قبل عقد من الزمن، كان وصول رئيس أمريكي
إلى بكين للتفاوض على فتح مضيق
هرمز ضربا من ضروب الخيال؛ أما اليوم، وفي خضم
أزمات عالمية متلاحقة ووعي متزايد بإفراط واشنطن في استخدام نفوذها، لم تعد زيارة
ترامب حدثا دبلوماسيا عابرا، بل مرآة لتحول استراتيجي جوهري: أفول النظام الأحادي
القطب الذي قام على التدخلات العسكرية، وتبلور ملامح قطب عالمي جديد، في عملية
شائكة ومعقدة.
الإطار الرسمي للزيارة، المتمثل في
"التفاهم مع
الصين لفتح مضيق هرمز"، يعكس حقيقة واضحة: لم تعد الولايات
المتحدة قادرة على حماية النقاط الاستراتيجية الحيوية في العالم بمفردها، ولا
يمكنها تحمل تبعات محاولة القيام بذلك وحدها.
إرث العبث الأمريكي
لفهم أهمية هذه اللحظة، لا بد أولا من
النظر إلى السياق الذي تسعى الزيارة لمعالجته؛ فلقد تميزت السياسة الخارجية
الأمريكية بعد الحرب الباردة بما يوصف، حتى داخل دول حلف الناتو، بـ"العبث
الاستراتيجي"؛ فالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، المبني على ذرائع ثبت زيفها،
لم يحطم التوازن الإقليمي في الخليج فحسب، بل فتح الباب لبروز ما سماه نقاده
بـ"الفوضى الخلاقة"، وهي مقاربة أفضت إلى عدم استقرار مزمن في الشرق
الأوسط، لا سيما في العراق وبلاد الشام؛ كما استخدمت الإدارات الأمريكية اللاحقة
العقوبات الأحادية كسلاح اقتصادي، وحوّلت النظام المالي العالمي القائم على
الدولار إلى أداة للضغط على دول المنطقة وفي مقدمتها الدول العربية.
فشلت عقود من السياسات الأمريكية في ضمان التدفق الحر للطاقة، وجعلت من مضيق هرمز نقطة توتر دائمة، معرضة لسوء الحساب سواء من قبل جهات غير حكومية أو دول. في هذا السياق، يصبح بحث واشنطن عن شراكة مع الصين ضرورة استراتيجية أكثر من كونه خيارا اختياريا
هذا الاعتماد المفرط على القوة العسكرية
والهيمنة المالية أضعف شرعية النظام الدولي الذي تقوده واشنطن، وسيمهد لخلق عالم
متعدد الأقطاب يرى أن أمريكا ليست ضامنا للاستقرار، بل مصدرا أساسيا
للاضطراب؛ ويظهر هذا بشكل واضح في الخليج، حيث فشلت عقود من السياسات الأمريكية في
ضمان التدفق الحر للطاقة، وجعلت من مضيق هرمز نقطة توتر دائمة، معرضة لسوء الحساب
سواء من قبل جهات غير حكومية أو دول. في هذا السياق، يصبح بحث واشنطن عن شراكة مع
الصين ضرورة استراتيجية أكثر من كونه خيارا اختياريا.
الأهمية الاستراتيجية لمحور هرمز
اختيار مضيق هرمز ليكون محور زيارة ترامب
إلى بكين لا يقتصر على كونه قضية أمنية للطاقة، بل يمثل نقطة مركزية للاستقرار
الاقتصادي العالمي. وبالنسبة للصين، التي تعتمد على مياه الخليج لاستيراد الجزء
الأكبر من نفطها، فإن أمن معبر هرمز قضية وجودية لا يمكن التفاوض عليها. ومن خلال
إشراك بكين في تفاهم رسمي حول هرمز، يعترف ترامب ضمنيا بعدة حقائق:
أولا، أصبحت الصين قوة عالمية تتجاوز
كونها قوة إقليمية فقط؛ فالإطار التعاوني حول هرمز يعزز مكانتها من جهة فاعلة إلى
شريك أساسي في ضمان الأمن الدولي، مع تأثير مباشر على الحسابات البحرية
والاستراتيجية في المحيط الهندي والخليج؛ ثانيا، يبدو أن النهج التقليدي الأمريكي
القائم على التهديد العسكري يتراجع لصالح التعاون المؤسسي، فالزيارة تشير إلى تبني
نموذج "الأمن التنموي" الذي تدافع عنه بكين، حيث تسعى لتحقيق الاستقرار
من خلال التكامل الاقتصادي والوساطة القائمة على عدم التدخل؛ ثالثا، يمثل هذا
عمليا رفضا لسياسة "الضغط الأقصى"، فطلب المساعدة من الصين في الخليج
يعكس إدراكا بأن العزلة وإجبار الحلفاء لم يحققا نتائج، وأن الحل يكمن في تنسيق
متعدد الأقطاب يشارك فيه الصين بشكل فعال.
ولادة قطب عالمي جديد أم هدنة مؤقتة؟
هل يعني هذا فعلا ولادة قطب عالمي جديد؟
الإجابة هنا معقدة؛ فالقطب الجديد لا يتشكل من خلال لقاء واحد، بل عندما تبدأ
مجموعة كافية من القوى العالمية بالاعتراف بتوزيع القوة بشكل لا رجعة فيه، وأن
المركز القديم لم يعد قادرا على فرض إرادته بمفرده؛ فزيارة ترامب تحقق ذلك بعدة
طرق، إذ تتم بعيدا عن إطار التحالفات التقليدية مثل مجموعة السبع أو الناتو، وفي
توقيت يشهد توسع آليات بريكس+ لبناء بدائل مالية، بينما تسعى دول الخليج، التي
شكلت العمود الفقري لنظام البترودولار، إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية مع الصين.
إذا تحقق تفاهم هرمز، فإنه سيخلق نظاما مشتركا بين الولايات المتحدة والصين لإدارة
أهم ممر للطاقة في العالم؛ وحتى في حال كانت هذه الشراكة متوترة، فإنها تقلل من
استقلالية القوى الوسطى وتفرض إعادة ترتيب التحالفات من الرياض إلى نيودلهي.
ا التوازن الجديد لا يعني العودة إلى عصر أحادي القطب متجانس، بل بداية ثنائية جديدة معقدة؛ والخطر ليس العودة إلى الثنائية على غرار الحرب الباردة، بل ترسيخ نظام عالمي حيث تحسم الصين والولايات المتحدة القضايا الحيوية، فيما تُترك الدول الأخرى للاختيار بين الطرفين أو مواجهة التهميش
ومع ذلك، توجد عقبات هيكلية؛ فالمشهد
السياسي الأمريكي منقسم حول الصين، وهناك أطراف قوية ما زالت تؤمن بسياسة الاحتواء
على غرار الحرب الباردة، وأي تفاهم مع ترامب قد يُلغى من قبل إدارة جديدة. كما أن
الصين لا تزال مترددة في تحمل أعباء عسكرية صريحة تتعارض مع سياستها طويلة الأمد
بعدم التدخل؛ لذا، قد يكون "التفاهم" عملية لإدارة التوترات أكثر من
كونه تحالفا كاملا، لكنه مع ذلك يمثل مرحلة أولية نحو ولادة قطب عالمي جديد، يعتمد
على الإدارة المشتركة بين قوتين عملاقتين بدلا من هيمنة جهة واحدة.
استعادة التوازن أم ترسيخ الثنائية؟
سردية "استعادة التوازن بعد العبث
الأمريكي" جذابة ومقنعة؛ فبعد سنوات من الحروب والعقوبات وعدم الاستقرار،
يحمل تدخل بكين للحد من مغامرات واشنطن جاذبية واضحة للجمهور العالمي. ومع ذلك،
هذا التوازن الجديد لا يعني العودة إلى عصر أحادي القطب متجانس، بل بداية ثنائية
جديدة معقدة؛ والخطر ليس العودة إلى الثنائية على غرار الحرب الباردة، بل ترسيخ
نظام عالمي حيث تحسم الصين والولايات المتحدة القضايا الحيوية، فيما تُترك الدول
الأخرى للاختيار بين الطرفين أو مواجهة التهميش.
الزيارة، إذا، هي مرآة تعكس فشل النهج
الأحادي الذي أعطى الأولوية للهيمنة على الاستقرار؛ فالعبث الأمريكي الذي زعزع
استقرار الخليج يجبر الولايات المتحدة على البحث عن شريك كانت تسعى سابقا
لاحتوائه. سواء أسفر ذلك عن قطب عالمي دائم أو هدنة مؤقتة، فالأمر الواضح أن عصر
الأحادية قد انتهى. ترامب "المؤدب" في بكين، وهو يتفاوض حول هرمز، يمثل
نهاية ذلك الفصل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.