تحول مشهد الشرق الأوسط إلى ساحة لاختبار النظريات
السياسية الأكثر تعقيدا؛ فبينما كانت
حرب إسرائيل على غزة قد وضعت المنطقة على
حافة الهاوية الأخلاقية والإنسانية، جاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على
إيران
لتعمّق الشروخ الجيوسياسية وتكشف هشاشة كل الرهانات السابقة. وفي هذا السياق
المشحون بالغموض والقلق، ظهرت المبادرة الدبلوماسية المفاجئة للرئيس الأمريكي
دونالد
ترامب، والتي ربط فيها بين إبرام اتفاق لإنهاء الحرب مع طهران، وبين "اشتراط
إلزامي" على دول إقليمية وازنة -في مقدمتها
السعودية وقطر، تليها مصر والأردن
وتركيا وباكستان- بالانضمام الفوري لـ"اتفاقيات أبراهام" للتطبيع مع
إسرائيل.
هذا الطرح، الذي يدمج مسارين كانا حتى الأمس القريب
يسيران في اتجاهين متعاكسين (ملف الحرب الإيرانية وملف التطبيع
العربي-الإسرائيلي)، لا يعكس فقط توق واشنطن اليائس لتحقيق "صفقة تاريخية
كبرى" تخلّد إرث ترامب، بل يكشف عن سخرية تاريخية عميقة؛ إذ تنتهي حرب شُنّت
بالأساس لتفكيك المحور الإيراني وتصفية نفوذه، إلى أن تثبت، بمنطق الجغرافيا
القاسي، أن أمن الرياض وطهران صار كتلة وجودية واحدة لا تقبل القسمة، وأن أي
محاولة لإعادة هندسة المنطقة بالقوة لن تنتج إلا المزيد من الترابط الإجباري بين
ضفتي الخليج.
أبعاد الطرح الأمريكي: المقايضة بين الميدان
والدبلوماسية
أثبتت الأشهر الماضية من المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من شلل في حركة الملاحة الدولية بمضيق هرمز والبحر الأحمر، أن كلفة الاستمرار في الحرب باهظة جدا على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي الذي بدأ يتململ من مغامرة لا نصر فيها
جاء إعلان ترامب عبر منصته "تروث سوشال"
ليؤكد أن المفاوضات مع طهران "تسير على نحو جيد"، ملوحا في الوقت ذاته
بخيار العودة إلى جبهات القتال بشكل أعنف في حال الفشل؛ وهي ازدواجية الخطاب التي
تعكس مأزقا مزدوجا: فالإدارة الأمريكية تسعى إلى صياغة "هندسة إقليمية
جديدة" عبر مقايضة غير مسبوقة، تدرك في جوهرها أن أي اتفاق أمني أو نووي
ثنائي مع إيران لن يُكتب له النجاح دون مظلة إقليمية تضمن استدامته، ولذلك يحاول
ترامب إشراك القوى الإقليمية البارزة كأطراف ضامنة ومستفيدة في آن واحد. لكن في
العمق، تكمن دوافع أكثر إلحاحا تتعلق بالاستعاضة عن الحسم العسكري المستحيل؛ فقد
أثبتت الأشهر الماضية من المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من شلل
في حركة الملاحة الدولية بمضيق هرمز والبحر الأحمر، أن كلفة الاستمرار في الحرب
باهظة جدا على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي الذي بدأ يتململ من مغامرة
لا نصر فيها.
ومن هنا، صارت الدبلوماسية هي المخرج الوحيد المتاح،
شريطة أن تُغلّف هذه الدبلوماسية بإنجاز سياسي لافت بحجم "توسيع اتفاقيات
أبراهام"، في محاولة لتسويق الانسحاب من المستنقع الإيراني على أنه انتصار
استراتيجي.
حتمية الأمن الإقليمي بين الخليج وطهران: معادلة
الجغرافيا والاقتصاد
رغم الجنوح الأمريكي نحو فرض شروط دبلوماسية تبدو
منفصمة عن الواقع، فإن الوقائع على الأرض أثبتت أن العلاقات "الخليجية-
الإيرانية" صمدت أمام أعاصير التصعيد الأخير، بل دخلت طورا جديدا من الإدراك
المتبادل بأن أمن الطرفين متلازم بنيويا بقوة لا تستطيع أي إدارة أمريكية تجاهلها.
تستند هذه الحتمية أولا إلى الترابط الاقتصادي العميق الذي يفرض نفسه على الجميع؛
فدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تتبنى رؤى تنموية عملاقة كـ"رؤية
2030" تعتمد كليا على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل المنطقة إلى مركز
عالمي للتجارة واللوجستيات، وهو نموذج طموح يستلزم "بيئة صفرية المشاكل
أمنيا"؛ وفي المقابل، تعاني إيران من إنهاك اقتصادي جراء العقوبات وسنوات الحصار،
ولكنها تملك القدرة على تهديم هذه البيئة بالكامل.
لقد أثبتت أزمة إغلاق مضيق هرمز الجزئية والاضطرابات
الملاحية أن أي شرارة حرب شاملة لن تقتصر على طرف دون آخر، بل ستمتد لتحرق البنية
التحتية النفطية والتجارية للجميع، مما خلق وعيا حتميا لدى الرياض وطهران بأن
الاستقرار الاقتصادي للخليج لا يمكن تجزئته، وأن أمن منشآت الطاقة صار خطا أحمر
مشتركا للجانبين.
أما الركيزة الثانية لهذه الحتمية فتكمن في براغماتية
التعايش وفشل الرهان على التدخل الخارجي؛ إذ باتت العواصم الخليجية تدير علاقاتها
مع طهران بعقلانية سياسية عالية، بعيدا عن الاصطفافات الأيديولوجية السابقة، بعد
أن أدركت أن الحماية الأمريكية المطلقة لم تعد شيكا على بياض، بل إن الإدارات
الأمريكية تبدل استراتيجياتها تبعا لمصالحها الانتخابية الضيقة. هذا الإدراك دفع
الخليج إلى الحفاظ على قنوات اتصال دافئة ومباشرة مع طهران حتى في أوج التصعيد
العسكري، إيمانا بأن الجوار الجغرافي دائم بينما الوجود العسكري الأجنبي متغير؛
ومن جهتها، ترى طهران في الانفتاح على الجيران الخليجيين طوق نجاة دبلوماسي
واقتصادي يكسر محاولات عزلها دوليا، مما يجعل الحوار المستدام بين الضفتين خيارا
استراتيجيا لا يمكن التنازل عنه لأي قوة خارجية.
العقبة الهيكلية: معضلة فلسطين وحسابات العواصم
العربية
وهنا تبرز الفجوة الكبرى بين الخيال السياسي لترامب
والواقعية السياسية لعواصم المنطقة؛ فالاشتراط الأمريكي بأن يكون التطبيع مع
إسرائيل بوابة للاتفاق الإيراني يصطدم بجدارين سميكين لا يمكن اختراقهما؛ الجدار
الأول هو الموقف السعودي الثابت الذي تؤكده مصادر مطلعة ومحللون استراتيجيون:
الرياض لن تمنح واشنطن أو تل أبيب ورقة التطبيع مجانا، ولا تزال متمسكة بشرط
"وجود مسار حقيقي، دائم، وغير قابل للتراجع لإقامة دولة فلسطينية
مستقلة"؛ وفي ظل المشاهد الدامية والدمار المستمر في غزة، فإن أي تجاوز لهذا
الشرط يعد مخاطرة بالاستقرار السياسي والشرعية الشعبية في العالمين العربي
والإسلامي، بل هو انتحار داخلي لا يمكن لأي نظام أن يقبل به.
أما الجدار الثاني فهو التناقض العميق في المفهوم
الإقليمي للتطبيع ذاته؛ إذ إن دولا مثل مصر والأردن وتركيا، التي تمتلك بالفعل
علاقات أو معاهدات سابقة مع إسرائيل، تسعى اليوم إلى تهدئة الأوضاع الإقليمية وحل
المسألة الفلسطينية من جذورها، لا إلى الدخول في تحالفات أمنية جديدة تزيد من
استقطاب الشارع وتؤجج الصراع. ولم تعد المشكلة هنا مجرد غياب أفق سياسي لحل
الدولتين؛ فصورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الوجدان الجمعي
العربي والإسلامي صارت مرادفة لمشاهد الإبادة الجماعية التي وثّقتها المحاكم
الدولية، مما يجعله شريكا سامّا لا يمكن لأي قائد عربي توقيع اتفاقيات تطبيع جديدة
في ظل حكمه.
التطورات الحالية تضع الشرق الأوسط أمام مسار إجباري يتجاوز الأطر التقليدية التي حاولت القوى الخارجية فرضها لسنوات؛ فالخيار المطروح اليوم على القوى الرئيسية في المنطقة لم يعد الاختيار بين "التحالف مع واشنطن وإسرائيل" أو "الانخراط في المحاور المضادة"، بل هو التأسيس الشجاع لنظام أمن جماعي محلي ينبثق من حاجات المنطقة نفسها
بهذا المعنى، فإن طلب ترامب لا يصطدم فقط بالشروط السياسية للدول، بل
بجدار الرأي العام الذي أسقطته آلة الحرب الإسرائيلية على غزة، وحوّل التطبيع إلى
تهمة سياسية في الشارع العربي.
نحو هندسة أمنية ذاتية: العبور إلى نظام إقليمي مستدام
إن التطورات الحالية تضع الشرق الأوسط أمام مسار
إجباري يتجاوز الأطر التقليدية التي حاولت القوى الخارجية فرضها لسنوات؛ فالخيار
المطروح اليوم على القوى الرئيسية في المنطقة لم يعد الاختيار بين "التحالف
مع واشنطن وإسرائيل" أو "الانخراط في المحاور المضادة"، بل هو
التأسيس الشجاع لنظام أمن جماعي محلي ينبثق من حاجات المنطقة نفسها.
إن نجاح أي تسوية شاملة لإنهاء الحرب يتطلب صياغة
معادلة واقعية تقوم على مسارين متوازيين لا يمكن الفصل بينهما: المسار الأول هو
إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، باعتبارها مفتاح الاستقرار الشعبي
والسياسي والشرط الأساسي غير القابل للتفاوض لأي تطبيع مستقبلي؛ والمسار الثاني هو
إطلاق حوار مباشر ومستدام بين القوى الإقليمية الرئيسية الأربع (الرياض، طهران،
القاهرة، أنقرة) لتقاسم المسؤوليات الأمنية والاقتصادية وحل الخلافات البينية،
بعيدا عن الرهان على الوعود الخارجية التي تتبدل بتبدل الإدارات في البيت الأبيض.
هذا المسار المزدوج، رغم صعوبته، يبقى الوحيد القادر على انتشال المنطقة من دوامة
الحروب، لأنه يعترف بحقيقة مفادها أن الأمن لم يعد سلعة مستوردة من واشنطن، بل هو
مشروع محلي مشترك.
إن مطالبة الرئيس ترامب بتوسيع "اتفاقيات
أبراهام" كشرط مسبق لتمرير الاتفاق مع إيران قد تبدو استراتيجية طموحة لإنهاء
النزاع من منظور واشنطن، إلا أنها في جوهرها تعاني من خلل بنيوي في فهم التوازنات
الجديدة التي أفرزتها المتغيرات الراهنة. الدرس الأهم الذي قدمته هذه المرحلة هو
أن أمن الشرق الأوسط لم يعد مفتاحه في البيت الأبيض وحده؛ فالجغرافيا فرضت شروطها
الصارمة، وأثبتت أن الاستقرار المستدام يبدأ من حتمية التفاهم والتعايش السلمي بين
ضفتي الخليج (العرب وإيران)، ويمر إلزاما من بوابة الحل العادل للقضية الفلسطينية.
وما دون ذلك، ستبقى أي صفقات خارجية مجرد مسكنات مؤقتة، تُسكّن الألم لكنها لا
تعالج الجرح، في إقليم لم يعد يحتمل المزيد من المغامرات العسكرية وخيباتها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.