في
البداية، لا بد من التأكيد أن ما جرى كان عدوانا ظالما خلّف آثارا خطيرة على
المنطقة بأسرها. فقد كشفت هذه
الحرب حجم التوسع في الاستهداف، وامتداد الأضرار إلى
ما وراء ساحات المواجهة المباشرة، لتطال مصالح دول الجوار، وبناها التحتية، ومصادر
الطاقة، والمطارات، والممرات الحيوية، الأمر الذي وسّع دائرة الخطر، وألحق أضرارا
جسيمة بالمنطقة والعالم.
وإذا كان
من المؤكد أن المسؤولية الكبرى تقع على القوى التي أشعلت الحرب، ولكن استهداف
إيران للبنى التحتية والطاقة والمطارات لدول الجوار أسهم أيضا في دفع المنطقة نحو
مزيد من الفوضى والخسائر، والهيمنة.
نحن في
هذه المقالة الذي يعنينا هو الوقوف عند العِبَر الكبرى التي يجب على أمتنا
الإسلامية، وبخاصة دول
الخليج أن تعيها جيدا، وأن تبني عليها مواقفها وخططها
المستقبلية.
أولا:
كشفت هذه الحرب، بوضوح شديد، حقيقة المشروع الصهيوني، وحقيقة الدعم الأمريكي غير
المحدود له. فقد ظهر أن المسألة ليست مرتبطة بحدثٍ عابر أو نزاعٍ محدود، بل بمشروع
أوسع لإعادة تشكيل المنطقة، وفرض ترتيبات جديدة تُفضي إلى هيمنة سياسية وعسكرية
واقتصادية، وتجعل الكيان الصهيوني في موقع القوة الأولى في الشرق الأوسط بدعم
أمريكي مباشر.
ضرورة بناء مشروع تكامل جاد، يبدأ من الداخل، ويقوم على المصالحة، وتقوية الجبهة الوطنية، وترسيخ الثقة بين الدولة وشعبها، ثم يمتد إلى دوائر التعاون الخليجي والإسلامي الأوسع
ثانيا:
أظهرت الحرب أن منطق الهيمنة لا يقف عند حدود الدعم السياسي، بل يمتد إلى التحكم
في الثروات، والممرات المائية، ومصادر الطاقة، ومصائر الدول. وهذا ما يوجب على دول
المنطقة أن تنظر إلى ما يحدث بمنظار استراتيجي بعيد، لا بمنظار رد الفعل المؤقت.
ثالثا:
بيّنت الأحداث أن الاعتماد الكامل على القوى الأجنبية لا يصنع أمنا حقيقيا، بل قد
يجعل دول المنطقة أكثر تعرضا للابتزاز والضغط والمخاطر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى
مراجعة شاملة لمعادلات الأمن والدفاع، وبناء منظومة حماية ذاتية أكثر رسوخا
واستقلالا.
رابعا:
كشفت الحرب مقدار الهشاشة التي تعاني منها منطقتنا العربية والإسلامية عند غياب
التنسيق الحقيقي، والوحدة الفاعلة، والرؤية المشتركة. وهذا يفرض ضرورة بناء مشروع
تكامل جاد، يبدأ من الداخل، ويقوم على المصالحة، وتقوية الجبهة الوطنية، وترسيخ
الثقة بين الدولة وشعبها، ثم يمتد إلى دوائر التعاون الخليجي والإسلامي الأوسع.
خامسا: إن
الإدارة الأمريكية لا يهمها إلا أمن إسرائيل الكبرى (الكيان الصهيوني المحتل) والاقتصاد،
وتمخضت التهديدات من الإبادة إلى مشروع الحصول على رسوم المرور عبر مضيق هرمز.
سادسا: إن
أمن الخليج ليس قضية محلية تخص دولة وحدها، بل هو عنصر أساسي في أمن المنطقة وأمن
العالم أجمع. ولذلك فمن الضروري أن يكون لدول الخليج دور محوري في أي ترتيبات
تتعلق بالممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لأن هذه الدول هي الأكثر تأثرا
بما يجري فيه، والأولى بالمشاركة الفعلية في رسم سياساته الأمنية والاستراتيجية.
سابعا:
أظهرت هذه الحرب أن بناء النفوذ لا يتم في يوم أو ليلة، وإنما هو حصيلة عمل طويل،
واستثمار مستمر في الحلفاء، والعلاقات، وأدوات التأثير. وهذه حقيقة ينبغي أن تُقرأ
بعقلٍ واعٍ؛ لأن الدول التي تهمل بناء عمقها الاستراتيجي، وتكتفي بردود الفعال،
تجد نفسها عند الأزمات في موقع الضعف والانكشاف.
ثامنا: ما
جرى ليس مجرد صراع إقليمي محدود، بل هو جزء من صراع أوسع على النفوذ، والخرائط،
والثروات، وموازين القوة في المنطقة. وهو صراع يتغذى من تفرق الأمة، ومن الخلافات
الداخلية، ومن التوترات السياسية والمذهبية، ومن غياب المشروع الجامع القادر على
توحيد الطاقات وتوجيهها.
ما جرى ليس مجرد صراع إقليمي محدود، بل هو جزء من صراع أوسع على النفوذ، والخرائط، والثروات، وموازين القوة في المنطقة
ومن هنا،
فإن الواجب لا يقتصر على الإدانة أو الرثاء، بل يتطلب عملا جادا منظما، يقوم على
رؤية استراتيجية واضحة، ومن أبرز معالمها ما يأتي:
1. نشر الوعي بحقيقة الأخطار التي تواجه
الأمة، وبأن المرحلة تتطلب فهما عميقا وتحركا منظما، لا مواقف عاطفية متفرقة.
2. العمل على مصالحة داخلية شاملة داخل
الدول الإسلامية، تقوم على العدل، ورفع المظالم، وإفساح المجال لأهل العلم والفكر
والرأي للمشاركة في البناء والإصلاح.
3. تعزيز الاعتماد على الذات في مجالات
الأمن والدفاع والاقتصاد والتعليم والتقنية، وعدم رهن المصير الوطني للخارج.
4. بناء تعاون خليجي حقيقي أكثر فاعلية،
ينتقل من حدود التنسيق التقليدي إلى مستوى التخطيط المشترك، والدفاع المتكامل،
والمصالح الموحدة.
5. توسيع دوائر الشراكة الاستراتيجية مع
الدول الإسلامية الكبرى ذات الإمكانات المؤثرة، بما يخدم استقلال القرار، ويحمي
المصالح المشتركة.
6. الاستثمار الجاد في الإنسان، والعلم،
والتقنية، والذكاء الاصطناعي، ونقل المعرفة، وبناء الصناعات المتقدمة؛ فموازين
القوة الحديثة لم تعد تقوم على العدد وحده، بل على جودة التعليم، والتفوق التقني،
والقدرة على الابتكار.
7. إصلاح العقلية التربوية والثقافية، وبناء
وعي حضاري يجمع بين الإيمان الصحيح، والعمل المنتج، والعلم النافع، وفق مفهوم
الاستخلاف الذي يجعل بناء الدنيا في طاعة الله طريقا إلى صلاح الآخرة أيضا، وعلى
الوحي الصحيح والعقل المستضيء بنور الله تعالى.
وأخيرا، إن
دول الخليج، بما تملكه من ثروات، وموقع استراتيجي، وقدرات مالية وبشرية، تستطيع -إذا
توافرت الإرادة السياسية، والرؤية الواضحة، والتكامل الحقيقي- أن تنتقل إلى مرحلة
جديدة من القوة والتأثير خلال سنوات قليلة، وأن تبني نموذجا متقدما في الأمن
والاقتصاد والتقنية والتعليم.
والخلاصة
أن ما جرى يجب ألا يُقرأ بوصفه حدثا عابرا، بل بوصفه جرس إنذار كبيرا، يكشف مكامن
الضعف، ويدعو إلى تصحيح المسار، وبناء مشروع جاد يحقق للأمة أسباب القوة والوحدة
والكرامة، بعيدا عن التبعية، والتفرق، وردود الأفعال المؤقتة.
والله من
وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل..
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.