التطبيع مع المجزرة: عندما يتحول الدفاع عن "الدولة" إلى تبرير للجريمة

مصطفى الخليل
إكس
إكس
شارك الخبر
في الساعات الأولى من صباح 24 نيسان/أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن "المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محكمة". الرجل الذي وثّقته كاميرات الفيديو وهو يُعدم مدنيين عزّل ويُحرق جثثهم في حفرة جماعية، صار بعد 13 عاما من الجريمة، في قبضة العدالة. لكن حدثا موازيا فرض نفسه في الساعات التي تلت الإعلان: صعود خطاب التبرير. فتصاعدت أصوات في الفضاء الرقمي، تزعم أن يوسف "كان يؤدي واجبه في الدفاع عن الدولة"، وأن أفعاله "أتت في سياق الحرب"، وأن محاسبته "ليست سوى تصفية حسابات سياسية". ولم تكن هذه الأصوات تعليقات هامشية، بل كشفت عن ظاهرة أعمق وأشد خطورة: التطبيع مع المجزرة. ومما يضاعف غرابة هذا الخطاب أن بعض مروّجيه يستندون إلى حجة طائفية معكوسة؛ إذ يزعمون أن يوسف (وهو من أبناء الطائفة العلوية) لم يكن الوحيد، بل نفّذ المجزرة إلى جانب مجموعة من زملائه من أبناء السُنة السوريين، وكأن هوية القاتل حين تتطابق مع هوية الضحية تُسقط الجريمة عن صفة "المجزرة".

ما الذي حدث في حفرة التضامن؟

لفهم ما يعنيه التطبيع مع المجزرة، لا بد أولا من تذكُّر المجزرة نفسها. ففي 16 نيسان/أبريل 2013، وتحديدا في شارع نسرين بحي التضامن جنوب دمشق، وقعت واحدة من أكثر الجرائم بشاعة في تاريخ سوريا الحديث، حين أعدم عنصر المخابرات العسكرية أمجد يوسف مدنيين عزّل وأحرق جثثهم مع إطارات مطاطية في حفرة أُعدّت مسبقا، قبل أن تُدفن.

ظلّت الجريمة مدفونة لنحو تسع سنوات، إلى أن فجّرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية في نيسان/أبريل 2022 بنشرها مقطع فيديو مسرّبا قالت إنه من أصل 27 تسجيلا مصوّرا. أظهر المقطع عناصر مخابرات يرتدون زيا عسكريا وهم يطلبون من مدنيين معصوبي الأعين ومكبّلي الأيدي "الركض"، موهمين إياهم بوجود قناص يستهدفهم، وما إن بدأ الضحايا بالركض حتى أُطلق عليهم النار ليسقطوا في حفرة جماعية أُحرقت جثثهم لاحقا.

وفي اعترافاته بعد اعتقاله، أقرّ يوسف بمسؤوليته عن تصفية نحو 40 شخصا "ميدانيا"، وزعم أنه تصرّف "بقرار شخصي" دون تلقّي أوامر عسكرية مباشرة من قيادته العليا، كما اعترف بإحراق الجثث "لمنع انبعاث الروائح وإخفاء هويات القتلى". غير أن هذه الحجة كانت قد انهارت عمليا قبل أن ينطق بها؛ إذ سبق لإدارة أمن دمشق أن أعلنت، في 17 شباط/فبراير 2025، عن إلقاء القبض على ثلاثة آخرين متورطين في المجزرة، واعترف الموقوفون بتورطهم في تصفية أكثر من 500 رجل وامرأة من المدنيين دون أي محاكمة أو تهمة.

ثلاثة تجليات للتطبيع

التطبيع مع المجزرة ليس فعلا واحدا، بل عملية مركّبة تنخر في الوعي الجمعي وتعيد إنتاج شروط الإفلات من العقوبة. وفي حالة مجزرة التضامن، يتجلى أولا في اختزال الجريمة إلى فعل فردي، بمحاولة يوسف حصر المسؤولية في "قرار شخصي" رغم استحالة تنفيذ مجزرة بهذا الحجم دون بنية مؤسساتية تدعمه، وهو ما يمكّن المدافعين من التساؤل: "لماذا تحاسبون جنديا كان يؤدي واجبه؟"، وكأن إعدام مدنيين عزّل وإحراق جثثهم يدخل في باب الواجب. ويتجلى ثانيا في إضفاء شرعية الدولة على الجريمة، حيث يُمنح القاتل بأثر رجعي غطاء "الدفاع عن الدولة"، في احتيال سياسي يدمج النظام بالدولة ليحوّل الضحية إلى عدو والمجزرة إلى "عملية أمنية". ولو كان النظام قد انتصر، لكان هذا الإضفاء قد اكتمل حتى نهايته المنطقية: لرأينا أمجد يوسف يُصوَّر على أنه "مخلّص" أو "بطل قومي"، ولاندثرت مظلومية الضحايا تحت رواية الانتصار، وكأن الحفرة التي أُحرقت فيها جثثهم لم تكن سوى "تفصيل" في ملحمة الدولة.

أما التجلي الثالث والأخطر فهو الاستمرار رغم سقوط النظام؛ إذ لا يتوقف خطاب التبرير عند لحظة سياسية، بل يمتد زمنيا مراهنا على تحويل المحاسبة إلى "تصفية حسابات"، ومؤسسا لقاعدة غير مكتوبة مفادها أن الجريمة، حين ترتكبها "الدولة"، ليست جريمة.

من "تفاهة الشر" إلى تفكيك خطاب التبرير

صاغت الفيلسوفة حنة أرندت في كتابها "أيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر" (1963) مفهوما يصف كيف يمكن لأشخاص عاديين أن يرتكبوا جرائم مروّعة، ليس بدافع كراهية أيديولوجية، بل بدافع "أداء الواجب" والانصياع للروتين. لاحظت أرندت، وهي تتابع محاكمة أدولف أيخمان -المهندس اللوجستي للمحرقة- أن أيخمان لم يكن وحشا نازيا، بل "موظفا بسيطا، محدود الخيال، يجيد البيروقراطية أكثر مما يجيد التفكير"، و"لم يُظهر أي ذنب لأفعاله ولا كراهية لمن يحاكمونه، لأنه ادعى أنه لا يتحمل أي مسؤولية لعمله، حيث كان ببساطة يقوم بعمله".

هذا المفهوم ينطبق بدقة على يوسف وشركائه، الذين نفّذوا إعدامات جماعية وكأنها عمل روتيني: يحضرون الحفرة، يقتلون الضحايا، يحرقون الجثث "لمنع الروائح"، ثم يردمون الحفرة ويواصلون يومهم.

لكن رؤية أرندت أعمق من جزئية وصف "الموظف المطيع"؛ فبالنسبة لها، يكمن جوهر "تفاهة" هذا الشر في غياب التفكير النقدي، حيث وجدت أن أيخمان لم يكن غبيا، بل كان غير قادر على رؤية الأمور من منظور الآخرين بسبب فراغه الأخلاقي وخضوعه المطلق للروتين. هذا الغياب للتفكير هو ما جعل يوسف يبرر إحراق الجثث بمنطق "النظافة العامة"، دون أي إدراك لحجم الجريمة التي كان يشارك في إنتاجها.

معركة الذاكرة: بين التطبيع والمحاسبة

في نهاية المطاف، التطبيع مع المجزرة ليس موقفا عابرا من الماضي، بل هو رهان على مستقبل سوريا. إنه يراهن على أن الزمن كفيل بغسل الدماء، وأن النسيان الجماعي سيحوّل المجزرة إلى "حادثة تاريخية" يمكن تجاوزها. غير أن صمود أهالي الضحايا، وعمل الصحفيين، وإصرار القضاء، يذكّرنا بأن المجزرة لا يستحيل التطبيع معها. فمجزرة التضامن إما أن تُذكر ويُحاسب مرتكبوها، وإما أن تُنسى فتُعاد. الخيار هنا ليس بين "التطبيع" و"عدم التطبيع" فحسب، بل بين الذاكرة والنسيان، بين العدالة والإفلات من العقاب.. بين الحياة والموت.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل