لم يعد العالم يتحرك بالسرعة التي اعتادها
الناس، بل بات يقفز بين التحولات قفزًا، كأن التاريخ قرر أن يختصر مسافات عقود
كاملة في سنوات قليلة. فمن حرب أوكرانيا التي أعادت رسم خرائط الصراع الدولي، إلى
التوترات المتصاعدة المحيطة بإيران وما تحمله من احتمالات إعادة رسم توازنات
الإقليم، وصولًا إلى
فلسطين التي تجاوزت حدود قضيتها الجغرافية لتصبح سؤالًا
أخلاقيًا وسياسيًا يواجه العالم بأسره، تبدو البشرية وكأنها تعبر مرحلة انتقالية
عميقة لم تتضح ملامحها النهائية بعد.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبدو الأنظمة
الدولية التي بدت يومًا مستقرة ومحصنة بقواعدها وتحالفاتها أكثر ارتباكًا وأقل
يقينًا، فيما تتبدل موازين القوة وتُختبر المعايير التي حكمت العلاقات بين الدول
لعقود طويلة. وفي قلب هذه التحولات، لا تبدو الحروب مجرد صراعات على النفوذ
والحدود، بل لحظات كاشفة تعيد تعريف مفاهيم العدالة والقوة والإنسانية، وتطرح
سؤالًا أكثر عمقًا: أي عالم يتشكل أمام أعيننا، ومن سيدفع ثمن ولادته؟
يأتي العيد هذا العام في العالم العربي والإسلامي محمّلًا بأسئلة تتجاوز طقوس المناسبة إلى ما هو أعمق: ماذا يبقى للإنسان حين تضيق به الأرض؟ وأين يذهب رجاؤه حين تتعثر العدالة وتتأخر نصرة الضعفاء؟ هنا تبدأ حكاية أخرى؛ حكاية غزة وهي تواجه الحرب، وحكاية فلسطين وهي تعيد صياغة وجدان العالم، وحكاية تلك المناجاة القديمة التي تخرج من عمق الشعوب حين يعزّ النصير في الأرض: "الله يا مولانا".
وفي قلب هذا المشهد المتسارع، تبدو بعض
اللحظات الإنسانية أكبر من حسابات السياسة نفسها. فوسط ضجيج الصواريخ والتحالفات،
يظل الإنسان العادي بأحلامه البسيطة وخوفه وأمله هو الكلفة الحقيقية لكل هذه
التحولات.
ولهذا يأتي
العيد هذا العام في العالم
العربي والإسلامي محمّلًا بأسئلة تتجاوز طقوس المناسبة إلى ما هو أعمق: ماذا يبقى
للإنسان حين تضيق به الأرض؟ وأين يذهب رجاؤه حين تتعثر العدالة وتتأخر نصرة
الضعفاء؟ هنا تبدأ حكاية أخرى؛ حكاية
غزة وهي تواجه الحرب، وحكاية فلسطين وهي تعيد
صياغة وجدان العالم، وحكاية تلك المناجاة القديمة التي تخرج من عمق الشعوب حين
يعزّ النصير في الأرض: "الله يا مولانا".
في كل عام يأتي العيد محمّلًا بما هو أكثر
من الطقوس والمظاهر. يأتي كتذكير بأن الإنسان، مهما أثقلته الحياة، يحتاج إلى معنى
يستند إليه قبل أن يحتاج إلى الفرح نفسه. فالأعياد ليست زينة في الشوارع ولا موائد
عامرة فحسب، بل لحظة يعود فيها البشر إلى جوهر الأشياء: الرحمة والكرامة
والطمأنينة، وإلى تذكّر أن الإنسان لم يُخلق ليعيش أسير الخوف أو فاقدًا للمعنى.
لكن العالم يستقبل عيدًا جديدًا فيما غزة ما
تزال تقف في مكان مختلف من الزمن؛ هناك حيث لا تُقاس الأيام بعدد ساعاتها، بل بعدد
من نجوا من القصف، ومن عادوا من رحلة البحث عن الماء، ومن تمكنوا من استخراج حياة
صغيرة من بين الركام. وفي الوقت الذي ترتفع فيه تكبيرات العيد في عواصم كثيرة،
تبدو غزة وكأنها تعيش زمنًا آخر؛ زمنًا تتجاور فيه الحياة والموت على نحو يكاد
يفقد اللغة قدرتها على الوصف.
ومع ذلك، تجاوز ما يحدث في غزة حدود الحدث
الفلسطيني الخالص، ولم يعد مجرد فصل في تاريخ صراع طويل. لقد تحول تدريجيًا إلى
سؤال عالمي: أي صورة يريد الإنسان أن يتركها عن نفسه في هذا العصر؟
في الأزمنة السابقة كانت الحروب تُروى بعد
انتهائها، أما اليوم فالناس يشاهدونها وهي تحدث لحظة بلحظة؛ يرون الأطفال تحت
الأنقاض، والآباء يحملون أبناءهم، والأمهات يحملن ما تبقى من البيوت في أكياس
صغيرة، ثم يواصلون يومهم العادي. وهنا تتجلى واحدة من أكثر مفارقات العصر قسوة:
التكنولوجيا التي قربت العالم من بعضها كشفت الألم الإنساني على نطاق غير مسبوق،
لكنها في الوقت نفسه أظهرت حدود تحويل التعاطف إلى فعل.
ومع مرور الوقت لم تعد فلسطين مجرد قضية
حدود وأرض محتلة، بل أصبحت اختبارًا أخلاقيًا للنظام الدولي نفسه. فقد بُني العالم
الحديث على مفاهيم القانون الدولي وحقوق الإنسان، لكن الحروب تكشف دائمًا الفجوة
بين المبادئ المعلنة والمصالح الفعلية.
وفي هذا المعنى، تتحول غزة إلى مرآة كاشفة
لتناقضات العالم الحديث؛ عالم يتحدث عن الحقوق، لكنه يعجز أحيانًا عن حماية
أبسطها: حق الإنسان في أن يبقى حيًا.
غير أن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى
لا تصنعها السياسة وحدها، بل تتشكل أيضًا في وجدان الشعوب ببطء، ثم تظهر نتائجها
لاحقًا. وربما تكون هذه واحدة من اللحظات التي يعاد فيها تشكيل الوعي العالمي نفسه.
لقد خرجت فلسطين من حدودها الجغرافية إلى الجامعات والشوارع والميادين حول العالم، ولم تعد قضية تخص شعبًا بعينه، بل مساحة لإعادة النظر في مفاهيم العدالة والقوة والحرية والإنسانية. وشيئًا فشيئًا بدأ يظهر جيل جديد ينظر إلى الأحداث بمعايير مختلفة عن تلك التي حكمت السياسة لعقود طويلة.
لقد خرجت فلسطين من حدودها الجغرافية إلى
الجامعات والشوارع والميادين حول العالم، ولم تعد قضية تخص شعبًا بعينه، بل مساحة
لإعادة النظر في مفاهيم العدالة والقوة والحرية والإنسانية. وشيئًا فشيئًا بدأ
يظهر جيل جديد ينظر إلى الأحداث بمعايير مختلفة عن تلك التي حكمت السياسة لعقود
طويلة.
قد تبدو هذه التحولات بطيئة في لحظتها، لكن
التاريخ كثيرًا ما يتحرك بهذه الطريقة: ببطء شديد في البداية، ثم بشكل مفاجئ يعيد
رسم الصورة كلها.
لم تأتِ عبارة "الله يا مولانا"
من فراغ عابر، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية المغربية، واشتهرت بها أغاني
"ناس الغيوان" بوصفها مناجاة إنسانية في لحظات الضيق، لا دعوة إلى
الاستسلام بل بحثًا عن معنى حين تضيق الأسباب. ومن المعنى نفسه جاءت صرخة
السوريين: "ما لنا غيرك يا الله"، بوصفها لحظة تصل فيها الإنسانية إلى
أقصى درجات التمسك بالرجاء حين تتآكل السندات الأرضية.
ولم تكن هذه النداءات يومًا لغة انسحاب، بل
كانت وقودًا أخلاقيًا للفعل. فمن هذا المعنى خرجت الملايين إلى شوارع العالم ترفع
صوتها من أجل غزة، ومنه أيضًا استمرت مدن عربية وإسلامية، ومنها الرباط التي تحتضن
لجنة القدس، في إبقاء فلسطين حاضرة في الوعي العام. ومن الروح نفسها خرجت مبادرات
وأساطيل الصمود التي حاولت كسر الحصار المفروض على غزة، باعتبار أن التضامن يُقاس
بالفعل لا بالشعارات.
فحين يعز النصير في الأرض، لا يتحول التعلق
بالسماء إلى هروب، بل يصبح تذكيرًا بأن الإيمان بالعدل ليس انتظارًا لمعجزة، بل
إصرارًا على أن يكون الإنسان جزءًا من صنعها.
لقد مرت إمبراطوريات كثيرة عبر التاريخ ظنت
أن القوة تصنع الخلود، ثم لم يبق منها إلا أثر في كتب التاريخ، بينما بقيت الشعوب،
وبقيت الذاكرة لمن صمد أكثر مما لمن حكم.
ولهذا ربما لن يكون السؤال الحقيقي بعد هذه
الحرب: من انتصر؟ بل ماذا تعلم العالم من غزة؟ لأن فلسطين قد لا تعيد تشكيل خرائط
المنطقة فقط، بل ربما تعيد تعريف الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى
العالم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.