النساء السوريات بين الخوف والاستثمار السياسي

براءة زيدان
"الخوف لم يكن يميز بين امرأة وأخرى"- جيتي
"الخوف لم يكن يميز بين امرأة وأخرى"- جيتي
شارك الخبر
تقول الفيلسوفة جوديث بتلر (Judith Butler) إن السلطة لا تتحكم فقط بحياة الناس، بل تحدد أيضا أيّ الأرواح تستحق الحداد عليها. في سوريا تبدو هذه الفكرة أقل فلسفية مما ينبغي، فالضحية لا تموت مرة واحدة، بل مرتين: مرة حين تُقتل أو تُخطف أو تُهان، ومرة ثانية حين يبدأ فرز الألم وتصنيف الضحايا، وتحديد أيّ المآسي تستحق الضوء، وأيّ النساء يمكن تحويلهن إلى وقود لحرب سرديات لا تنتهي.

خلال الأسابيع الأخيرة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بروايات عن اختفاء نساء، وحالات خطف وانتهاكات، وموجات خوف جماعي تختلط فيها الحقائق بالشائعات، والعمل الحقوقي أحيانا بالاستعراض الإعلامي والتجييش الطائفي. وفي ظل غياب المعلومات الواضحة، يصبح الخوف نفسه مادة للاستثمار السياسي، وتتحول النساء إلى أدوات في معارك التحريض والكراهية وتبادل الاتهامات.

حقيقة أن السوريين ما يزالون عاجزين حتى اليوم عن الشعور بالأمان الحقيقي. فالحرب الطويلة لم تدمر المدن والبنى التحتية فقط، بل دمرت أيضا الثقة بين الناس، والثقة بفكرة الدولة نفسها

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في صحة كل رواية من عدمها، بل في حقيقة أن السوريين ما يزالون عاجزين حتى اليوم عن الشعور بالأمان الحقيقي. فالحرب الطويلة لم تدمر المدن والبنى التحتية فقط، بل دمرت أيضا الثقة بين الناس، والثقة بفكرة الدولة نفسها.

السوريون الذين عاشوا سنوات الحرب يعرفون جيدا أن الرعب لم يكن يسأل عن الطائفة قبل أن يدخل البيوت، والخوف لم يكن يميز بين امرأة وأخرى حين يتحول الجسد إلى وسيلة إذلال، ولا بين أم وأخرى حين تنتظر ابنها المفقود، ولا بين عائلة وأخرى حين تصبح الحياة كلها معلقة على مزاج السلاح والفوضى.

ومع ذلك، ما يزال جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي يصر على تقسيم الضحايا إلى فئات متفاوتة القيمة الأخلاقية: ضحايا يحظون بالتعاطف والاهتمام، وآخرون يُدفعون إلى الظل لأن قصصهم لا تخدم السردية المناسبة أو لا تنسجم مع المزاج السياسي السائد.

إن طرح هذه المعضلة لا يعني إنكار خوف أي عائلة سورية اليوم، ولا التقليل من خطورة أي انتهاك حقيقي قد تتعرض له النساء، بل يعني رفض تحويل الألم السوري إلى مزاد مفتوح، ورفض التعامل مع النساء بوصفهن مادة جاهزة لإشعال الخوف الجماعي أو التحريض الطائفي.

فالمشكلة لم تكن يوما في الحوادث الفردية وحدها، بل في البيئة التي جعلت العنف أمرا اعتياديا، والخوف جزءا من الحياة اليومية، والإفلات من العقاب قاعدة أكثر منه استثناء.

وقد كتب ابن خلدون قبل قرون أن "الظلم مؤذن بخراب العمران"، لكن الخراب لا يبدأ فقط من القمع المباشر، بل أيضا حين يفقد الناس ثقتهم بأن القانون يحمي الجميع، وأن العدالة لا تتغير تبعا لهوية الضحية أو انتمائها. وربما كانت هذه واحدة من أكثر المآسي السورية قسوة: ليس فقط أن السوريين خسروا الأمان والبيوت والأحبة، بل أنهم أُجبروا تدريجيا على الاختلاف حتى في حقهم بالحزن.

لهذا، لا تحتاج سوريا اليوم إلى استثمار جديد في خوف النساء، ولا إلى سوق جديدة للمزايدات الطائفية، بل إلى استعادة المعنى البسيط لفكرة الدولة: دولة ترى الإنسان قبل أي شيء آخر، وتحمي مواطنيها بعيدا عن الخوف والكراهية والاستغلال السياسي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)