لم تعد التهمة بحاجة إلى دليل؛ يكفي أن تنتقد الاحتلال، أو ترفض الإبادة، أو تتساءل عن الرواية الرسمية، حتى تجد نفسك فجأة مصنفا: "حمساوي"، "إخواني"، "متطرف"، أو في النسخة الأكثر استهلاكا وابتذالا: "معادٍ للسامية".
بهذه البساطة؛ لقد تحولت هذه التهم، بفعل الإفراط في استخدامها، إلى ما يشبه الطابع الجاهز الذي يُختم به كل صوت يزعج اللوبي المؤيد لإسرائيل، وكل قلم يخرج عن حدود السردية المسموح بها غربيا. ولم يعد مهما إن كان المستهدف إسلاميا أو يساريا أو ليبراليا أو حتى شخصا لا علاقة له بالسياسة أصلا؛ فالمعيار الوحيد هو: هل أزعج
إسرائيل أم لا؟
كلما ارتفع منسوب الإزعاج، ارتفع معه منسوب الاتهام، ولهذا رأينا الاتهامات تُكال للجميع بلا تمييز؛ لناشطين يساريين معروفين بعدائهم الفكري للإسلام السياسي، إلى صحفيين، وأكاديميين، وفنانين، وحتى يهود يرفضون سياسات الاحتلال. فجأة يصبح الجميع "مشبوهين"، فقط لأنهم قالوا إن قتل المدنيين جريمة، أو لأنهم رفضوا أن يُعامل
الفلسطيني كإنسان أقل قيمة.
ماكينة التحريض لم تعد حتى تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من المهنية أو المنطق، يكفي اقتطاع عبارة من سياقها، أو تحوير موقف قديم
المفارقة أن ماكينة
التحريض لم تعد حتى تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من المهنية أو المنطق، يكفي اقتطاع عبارة من سياقها، أو تحوير موقف قديم، أو إعادة تدوير منشور يعود لعشرات السنين، حتى يُبنى عليه ملف كامل من التشويه السياسي والإعلامي.
أتذكر هنا كيف جرى التعامل مع عبارة كتبتها قبل سنوات طويلة عن الشيخ أحمد ياسين، بصفته رمزا فلسطينيا قاوم الاحتلال رغم المرض والإعاقة؛ يومها لم تكن حماس مصنّفة في
بريطانيا أصلا، لكن الصحافة المغرضة لم تتردد لاحقا في تحوير المعنى بالكامل، لتصبح العبارة دليلا على "حب مؤسس حماس"، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يتنكر حتى لرموزه الوطنية وتاريخه السياسي كي يُسمح له بالكلام.
وجاء ذلك أصلا في سياق قضية رفعتها عام 2018 ضد حزب العمال -أثناء عضويتي فيه- بسبب تعيين شخص عمل سابقا في وحدة التجسس الإسرائيلية 8200 مسؤولا عن بيانات أعضاء الحزب. فبدلا من مناقشة جوهر القضية والأسئلة المشروعة المتعلقة بالنفوذ والتأثير والخصوصية، جرى تحويل النقاش كله إلى محاولة شيطنة الطرف الذي أثار القضية. هذا هو الأسلوب دائما: الهروب من النقاش إلى التخوين.
ولا يتوقف الأمر عند حدود بعض المقالات المنشورة في الصحافة الإسرائيلية، والتي تعيد تدويرها لاحقا وسائل إعلام بريطانية يُفترض أنها عريقة ومحترفة، فقد بات واضحا أن جزءا من الإعلام الغربي يتعامل مع البروباغندا الإسرائيلية باعتبارها مادة خاما جاهزة للنشر، حتى حين تكون مبنية على معلومات مضللة أو روايات تحريضية أو اقتطاعات متعمدة للسياق.
ليُّ أعناق الحقائق أصبح ممارسة شبه يومية، ثم تأتي المرحلة الثانية: جيوش الحسابات الوهمية على منصات التواصل، حسابات مجهولة،بأسماء وصور مصطنعة، وظيفتها تكرار الأكاذيب ذاتها، وتصنيف الناس، وإعادة ضخ الاتهامات بصورة منظمة حتى تبدو وكأنها "حقيقة متداولة".
انظروا مثلا إلى الهجوم المنهجي الذي تعرض له مؤخرا المصور البريطاني النيجيري الشهير ميسان هيرمان، فقط لأنه تساءل مهنيا عن سبب تجاهل الإعلام لقصة الضحية الثالثة في حادثة جولدرز غرين، وهو مسلم تعرض للطعن أيضا على يد المتهم نفسه الذي طعن يهوديين. لم يدافع عن عنف، ولم ينكر جريمة، ولم يهاجم أحدا على خلفيته الدينية؛ كل ما فعله أنه سأل: لماذا جرى تغييب هذه الحقيقة من التغطية الإعلامية؟ لكن حتى السؤال بات جريمة.
المشكلة أن هذا الخطاب التحريضي لم يعد يهدف فقط إلى إسكات الأصوات المؤيدة لفلسطين، بل إلى خلق مناخ عام من الخوف. المطلوب أن يخشى الصحفي، والأكاديمي، والسياسي، والناشط، وحتى الفنان، من مجرد الاقتراب من انتقاد إسرائيل، حتى لا يجد نفسه في اليوم التالي هدفا لحملة تشويه منظمة.
هذه الحملات، رغم ضجيجها، تكشف شيئا آخر أكثر أهمية: حجم القلق المتزايد لدى المدافعين عن الاحتلال
لكن يبدو أن هذه الحملات، رغم ضجيجها، تكشف شيئا آخر أكثر أهمية: حجم القلق المتزايد لدى المدافعين عن الاحتلال. فالسردية التي احتكرت طويلا صورة "الضحية المطلقة" تتآكل يوما بعد يوم أمام مشاهد الإبادة في
غزة، وأمام حجم الدمار والقتل والتجويع الذي بات موثقا بالصوت والصورة. والرأي العام الغربي، خصوصا بين الشباب، لم يعد يتلقى الرواية الإسرائيلية بالقدر نفسه من التسليم الذي كان سائدا لعقود، ولهذا تزداد حدة الاتهامات كلما تراجعت القدرة على الإقناع. حين تخسر الحجة، تبدأ بتوزيع التهم.
ومن نافلة القول التذكير بما يعرفه كل من عمل فعليا في ميادين التضامن مع فلسطين: أن الحراك الداعم للحقوق الفلسطينية يضم فلسطينيين وعربا ويهودا وأوروبيين وأمريكيين ومن مختلف الخلفيات الفكريةوالدينية. في المنتدى الفلسطيني في بريطانيا، وفي حملات التضامن مع الأسرى ومنها حملة الأشرطة الحمراء، وفي فعاليات دعم أساطيل كسر حصار غزة، سار كثيرون جنبا إلى جنب لأنهم ببساطة يرفضون الظلم والاحتلال والإبادة. لم يكن المعيار هو الدين ولا العرق، بل الموقف الأخلاقي. ولا أحد من هؤلاء يهاجم الناس على خلفياتهم الدينية، ولا يؤيد قتل المدنيين أو ترويعهم، مع التمسك الواضح بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الأشكال التي تكفلها المواثيق الدولية.
وفي النهاية، لن تغير حملات التحريض هذه من الحقيقة الأساسية: أن انتقاد دولة الاحتلال ليس معاداة للسامية، وأن الدفاع عن فلسطين ليس جريمة، وأن التضامن مع شعب يتعرض للقتل والتهجير ليس تهمة تحتاج إلى تبرير. أما التصنيفات الجاهزة التي توزعها بروباغندا الاحتلال، فقد استُهلكت إلى درجة فقدت معها قدرتها على إخافة الناس أو احتكار الحقيقة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.