أخلاقيات السياسة في مواجهة المحنة.. تجربة راشد الغنوشي

عادل الحامدي
التاريخ، في نهاية المطاف، لا يحتفظ بضجيج اللحظة، بل يحتفظ بالمعنى؛ ومعنى هذه السيرة أن الفكرة حين تُقرن بالتضحية تصير أبقى من السلطة، وأرسخ من السجن.
التاريخ، في نهاية المطاف، لا يحتفظ بضجيج اللحظة، بل يحتفظ بالمعنى؛ ومعنى هذه السيرة أن الفكرة حين تُقرن بالتضحية تصير أبقى من السلطة، وأرسخ من السجن.
شارك الخبر
"نحنُ قومٌ لا توسُّطَ بيننا
لنا الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ"


بهذا البيت الشعري الخالد عبّر أبو فراس الحمداني عن ذهنيةٍ ترى الأشياء حدّين لا ثالث لهما: إمّا الغلبة المطلقة، وإمّا الإقصاء الكامل. وحين تنتقل هذه الذهنية من ساحة الحرب إلى ساحة السياسة، تتحوّل من فخرٍ شعري إلى مأزقٍ وطني؛ إذ يصبح الخلاف معركة كسر عظم، ويغدو التداول تهديدًا لا حقًا، ويُختزل المجال العام في معادلة "الصدر أو القبر".

في هذا السياق يُقرأ سجن راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي السابق وزعيم حركة سياسية كبرى، بأحكامٍ متراكمة تتجاوز نصف قرن، وهو في العقد التاسع من عمره. إن استمرار هذا المسار لا يمكن فهمه بوصفه إجراءً قانونيًا بحتًا، بل يبدو أقرب إلى تعبيرٍ عن قطيعةٍ سياسيةٍ تريد إنهاء الخصومة بإلغاء الخصم، لا بمنافسته أو محاورته.

علّمنا التاريخ أن السجن لا يُنقص من قيمة الفكرة إذا حملها صاحبها بأخلاقٍ عالية. فقد خرج نيلسون مانديلا من معتقله في جنوب إفريقيا بعد سبعةٍ وعشرين عامًا ليختار المصالحة بدل الانتقام، فحفظ لبلاده وحدتها وجنّبها حربًا أهلية كانت وشيكة. ولم يتردد المهاتما غاندي في تحويل الألم الشخصي إلى قوةٍ أخلاقية جامعة أسهمت في تحرير وطنه وترسيخ فلسفة اللاعنف. وفي أوروبا الوسطى، جسّد فاتسلاف هافيل معنى الانتقال من الزنزانة إلى رئاسة الدولة دون روح ثأر، مؤمنًا بأن القيم التي تُدافع عنها في المعارضة ينبغي أن تبقى هي ذاتها حين تمسك بزمام الحكم.
غير أن سيرة الرجل لا تختزل في محنة السجن، بل في مسارٍ فكري وسياسي اختار فيه الممارسة على ترف التنظير. فكثيرٌ من المفكرين المسلمين بقوا في دائرة الأفكار المجردة، يشيّدون نظرياتٍ سامية دون أن يخوضوا غبار الواقع. أما الغنوشي فكان من أولئك الذين آثروا تنزيل الفكرة على الأرض، وجعلوا من الوسطية والتوافق قيمةً إسلاميةً عليا لا شعارًا خطابيًا. لقد فهم أن السياسة ليست مختبرًا مثاليًا، بل ميدان تسوياتٍ معقّدة، وأن التوافق ليس تنازلًا عن المبدأ بل اجتهادًا في حفظ المصلحة العامة.

بعد ثورة 2011، قاد توجّه المصالحة والتوافق، ولم يسع إلى انتقامٍ من خصوم الأمس، رغم ما ذاقه من سجونٍ ومنافي في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي رحمهما الله. وفي أعوام الاضطراب التي حرّكتها أطراف الثورة المضادة، اختار التنازل حين رأى أن مصلحة تونس تقتضي خفض منسوب الاحتقان، فدفع أثمانًا سياسية باهظة حفاظًا على المسار الديمقراطي. لم يكن ذلك عجزًا عن المواجهة، بل تقديرًا لميزان القوى، وحرصًا على تجنيب البلاد منزلقاتٍ دامية عرفتها تجارب أخرى.

وسعى، في الوقت ذاته، إلى تعزيز مكانة تونس في الخارج، وتقديمها نموذجًا للانتقال السلمي في محيطٍ عربي مضطرب، كما أولى اهتمامًا خاصًا بالتونسيين في المهجر، إدراكًا منه لدورهم في الاقتصاد الوطني وفي صورة البلاد عالميًا. وكان حضوره في المحافل الدولية محاولةً لربط الهوية الإسلامية بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بعيدًا عن ثنائية الصدام أو الذوبان.

وفي المجال الفكري، أسهم في ترسيخ تيار الاعتدال والوسطية في الفكر السياسي الإسلامي، مجتهدًا في وصل المرجعية الإسلامية بمقتضيات الدولة الحديثة، ومؤكدًا أن التعددية ليست نقيضًا للعقيدة، بل إطارًا لتنظيم الاختلاف. لم يكن مشروعه ثوريًا صداميًا، بل إصلاحيًا تراكميًا، يسعى إلى بناء الثقة بين الإسلاميين وخصومهم، وإلى تحويل الحركة الإسلامية من جماعة احتجاج إلى حزبٍ مدني فاعل في مؤسسات الدولة.

وحين حدث الانقلاب على المسار الديمقراطي، لم يتردد في الوقوف في وجهه، مدافعًا عن الشرعية الانتخابية وعن مبدأ التداول، رغم إدراكه لحجم الكلفة الشخصية والسياسية. عاد إلى موقع المعارض، كما كان في شبابه، دون أن يبدّل لغته أو يتراجع عن قناعاته في الحرية والديمقراطية وحكم القانون.

ورغم سجنه القديم والجديد، لم يتبنَّ خطاب الاستئصال، ولم يدعُ إلى مواجهةٍ مفتوحة، بل ظلّ يؤكد أن المعركة من أجل الحرية لا تُخاض بروح الثأر، وأن الديمقراطية لا تُحمى بنقضها. وهي مفارقةٌ لافتة: رجلٌ يُسجن باسم الدولة، لكنه يواصل الدفاع عن دولة القانون.

وقد علّمنا التاريخ أن السجن لا يُنقص من قيمة الفكرة إذا حملها صاحبها بأخلاقٍ عالية. فقد خرج نيلسون مانديلا من معتقله في جنوب إفريقيا بعد سبعةٍ وعشرين عامًا ليختار المصالحة بدل الانتقام، فحفظ لبلاده وحدتها وجنّبها حربًا أهلية كانت وشيكة. ولم يتردد المهاتما غاندي في تحويل الألم الشخصي إلى قوةٍ أخلاقية جامعة أسهمت في تحرير وطنه وترسيخ فلسفة اللاعنف. وفي أوروبا الوسطى، جسّد فاتسلاف هافيل معنى الانتقال من الزنزانة إلى رئاسة الدولة دون روح ثأر، مؤمنًا بأن القيم التي تُدافع عنها في المعارضة ينبغي أن تبقى هي ذاتها حين تمسك بزمام الحكم.

رغم سجنه القديم والجديد، لم يتبنَّ خطاب الاستئصال، ولم يدعُ إلى مواجهةٍ مفتوحة، بل ظلّ يؤكد أن المعركة من أجل الحرية لا تُخاض بروح الثأر، وأن الديمقراطية لا تُحمى بنقضها. وهي مفارقةٌ لافتة: رجلٌ يُسجن باسم الدولة، لكنه يواصل الدفاع عن دولة القانون.
ليست هذه استدعاءاتٍ للمقارنة بين تجارب مختلفة السياقات، بل تذكيرٌ بأن السجن قد يكون امتحانًا لأخلاق السياسة، وأن القائد الذي يخرج من المحنة أكثر تمسكًا بالمصالحة والحرية يرسّخ لنفسه مكانةً في الضمير الإنساني تتجاوز حدود اللحظة والسلطة.

قد تتفق مع الغنوشي أو تختلف، فكريًا أو سياسيًا، كما اختلف معه بعض أقرب أصحابه. غير أنك لا تملك إلا أن تحترم اتساقه الداخلي؛ فهو صاحب رؤية سياسية واقعية وطموحة، ذات برنامج وأهداف واضحة، قرن أفكاره بنضالٍ طويل، وربط مشروعه بالتضحية والصبر. لم يختر الصمت في زمن الثورة المضادة، ولم يجزع حين تخلّى عنه بعض الحلفاء، ولم يبدّل خطابه طلبًا لرضى سياسات غربية اتسمت ـ في نظر كثيرين ـ بازدواجية المعايير في دعم الديمقراطية.

المساءلة واجبة، والمراجعة ضرورية، والنقد سبيل التقدم. لكن الدولة القوية ليست تلك التي تُحسن إغلاق الأبواب، بل التي تعرف متى تفتحها، وتدرك أن التداول سنّة الاجتماع البشري، وأن الاحتواء في لحظات الاحتقان قد يكون أبلغ أثرًا من الغلبة.

ولعل أعسر ما في السياسة أن يبقى المرء وفيًا لقيمه حين تضيق به السبل. وفي هذا المعنى تحديدًا تتكثف صورة راشد الغنوشي: مفكرٌ لم يكتفِ بالتنظير، وسياسيّ لم يتهرّب من الممارسة، ومعارض لم يستدعِ الثأر، وشيخ في زنزانةٍ ما يزال يتحدث لغة الأمل. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحتفظ بضجيج اللحظة، بل يحتفظ بالمعنى؛ ومعنى هذه السيرة أن الفكرة حين تُقرن بالتضحية تصير أبقى من السلطة، وأرسخ من السجن. وحين تكون المعالي هي البوصلة، وتكون الحرية والعدالة أثمن من المكاسب العابرة، فإن التضحية لا تعود خسارة، بل شرطًا للسمو، وهنا يستعيد الشعر حكمته القديمة:

"تهونُ علينا في المعالي نفوسُنا
ومن خطبَ الحسناءَ لم يُغلِها المهرُ"

هكذا ينساب صوت أبو فراس الحمداني من عمق التاريخ، ليذكّر بأن المعالي لا تُنال بلا كلفة، وأن الرجال يُعرفون بثباتهم على القيم حين تتقلب الأيام. وفي ذلك ما يكفي ليُحفظ اسم راشد الغنوشي في ذاكرة الإصلاح، لا باعتباره طرفًا في خصومة عابرة، بل رمزًا من رموز الصبر على طريق الحرية.

لعل أعسر ما في السياسة أن يبقى المرء وفيًا لقيمه حين تضيق به السبل. وفي هذا المعنى تحديدًا تتكثف صورة راشد الغنوشي: مفكرٌ لم يكتفِ بالتنظير، وسياسيّ لم يتهرّب من الممارسة، ومعارض لم يستدعِ الثأر، وشيخ في زنزانةٍ ما يزال يتحدث لغة الأمل.
والكتابة عن شخصيات فكرية وسياسية بوزن راشد الغنوشي ليست، بالنسبة لي ككاتب وإعلامي، تمرينًا في المديح ولا اصطفافًا في خصومة، بل هي جزءٌ من معركة الحرية نفسها؛ معركةُ الكلمة في وجه الصمت، والحجة في وجه الإقصاء، والسرد المنصف في وجه التشويه.

إن التدافع الفكري الذي يبني الأوطان لا يقوم على إلغاء المختلف، بل على مساءلته ومحاورته والاعتراف بحقه في الوجود السياسي والفكري. وحين نكتب عن سجناء الرأي أو عن رجال دولةٍ يواجهون المحنة بثبات، فإننا لا نؤرّخ لأشخاص بقدر ما ندافع عن معنى: أن السياسة أخلاق قبل أن تكون سلطة، وأن الاختلاف إذا أُدير بالحكمة صار طاقة بناء، لا معول هدم. وفي هذا المعنى تحديدًا، تصبح الكتابة مسؤولية، ويغدو القلم شاهدًا في معركةٍ عنوانها الأسمى: حريةٌ تتسع للجميع.
التعليقات (0)