لا فصلَ
للدين عن
الدولة.. هذا الكلام تبنّاه الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب في أمريكا،
ولكنه يحاربه في العالم الإسلامي.
وقد نشرت
وسائل الإعلام الغربية والعربية أن رئيس اللجنة الاستشارية للحريات الدينية التي
شكّلها ترامب العام الماضي دعا إلى إنشاء خطّ ساخن فيدرالي مزوّد بتسجيل صوتي آلي،
يقوم على فكرة أنَّه لا فصل بين الدين والدولة، وفي الوقت نفسه جُعل كلُّ من يدعو
من المسلمين إلى إعادة الخلافة والحكم الإسلامي ضمن خانة "الإرهابيين"
الذين تجب محاربتهم والقضاء عليهم. ثم أعلن البيت الأبيض استراتيجية ترامب لمكافحة
الإرهاب، التي اعتبرت جماعة الإخوان المسلمين للمرة الأولى ضمن هذه الاستراتيجية؛
لأنهم يدعون إلى إعادة الخلافة والحكم الإسلامي، رغم أن مواقف الإخوان المعلنة
كانت تقوم على العمل السلمي، وعدم حمل السلاح ضد الدولة التي ظلمتهم، كما حدث في
مصر مرتين: الأولى في بداية عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والثانية في عهد الرئيس
عبد الفتاح السيسي، ومع كل ذلك رفعوا شعار: "سلميتنا أقوى من الرصاص"،
ومع ذلك لم تشفع لهم تلك المواقف، ولا عدائيتهم للتنظيمات المسلحة كالقاعدة وداعش.
الحكم أو الخلافة في الإسلام ليس حكما باسم الإله، كما هو الحال في بعض التجارب الدينية الأخرى، وإنما هو حكم بشري قابل للخطأ والصواب، لكنه يستند إلى مرجعية إسلامية
ونحن هنا
نبيّن موقف الإسلام -مع قطع النظر عن أي جماعة- من السياسة والحكم، وكذلك موقف
المسيحية من الحكم والدولة.
فالإسلام
دين كامل، عام، خالد، وتام، بنص القرآن الكريم.. قال الله تعالى: "ٱلۡيَوۡمَ
أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ
دِينࣰا" (المائدة: 3). وقال تعالى: "قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ" (الأنعام: 162-163).
وقد أقام
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بمجرد هجرته إلى المدينة المنورة، دولة عادلة
للجميع، ووضع دستورا يحدّد الحقوق والواجبات للمسلمين واليهود والمشركين الموجودين
في المدينة. ثم لما توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أدرك الصحابة رضي الله
عنهم أهمية الوحدة السياسية، وخطورة الفراغ القيادي، فسارعوا إلى اختيار حاكم
للمسلمين قبل الانشغال بدفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوفّقهم الله تعالى
لاختيار الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم. ثم استمرت الخلافة الراشدة إلى أن تنازل الحسن بن علي رضي الله
عنهما لمعاوية رضي الله عنه، ثم ظل الحكم الإسلامي قائما أكثر من ثلاثة عشر قرنا،
وأقام حضارة عظيمة بكل المقاييس.
فالإسلام
في حقيقته وجوهره دين شامل لجميع مناحي الحياة الدنيوية والأخروية، بنصوصه الدالة
على اعتبار العقل مصدرا للفهم والتحليل وإدراك الكون والإنسان، بما يحقق ميزان
الاستخلاف في الأرض، القائم على الجمع بين كفّة التدين التعبدي، وكفّة التدين
الاستخلافي العمراني الحضاري.
ولذلك
تقوم السياسة في الإسلام على جناحين متكاملين:
أولا:
كفّة الوحي، التي تثبّت الإيمان والأخلاق والتقوى في نفوس الحكام والمحكومين،
وتبيّن المبادئ العامة والهداية الربانية المغروسة في القلوب، وتمنع الظلم وسائر
المعاصي.
ثانيا:
كفّة العقل، التي تقوم على رعاية المصالح والمنافع ما دامت لا تتعارض مع النصوص
الشرعية القطعية.
وبذلك فإن
الحكم أو الخلافة في الإسلام ليس حكما باسم الإله، كما هو الحال في بعض التجارب
الدينية الأخرى، وإنما هو حكم بشري قابل للخطأ والصواب، لكنه يستند إلى مرجعية
إسلامية. وقد شاء الله تعالى أن تكون النصوص الشرعية في نطاق السياسة نصوصا عامة،
تقرّر المبادئ الكبرى التي تؤكدها الفطر السليمة والعقول المستقيمة، مثل مبدأ
العدل، وعدم الظلم، والمساواة، وحماية الضرورات الأساسية للأفراد والمجتمعات
والدول، مع ترك كثير من التفاصيل للاجتهاد الإنساني القائم على تحقيق المصالح ودرء
المفاسد.
يبدو هذا الموقف المزدوج من الرئيس ترامب مثيرا للاستغراب؛ إذ يُسمح للخطاب الديني أن يكون جزءا من الحياة السياسية في الغرب، بينما يُجرَّم كثير من المسلمين إذا تحدّثوا عن مرجعية الإسلام في الحكم والسياسة، ولو بوسائل سلمية وفكرية
أما
الديانة المسيحية -بحسب الأناجيل الموجودة بين أيدينا- فتقوم أساسا على مبدأ الفصل
بين الدين والدولة، والمتمثل في القول المشهور المنسوب إلى سيدنا عيسى عليه
السلام: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". وقد صار هذا المبدأ قاعدة
أساسية اعتمدتها الكنيسة في بداياتها، قبل أن تتدخل في السياسة بصورة واسعة خلال
العصور الوسطى، منذ القرن الرابع الميلادي، ثم اشتد نفوذها وسيطرتها على الملوك في
القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وتبنّت الحروب الصليبية، ثم انتهى دور
الكنيسة السياسي بصورة مأساوية في أوروبا، التي انتقلت -منذ القرن السادس عشر- إلى
فصل الدين عن الدولة بشكل شبه كامل.
وهذا
تاريخ المسيحية بإيجاز شديد؛ إذ إن أصلها الروحي يقوم على الرهبانية والانصراف عن
الحكم والسياسة، لكن الكنيسة حين توسعت في السياسة، وضيّقت على العلوم والمعارف،
دخلت أوروبا في أزمات عميقة، حتى جاءت ردّة الفعل الأوروبية قاسية على الكنيسة
نفسها، وعلى الحكم الديكتاتوري الذي كانت ترعاه، فرفعت الثورة الفرنسية عام 1789
شعارها الشهير: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".
أما
الإسلام فقد جاء بالعلم، وحثّ عليه منذ أول آية نزلت من السماء على رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، حين قال تعالى: "ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي
خَلَقَ" (العلق: 1). وكانت القراءة في الإسلام قراءة لكتاب الله المسطور، وهو
القرآن، وقراءة لكتاب الله المنظور، وهو الكون وما فيه. وقد أنقذ الإسلام العرب من
الجهالة والتخلف والتفرق، ونقلهم إلى العلم والحضارة والوحدة والتقدم، وأقام لهم
دولة عادلة للمسلمين وغير المسلمين، تشهد بذلك وقائع التاريخ والواقع.
ولم تكن
الخلافة الإسلامية -في أصلها- حكما ثيوقراطيا يقوم على "الحكم باسم الإله"،
بل كان الخلفاء بشرا يُراقَبون من الأمة، وتوجد حولهم أجهزة رقابة ومحاسبة،
ويخضعون للنقد والمساءلة. ولذلك يبدو هذا الموقف المزدوج من الرئيس ترامب مثيرا
للاستغراب؛ إذ يُسمح للخطاب الديني أن يكون جزءا من الحياة السياسية في الغرب،
بينما يُجرَّم كثير من المسلمين إذا تحدّثوا عن مرجعية الإسلام في الحكم والسياسة،
ولو بوسائل سلمية وفكرية.
والله
أعلم بالصواب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.