "الانتظار" بحكم فلسفتها السياسية الرافضة لأي شراكة قد تنقض سردية البديل الشامل، وكذلك بحكم موازين القوى الحالية التي أفقدت الاتحاد أية قدرة على الضغط الفعّال بعد أن فقد أهم أوراقه التفاوضية؛ أولا: حاجة منظومة الاستعمار الداخلي إليه في هذه المرحلة، ثانيا: الدعم الشعبي، ثالثا: الموارد المالية المتأتية من الاقتطاع الآلي أو الطوعي.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)