بعد إجهاز
إسرائيل على اتفاق "السلام" الشهير بين السلطة
الفلسطينية وإسرائيل، واتخاذه مطية لتنفيذ معظم خطط الاستيطان والتهويد والسيطرة
على الأرض وتحويل السكان فيها لسجناء داخل معازل عنصرية، ها هي تستعد رسميا
لمناقشة قانون يلغي اتفاق
أوسلو، المقدم من حزب "القوة اليهودية" الفاشي
بزعامة إيتمار بن غفير، وصاحب قانون إعدام الأسرى، القانون يطالب إبعادة الوضع على
ما كان عليه قبل توقيع أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993، وبأنه حان الوقت لقول الحقيقة
بدلا من الخوف.
العقود الثلاثة الماضية من عمر أوسلو، حملت مطالبات فلسطينية بمراجعة هذه
الاتفاقات والمطالبة أيضا بإلغائها، لأسباب معروفة، على الأقل لعدم التزام إسرائيل
بأي من بنوده التي تحقق السلام وتعيد الحقوق وتؤسس لبناء كيان فلسطيني مستقل على
هذه القاعدة، كان واضحا منذ البداية حجم الأباطيل والألغام الإسرائيلية في الطريق
نحو السلام، لكن المشكلة كانت وبقيت في سلطة الأوهام التي وفرت قراءتها المبتورة
والقاصرة للعقل الإسرائيلي؛ الوقت اللازم لقضم كل سطر من الاتفاق وكل شبر من
الأرض، وصولا لتقويض دور السلطة نفسها، وجعلها أمام شعبها فقط حارسة لمشاريع
العدوان عليه ومشلولة في التصدي له.
المشكلة كانت وبقيت في سلطة الأوهام التي وفرت قراءتها المبتورة والقاصرة للعقل الإسرائيلي؛ الوقت اللازم لقضم كل سطر من الاتفاق وكل شبر من الأرض، وصولا لتقويض دور السلطة نفسها، وجعلها أمام شعبها فقط حارسة لمشاريع العدوان عليه ومشلولة في التصدي له
الاتفاق انتُهك في اليوم التالي للتوقيع عليه قبل 33 عاما، وفي آلاف المرات
التي رافقت زمنه، فكانت "ثورة" الاستيطان المفجر الحقيقي لهذا الاتفاق،
والذي أعاد رسم الجغرافيا الفلسطينية بما يتناسب والرؤية الصهيونية للدولة
اليهودية، ومنع نهائي لتجسيد دولة فلسطينية على الأرض؛ متصلة بشكل جغرافي
وديموغرافي.
التنصل من أوسلو ومن القوانين الدولية تم بالفعل قبل طرح فكرة بن غفير على
كنيست
الاحتلال لإلغائه رسميا، في إعادة السيطرة على التقسيم المدرج للأرض بحروف (أ)
و(ب) و(ج)، وتكثيف الاستيطان فيها، وهدم المنازل، وتهجير السكان والتلويح بضم
الضفة والأغوار، واقتحام الأقصى وتهويده، وعزل السلطة وحصارها ضمن مهام أمنية
للتنسيق مع الاحتلال، وتحمل عبء إدارة حياة الفلسطينيين اليومية بأثقال حصارهم
ومصادرة أرضهم والتنكيل بهم.
الموقف من شطب أوسلو، أو انتهاك عملية "السلام"، تمت مواجهته في
السابق بمواقف دولية وأمريكية وعربية فلسطينية، يمكن تسميتها بالتساهل المخزي
والمهين معها، من خلال التأكيد على التمسك بخيارات السلام الاستراتيجية، والتي
فيها كل الأوضاع على هذا النحو الخطير وغير المسبوق. فاعتلاء اليمين الفاشي في
إسرائيل لسدة الحكم، هو نتيجة لهذه المواقف، التي تواجه اليوم بشعارات وسياسات
بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير ونتنياهو، والتي تعبر عن روح وجوهر المشروع
الصهيوني ورؤيته لـ"إسرائيل الكبرى" دون مواربة، فإذا كانت جريمة التنصل
من اتفاق السلام ومن كل القانون الدولي تمت بهذه المواقف، فمن "الطبيعي"
أن تمر بقية جرائم الإبادة والتطهير العرقي على نفس سكة إلغاء الوضع القائم.
ربما يمتلك الفلسطينيون فرصة أخيرة لتصحيح المسار الداخلي ولتصليب الموقف
العربي، فلا خيارات أمامهم سوى الامتثال لمطلب تمتين الوحدة الداخلية، لسبب بسيط
متعلق بسقوط خيار الرهان على موقف أمريكي أو على تبديل العقلية الإسرائيلية حيال
حقوقهم ووجودهم فوق أرضهم، والفشل في هذا الخيار وحصد نتائجه كان وسيبقى كارثيا
على قضية تحرر وطني من استعمار استيطاني كولونيالي. فبعدما أفرغت إسرائيل مفهوم
السلام من مضمونه القانوني والعملي والسياسي، وسلبت السلطة دورها ووظيفتها
السياسية والمعنوية، وبطشت بالبشر والحجر، وفرضت عدوى السقوط والخضوع والابتزاز
على أطراف عربية بمساعدة أمريكية غربية، وأطلقت عليها عملية سلام وتطبيعا في
المنطقة على حساب انتهاك الأصل في قضية إنهاء الاحتلال وتفكيك مشروعه الاستعماري.
الانتقال من الكلام لفعل العدوان والإرهاب يتم من الجانب الصهيوني، والغرق
في العجز والتواطؤ الذاتي العربي والدولي مكمل لهذا السقوط، فالمدقق في مجريات
الأحداث خلال عقود أوسلو الماضية، سوف يلاحظ مدى سلبية الدور الذي قامت به السياسة
العربية الرسمية والفلسطينية بالتعاطي مع سياسة العدوان اليومي على الشعب والأرض، وفي
خنق الشارع العربي والفلسطيني ومحاصرة ردود أفعاله من العدوان الشامل، فماذا كانت
نتائجه؟ هل كانت تتوقع السياسة العربية مثلا ومعها سلطة أوسلو الفلسطينية؛ أن يصعد
جيل من السياسيين ومئات آلاف المستوطنين في إسرائيل غير متشبع بأفكار تلمودية
وتوراتية، وأن يصبحوا فجأة رسل سلام وتعايش، أم أن عليهم الخضوع لفاشية تدعو
لإبادتهم، وعدم مواجهتها لعدم إثارة المجتمع الدولي ضدهم؟
اعتبارات عديدة يجب إعادتها لنصابها، منها تصليب الشخصية السياسية للشعب الفلسطيني، والتئامها مع الشارع والتمسك بإرادة التعبير عن الشعب والقضية، وإنهاء كابوس وفزاعة الانقسام التي أضعفت واستنزفت قواعد مواجهة الأخطار المستفحلة يوما بعد آخر
خيارات كثيرة خضعت لها السياسة العربية والفلسطينية، لكنها لن تكون أبدية
إن امتلكت إرادة الفرصة الأخيرة، وهي متاحة بالفعل، وعديدة وضرورية، فكل ما كان
قائما انهار عمليا؛ ونقصد المرتبط نظريا بعملية السلام ووصل حد النهاية، فليس من
المعقول أن تكون النظرة الاستراتيجية لهذه العملية رهينة فقط بصوابية قانون بن
غفير الجديدة بشطب أوسلو، فهي مدرجة للمراجعة أمام السلطة ومنظمة التحرير واللجنة
المركزية والفصائل والقوى المختلفة، وهي بحاجة لمناخ حوار ديمقراطي كشرط راهن لإعادة
البناء الداخلي وتحمل المسؤولية دون فزاعة التخويف من البدائل؛ إن كان البديل في
المقلب الآخر جدار فصل عنصري وتحويل كل قرية ومدينة وتجمع بدوي وغيره إلى معازل
فصل عنصري، وأي بديل لا يستند لمحرك بشري بعيد عن منطق الاستسلام والخضوع في
الشارع لا يعول عليه.
اعتبارات عديدة يجب إعادتها لنصابها، منها تصليب الشخصية السياسية للشعب
الفلسطيني، والتئامها مع الشارع والتمسك بإرادة التعبير عن الشعب والقضية، وإنهاء
كابوس وفزاعة الانقسام التي أضعفت واستنزفت قواعد مواجهة الأخطار المستفحلة يوما
بعد آخر. نقاط بدء كثيرة يمكن البناء عليها فلسطينيا وبالتالي عربيا، إذا كانت صحة
الرؤية ترى طريق إعادة بناء حركة نضال لاسترجاع فلسطين، وليس البكاء على فقدان أو
شطب اتفاق "أوسلو" الذي ضاعف الاستيطان وشق صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية،
وراكم الاحتلال من خلفه الإنجازات والانتصارات وجرائم الحرب والإبادة والتطبيع
المجاني وإخضاع المنطقة العربية، فلا تبكوا أوسلو ولا تنعوا وفاته، بل تحسروا على
ضياع الأرض وتهويدها وتهجير سكانها وقتلهم، لأن لا دولة بدونهم ولا سلام تذرف عليه
دموع. عودوا للوضع الذي كان قائما قبل أوسلو كما يريد الشارع؛ بدون مليون مستعمر
وبدون جدار فصل عنصري، وبلا انقسام داخلي، لا كما يريد بن غفير وسموتريتش ونتنياهو.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.