جغرافية المكان.. القالب الأيديولوجي للهُوية.. سوريا أنموذجا!

حسين عبد العزيز
إن إعادة تسمية بعض الأماكن ليست إلا تعبيراً عن أفول مرحلة وبدء مرحلة أخرى، وإزالة كل ما يتصل بالمرحلة الأولى، لا سيما الأماكن التي تشير إلى شخوص في النظام السابق.. فيسبوك
إن إعادة تسمية بعض الأماكن ليست إلا تعبيراً عن أفول مرحلة وبدء مرحلة أخرى، وإزالة كل ما يتصل بالمرحلة الأولى، لا سيما الأماكن التي تشير إلى شخوص في النظام السابق.. فيسبوك
شارك الخبر
في جغرافيا المكان، تلعب الأسماء دور البوصلة أو بطاقات تصنيفية لأغراض إجرائية تتعلق بضرورة معرفة المكان لتحديد بوصلة التحرك الإنساني من مكان على آخر.

هذه العملية تنطبق على كل أسماء الأماكن في العالم، وبالتالي هي ظاهرة إنسانية مرتبطة بالجغرافيا.

لكن بعض الأماكن لها خصوصيتها التاريخية، إما كموقع جغرافي حدثت فيه معركة هامة، أو شهادة جغرافية على حدث ما، مثل شهداء 6 مايو عام 1916 الذين أعدمتهم السلطنة العثمانية في ساحتي البرج ببيروت والمرجة بدمشق، وما إلى ذلك.

وأن تقوم السلطات الجديدة في أية دولة بتغيير أسماء شوارع ومعالم عامة، فهذا من نافلة الفعل الطبيعي، خصوصاً حين تكون أسماء تلك الأماكن من صناعة النظام السابق، وتشكل تعريفاً هُويايتاً له، مثل "مكتبة الأسد" و"جسر الأسد" في دمشق.. إلخ.

بهذا المعنى، فإن إعادة تسمية بعض الأماكن ليست إلا تعبيراً عن أفول مرحلة وبدء مرحلة أخرى، وإزالة كل ما يتصل بالمرحلة الأولى، لا سيما الأماكن التي تشير إلى شخوص في النظام السابق.

لكن المسألة أعقد بكثير وتتجاوز مجرد الإشارة إلى إعلان بدء مرحلة جديدة، إنها تهدف إلى إعادة إنتاج هُوية جديدة من خلال الجغرافيا الضيقة، إنه الإنتاج الاجتماعي ـ التاريخي ـ‘ الهُوياتي للمكان المتنازع على رمزيته في الوعي.

وتأتي عملية الاستعادة عادة عبر طريقين:

ـ تعبير عن ذاكرة جمعية لمجموع الشعب كما في حالات ما بعد الاستعمار، حيث تستعيد الدولة المستقلة إعادة إنتاج رموزها التاريخية التي سلبها المُستعمر، ثم إضافة أسماء جديدة للأماكن كانعكاس لمرحلة النضال ضد هذا المُستعمر، ثم أسماء لأماكن أخرى في سياق عملية أسطرة للمرحلة الجديدة وشخوصها.

بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد، أطلقت السلطة الجديدة في سوريا عملية واسعة لإعادة تسمية أماكن وشوارع ونصب عامة، وكانت هذا العملية مخصصة في جوهرها لإزالة كل ما يتعلق بالنظام السابق، فنقلت اسم الصرح من التسمية الخاصة إلى تسمية عامة (وطنية)، مثل استبدال المكتبة الوطنية في دمشق بمكتبة الأسد سابقاً، وجامعة حمص بدلا من جامعة البعث، وجامعة اللاذقية بدلاً من جامعة تشرين.. إلخ.
ـ تعبير عن ذاكرة جمعية لأغلبية الشعب، وليس كله، وهذه الحالة تأتي عادة بعد انتصار طرف في الداخل على طرف، أو أطراف عدة، بعد حرب أهلية.

أنجع الحالات التي تعكس الاندماج الوطني، هي تلك التي تتلاقى فيها الذاكرة الجمعية للشعب بكليته مع ذاكرة السلطة، حيث تتحول الأسماء إلى رموز وطنية جامعة للمجتمع المتنوع.

أما في حالة عدم تلاقي ذاكرة السلطة مع ذاكرة جزء من المجتمع، فهذا ما سيؤدي إلى تحويل الأماكن من ناحية دلالاتها الرمزية، إلى ساحة للصراع الهُوياتي الرمزي كما هو الحال في سوريا اليوم.

الحالة السورية

بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد، أطلقت السلطة الجديدة في سوريا عملية واسعة لإعادة تسمية أماكن وشوارع ونصب عامة، وكانت هذا العملية مخصصة في جوهرها لإزالة كل ما يتعلق بالنظام السابق، فنقلت اسم الصرح من التسمية الخاصة إلى تسمية عامة (وطنية)، مثل استبدال المكتبة الوطنية في دمشق بمكتبة الأسد سابقاً، وجامعة حمص بدلا من جامعة البعث، وجامعة اللاذقية بدلاً من جامعة تشرين.. إلخ.

في هذه الحالة، يعتبر استبدال أسماء الأماكن بأسماء المنطقة فعلاً حيادياً تاماً وطبيعيا، وخال من أية دلالات سيميائية وسياسية، ولذلك لم تثر عملية تغيير الأسماء هنا أي اعتراض أو سجال شعبي.

لكن المشكلة كمنت في تغيير أسماء أماكن وشوارع حملت دلالات سياسية وأيديولوجية واضحة، وربما تسرعاً أو عدم وعي كاف لهذه العملية، من ذلك مثلاً، تغير اسم شارع عبد المنعم رياض في حمص باسم آخر.

ويعد الفريق أول عبد المنعم رياض أحد أشهر القادة العسكريين المصريين في العصر الحديث، حيث لقب بـ "الجنرال الذهبي"، وشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب الاستنزاف بين عامي 1967 ـ 1970.

وتكمن أهمية اسمه ليس فقط بدوره في حرب الاستنزاف فحسب، وإنما لأنه قُتل على الجبهة المصرية الإسرائيلية عام 1969 أثناء تفقده الخطوط الأمامية على جبهة قناة السويس، عندما انهالت نيران المدفعية الإسرائيلية على موقعه، في عملية اغتيال مستهدفة بعدما حصلت إسرائيل على معلومات بتواجده في المكان.

على الرغم من أن السلطة السورية أعادت تسمية عبد المنعم رياض إلى الشارع بعد حصول رد فعل شعبي على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الأسئلة تبقى قائمة في الأسباب التي دفعت السلطة إلى استبعاد اسم بوزن عبد المنعم رياض من الذاكرة المكانية؟ لا سيما أن شخصيات مثل عبد الناصر، الشاذلي، محمد فوزي، الجمصي، رياض، لم يكونوا مجرد ضباط في جيش عربي، بل كانوا في الجيش المصري الذي كان يمثل أمل الأمة والمدافع الحقيقي عن حقوقها في وجه إسرائيل، وبالتالي فإن الرموز الوطنية المصرية هي رموز قومية لكل العرب.

أيضاً، ما هي الأسباب التي دفعت إلى تغيير أسماء أماكن مثل الروائي الشهير سعد لله ونوس، والشاعر العريق نزار قباني، وحسن الخراط وغيرهم؟ هم شخصيات لا ينتمون إلى أي نظام، إنهم عابرون للأنظمة بإنتاجهم الأدبي والمعرفي.

تحليل الحالة

يمكن القول إن عملية تغيير أسماء الأماكن خضعت إلى ثلاث مستويات:

ـ المستوى العام، فكما ذكرنا أعلاه جاءت عملية تغيير أسماء الأماكن لاعتبارات وطنية، فجرى نقل التسمية من مستواها الخاص إلى المستوى العام، فأطلقت تسميات وطنية وتسميات تتعلق بالمنطقة التي يتواجد فيها الشارع أو الصرح.

السلطة الجديدة، وفي سياق انفتاحها على إسرائيل، تعمل على طمس كل إشارات أو رموز تشير إلى الصراع مع إسرائيل، في محاولة بطيئة لتغيير المزاج السوري العام حيال العدو الرئيس للأمة العربية، وليس تغيير اسم شارع عبد المنعم رياض، إلا تأكيداً على ذلك.
ـ المستوى الأيديولوجي، وهو مستوى لا يخلو من بعد طائفي، مثل تغيير اسم شارع سلطان الأطرش إلى محمود جنيد، وشارع زكي الأرسوزي إلى عمر الفاروق، وشارع ألماظة خليل إلى محمد الخالد الأنصاري، وشارع الثامن من آذار إلى السيدة عائشة.. إلخ.

ـ المستوى الإسرائيلي، وهو الأخطر، حيث جرى تغيير أسماء المدارس التي تحمل أسماء الذين قاتلوا الاحتلال الإسرائيلي وخسروا حياتهم في المعركة، مثل اسم مدرسة أنيس عباس التي حل محلها اسم عبد الله بن رواحة، وسهيل أبو الشملات التي أصبحت مريم البتول، ورفيق سكاف التي أصبحت المقداد بن الأسود، ولؤي سليمة التي أصبحت تحمل اسم زينب علي، إضافة إلى أسماء مدارس أخرى لا سبيل إلى حصرها هنا، مثل مدارس سعد الله يوزباشي، نبيل حلوم، سلمان العجي.

وما يثير الكراهة والاستياء، هو أن السلطة حافظت على أسماء أماكن لشخصيات سُنية قاتلوا إسرائيل، مثل مدرستي يوسف العظمة وجول جمال.

لنقف عند ملاحظتين هامتين:

الأولى ـ أن السلطة الجديدة، وفي سياق انفتاحها على إسرائيل، تعمل على طمس كل إشارات أو رموز تشير إلى الصراع مع إسرائيل، في محاولة بطيئة لتغيير المزاج السوري العام حيال العدو الرئيس للأمة العربية، وليس تغيير اسم شارع عبد المنعم رياض، إلا تأكيداً على ذلك.

الثانية ـ محاولة طمس أي دور كان للطوائف الأخرى في محاربة إسرائيل، وكأن الصراع كان محصوراً بين الأغلبية السُنية وإسرائيل فقط.

خاتمة

بقي سؤال رئيس يجب طرحه في خاتمة هذا المقال: ما هي الذهنية التي أصدرت الأوامر بهذه القرارات؟ الإجابة ليست بسيطة، لكن ما هو أكيد أنها ذهنية يمتزج فيها البُعد الوطني بالبُعد الأيديولوجي الديني، ثم بالبعد السياسي البراغماتي الخال من أية قيم وطنية وأخلاقية (الحالة المرتبطة بإسرائيل).

في حالات الانتقال الوطني، يجب أن تكون السلطات الجديدة جامعة وانعكاساً لتنوع المجتمع ورموزه، سواء الرموز الوطنية المشتركة، أو تلك المتعلقة بكل مكون اجتماعي، لكن أن تكون السلطة انعكاساً لمكون واحد، وإن كانت الأكثرية المجتمعية، فإن هذه السلطة ستؤدي بسلوكها هذا إلى زيادة الانقسام المجتمعي، فهنا فيما يتعلق الأمر بالدلالات والرموز، تكون الانعكاسات المجتمعية أكثر خطورة، لأنها متعلقة بالذاكرة الجمعية والهُوية معا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل