في ظل استمرار الأزمة بين
إيران من جهة
والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتكاثر الأسئلة حول مصير
المرشد الإيراني
مجتبى خامنئي، لا على مستوى مصيره الجسدي فحسب، بل الأهم على مستوى المنصب ذاته،
ودوره الرئيس في اتخاذ القرار والاستراتيجيات.
وإذا ما صحت التقارير أن خامنئي مصاب بإصابة
شديدة، وأنه خارج دائرة صنع القرار، فإن سؤالاً رئيساً يطرح هنا، هل غيابه يؤثر
على صنع القرار السياسي؟
منصب مرشد الثورة الإيرانية، هو منصب وُضع
وفق مقتضيات دينية تنسجم مع عقيدة المهدي المنتظر وفق الإيديولوجية الشيعية
الإمامية الإثني عشرية، وليست ناجمة عن متطلبات سياسية واقعية.
صحيح أن المنصب هو أعلى سلطة سياسية في
البلاد، لكن النظام الإيراني مكون من مؤسسات كثيرة، معقدة ومتشابكة، وغياب أي
مؤسسة أو شخص مهما كان مهما لا يؤثر على آليات الحكم وصنع القرار.
حظيت مسألة ولاية الفقيه في إيران باهتمام
كبير على المستوى السياسي العربي، إلى جانب المستوى الديني بطبيعة الحال.
مع الغيبة الكبرى لـ محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر والأخير عند الشيعة الاثني عشرية عام 941، ظهرت إشكالية سياسية ـ دينية مغايرة تماماً لإشكالية المرحلة السابقة التي كانت محصورة فقط ـ ضمن الصراع مع الخلافة السُنية ـ على إثبات أحقية آل البيت في الإمامة، وضرورة التعامل مع الدولة السُنية القائمة (مع عدم الاعتراف بشرعيتها) من أجل شؤون الناس.
لا يتعلق الأمر فقط بأن ولاية الفقيه هي
عبارة عن نموذج فريد من نوعه على مستوى العالم الحديث والمعاصر، والوسيط أيضاً،
بسبب دمجه الديني والسياسي دمجاً محكماً في شخص واحد، بما يذكرنا بالتاريخ اليهودي
القديم مع ملكيصادق (الشخصية التوراتية التي جمعت المُلك والكهانة)، بل يتعلق
الأمر، وهذا هو الأهم، في وجود أطراف شيعية في عالمنا العربي تبنت مسألة ولاية
الفقيه باعتبارها مظلة دينية ـ سياسية تعم العالم الإسلامي كله، وليست محصورة في
الجغرافية الإيرانية.
ومع كل أزمة إيرانية ـ عربية، أو أزمة داخل
إيران، يُعاد طرح مستقبل ولاية الفقيه مجدداً، إما على المستوى الإيراني ذاته من
قبل المناهضين للنظام الإيراني ونظامه السياسي، أو من أولئك الراغبين في إحداث
تغيير في بنية النظام بما يخفف من حدة الاندماج بين الديني ـ السياسي، أو على
مستوى العالم العربي الذي يعتبر أن مشكلته مع إيران تكمن في هذا المزيج بين الدين
والسياسة، أو بعبارة أدق، إخضاع السياسي للديني في السياسة الإيرانية، وما ترتب
على ذلك مشاكل كبرى، كانت لبنان، ثم العراق، فسورية واليمن، ساحات للنفوذ الإيراني
من خلال دعمها فئات معينة: شيعية (لبنان، العراق)، علوية (سورية)، زيدية (اليمن).
الإرهاصات الأولية
مع الغيبة الكبرى لـ محمد بن الحسن العسكري،
الإمام الثاني عشر والأخير عند الشيعة الاثني عشرية عام 941، ظهرت إشكالية سياسية
ـ دينية مغايرة تماماً لإشكالية المرحلة السابقة التي كانت محصورة فقط ـ ضمن
الصراع مع الخلافة السُنية ـ على إثبات أحقية آل البيت في الإمامة، وضرورة التعامل
مع الدولة السُنية القائمة (مع عدم الاعتراف بشرعيتها) من أجل شؤون الناس.
لكن مع الغيبة الكبرى انحصرت الإشكالية
الجديدة في عدم العمل على إقامة دولة آل البيت حتى يعود الإمام، لكن مع الوقت كان
لا بد من وجود من ينوب عن الإمام كي لا تتعطل الأحكام الدينية والاجتماعية للشيعة،
وترك شؤونهم للدولة الجائرة القائمة بأمر الواقع.
هنا، نشأت فكرة الإنابة عن الإمام في
الصلاحيات الصغرى فقط (الأحكام الدينية والاجتهادات الشرعية المتعلقة بشؤون
الناس)، والفقهاء الجامعون لشروط المرجعية الدينية، هم وحدهم لهم الحق بهذه
النيابة.
أما الصلاحيات الكبرى (إقامة الدولة) فهي من
اختصاص الإمام المنتظر وحده، ولهذا تحولت الإمامة في نظر فقهاء الشيعة إلى نوع من
اليوتوبيا السياسية طالما أن الإمام غائب.
في المرحلة الصفوية جرى التحول الفقهي الأول
نحو إقامة الدولة، حيث وافق العديد من الفقهاء على المشاركة في الدولة والقبول
بشرعية السلطة الصفوية الشيعية، لا كنيابة عن الإمام، وإنما كأمر واقع يجب التعامل
معه لخدمة الشيعة.
وقد مثل محمد باقر السبزواري المعروف بـ
المحقق السبزواري في كتابه (روضة الأنوار) هذا الاتجاه في مرحلة دولة الشاه عباس
الصفوي الثاني الذي حكم بين عامي 1642 ـ 1666.
لا يجوز الاستخفاف بهذا التطور على المستوى
السياسي، لأنه مثل قطيعة مع الإجماع الشيعي التقليدي الذي ينظر إلى أي سلطة قائمة
على أنها مغتصبة في عصر الغيبة، فهو يؤكد مشروعية السلطة السياسية لغير الإمام
أثناء غيابه، وكأننا هنا أمام عملية فصل بين السلطتين الدينية والزمنية.
كان للشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد
العالي الكركي العاملي، المعروف بالمحقق الثاني في القرن السادس عشر، دورا رئيسا
في نقل نظرية (النيابة العامة) إلى مرحلة سياسية متقدمة بإعطائه الشاه طهماسب بن
إسماعيل الصفوي وكالة للحكم باسم (نائب الإمام: الفقيه العادل).
ثم جاء أحمد بن محمد مهدي نراقي كاشاني مطلع
القرن التاسع عشر، ليتقدم خطوة إلى الأمام، فقد رفض في كتابه "عوائد الأيام
في بيان قواعد الأحكام" فكرة انتظار صاحب الزمان، فدعا الفقهاء إلى تولي زمام
الأمور تحت منصب الإمامة الكبرى.
رأي خارج السياق
شهدت إيران بين عامي 1905 ـ 1911 ثورة
دستورية، عرفت باسم "ثورة المشروطة"، كان هدفها رفع الاستبداد بإنهاء
الحكم الملكي للقاجاريين، وإحلال سيادة القانون ومبدأ الشورى.
اتسعت الاحتجاجات إلى حد كبير لدرجة هددت
النظام الإيراني الذي قامت بتقديم تنازلات تمثلت بعزل رئيس الوزراء المستبد عين
الدولة، وتوقيع مظفر الدين شاه على الدستور الأول (قانون أساسي مشروطة) وتأسيس
مجلس الشورى الوطني.
كان هذا الحدث تطوراً هاماً على صعيد العالم
الإسلامي، وكان كتاب العلامة محمد حسين الغروي النائيني "تنبيه الأمة وتنزيه
الملة" عام 1909، بمثابة البيان الأيديولوجي لثورة المشروطة، وقطيعة سياسية
مع الفكر الإمامي القائم على ولاية الفقيه.
قدم النائيني في هذا الكتاب الحجج الفقهية
للدولة الدستورية كبديل أفضل للاستبداد في زمن الغيبة، حيث قسم الحكومة إلى
استبدادية (حكومة الجور) ودستورية (حكومة القانون)، واعتبر الأخيرة متطابقة مع
مبادئ الإسلام.
ثمة تجارب تاريخية عديدة جرت فيها ثورات بعد هزيمة عسكرية مدوية للنظام الحاكم، سقطت فيها سرديات وأيديولوجيات كانت من القوة والتأثير الشعبي، بحيث أن انهيارها أدى إلى زعزعة الوجدان السياسي، ورفع مستوى الاستياء، خصوصاً إذا كان الشعب يعاني أصلاُ من أزمات سياسية واقتصادية.
حاجج النائيني بأن السلطة يجب أن تكون ولاية
لا تملكاً، وبهذا المعنى فالسلطة عبارة عن أمانة هدفها تصريف الأعمال ليس إلا، وأن
مستودع السلطة يكمن في الشعب الذي يصبح شريكاً في السلطة، لا من حيث ممارستها،
وإنما من حيث مراقبتها ومحاسبتها.
هنا، استبعد النائيني فكرة ولاية الفقيه
كبديل عن الإمام الغائب المعصوم، وعصمته هي التي تمنع نشوء حكم استبدادي.
قدم النائيني سؤالاً محورياً هو في ضوء غياب
الحاكم الحكيم المستجمع للكمالات في ذاته غير موجود (الإمام الغائب)، فمن له
الأحقية في الحكم؟ وكيف يمكن الإبقاء على الصفة الرئيسية لشخص الإمام الغائب، ألا
وهي العصمة، عصمة السلطة؟
بالنسبة للنائيني، لا يحقق ولاة الفقيه هذا
الشرط، لأن الولي الفقيه الذي ينوب عن الإمام غير معصوم، وبهذا فإن اختزال السلطة
بشخصه سيؤدي إلى الجور وليس إلى العدل.
لذلك، وضع النائيني الدستور المتفق عليه
بإجماع الشعب بمنزلة عصمة الإمام الغائب، والحافظون لهذا الدستور هم نواب الأمة
المنتخبين، وبهذا المعنى تصبح الولاية هي ولاية الأمة على نفسها، وتصبح المواطنة
لا الدين، القاعدة التي تقوم عليها الحقوق السياسية.
كانت هذه الأفكار بمثابة ثورة دينية وسياسية
تاريخية لم تعرفها إيران منذ قرون، لكنها أفكار سرعان ما طواها النسيان، لا سيما
بعد قدوم الثورة الإيرانية.
العودة إلى ولاية الفقيه
ظل الانقسام بين علماء الشيعة قائما حول
ضرورة ولاية الفقيه: تيار رفض الولاية لأنها ستتمتع بصلاحيات الإمام الغائب، وتيار
آخر أصر عليها، وكان الخميني من أبرز التيار الثاني في ستينيات القرن الماضي.
وكان حجة الخميني وهذا التيار أن الإمام
المعصوم نصب الفقيه الجامع للشروط في عصر الغيبة الكبرى، وليا عاما، وفي هذا يثبت
للولي الفقيه جميع ما ثبت للأمام المعصوم.
نحن هنا أمام استنساخ للتجربة الأوروبية في
القرنين السابع عشر والثامن عشر المتعلقة بالحكم الإلهي للسلطة، فالولي الفقيه
الذي ينوب عن صاحب الزمان هو الأمة في ذاتها، وما يرضيه يرضي الشعب، وما يسنه من
قوانين تصبح قوانين الأمة.
بعد اندلاع الثورة الإيرانية، أصبح الخميني
مرشدا أعلى للأمة، وتم دسترة ولاية الفقيه رسميا عام 1979، وبعد وفاة الخميني عام
1989 أجري تعديل دستوري، فأصبحت ولاية الفقيه المطلقة، إلى جانب نظام ديمقراطي
يجري فيه انتخاب نواب البرلمان ورئيس الجمهورية، إلى جانب انتخابات غير مباشرة
لمجلس الخبراء المنوط به الذي يختار الولي الفقيه ويشرف على أعماله، مما يعطي
شرعية شعبية للقيادة الدينية.
غير أن الأزمات التي أصابت إيران خلال
العقود الأخيرة، أظهرت أن الكلمة الأولى والأخيرة هي لولي الفقيه لسببين رئيسيين:
الأول، الشرعية الدينية والسياسية التي يحظى
بها منصب المرشد الأعلى.
الثاني، قوة النظام الإيراني الذي أصبح
يمتلك تقاليد مؤسساتية راسخة، وأصبح للنخب الحاكمة مصلحة في بقاء هذا النظام،
ولذلك عندما اندلعت مظاهرات عام 2009 وعام 2022، وعام 2025 ـ 2026، جرى قمعها
بقوة، وجرى قمع الشخصيات السياسي والمنظرين السياسيين للثورة الشعبية.
اليوم تشهد إيران ـ بعد خسارتها لنفوذه
الإقليمي ثم الحربين اللتين تعرضتا لهما ـ استياء شعبياً كبيراً عبرت عنه
الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، لكن بسبب الحرب لا تظهر هذه الاحتجاجات والاستياء
الشعبي بشكل علني ومستدام.
لكن يبدو أنه حالما تنتهي الأزمة، ستكون
إيران على موعد مع انفجار شعبي كبير، لن يكون هذه المرة أغلب الظن مقتصراً على
إجراء تغيرات سياسية واقتصادية بسيطة، بل ربما تطال مجمل النظام السياسي (ولاية
الفقيه).
ثمة تجارب تاريخية عديدة جرت فيها ثورات بعد
هزيمة عسكرية مدوية للنظام الحاكم، سقطت فيها سرديات وأيديولوجيات كانت من القوة
والتأثير الشعبي، بحيث أن انهيارها أدى إلى زعزعة الوجدان السياسي، ورفع مستوى
الاستياء، خصوصاً إذا كان الشعب يعاني أصلاُ من أزمات سياسية واقتصادية.
وهذه المعطيات جميعها تنطبق على الحالة
الإيرانية الراهنة...
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.