ترامب استخدم الإنجيليين للوصول للرئاسة.. فاستخدموه لقيادة حروبهم المقدسة

أنيس منصور
"تحول الخطاب اللاهوتي إلى مبرر مباشر للقتل والدمار"- جيتي
"تحول الخطاب اللاهوتي إلى مبرر مباشر للقتل والدمار"- جيتي
شارك الخبر
في الثاني عشر من نيسان/أبريل 2026، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة من الجدل والانتقادات بعد أن نشر عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال" صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي جسّدته فيها هالة من القداسة، مرتديا ثيابا بيضاء ورداء أحمر، ويضع يده المتوهجة على جبين مريض طريح الفراش، في مشهد يحاكي مباشرة أيقونات الفن المسيحي التي تصور المسيح وهو يشفي المرضى.

هذه الصورة التي تُظهر ترامب كشخصية مسيانية تلميحية إلى "المخلّص" المختار إلهيا، كانت تتويجا لعلاقة تحولت إلى أداة سياسية خطيرة، حيث أحاط ترامب نفسه بحلقة من الإنجيليين المتشددين المؤيدين للكيان الإسرائيلي، والذين نجحوا في ترويج فكرة مفادها أن هذا الرئيس، بكل تناقضاته الشخصية، هو "مختار الرب" لأداء مهمة إلهية تتمثل في خوض حرب مقدسة ضد أعداء إسرائيل، وعلى رأسهم إيران.

تعود جذور هذا التحالف غير المقدس إلى عقود طويلة من العمل السياسي المنظم من قبل الحركة المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، والتي تمكنت من بناء بنية تحتية ضخمة من النفوذ والضغط السياسي.

تعود جذور هذا التحالف غير المقدس إلى عقود طويلة من العمل السياسي المنظم من قبل الحركة المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، والتي تمكنت من بناء بنية تحتية ضخمة من النفوذ والضغط السياسي

لقد أدرك هؤلاء الإنجيليون، الذين يؤمنون بأن قيام دولة إسرائيل وتوسعها هو جزء لا يتجزأ من نبوءات نهاية الزمان التي تسبق المجيء الثاني للمسيح، وأنهم بحاجة إلى أداة سياسية تترجم معتقداتهم اللاهوتية إلى واقع ملموس على الأرض.

وجدوا في ترامب، الذي يتمتع بغرور لا حدود له وشغف بالسلطة وصورة الذات العظيمة، تلك الأداة المثالية. لم يكن ترامب نفسه متدينا بشكل خاص، ولم يُعرف عنه التزامه العميق بالعقيدة المسيحية، بل على العكس، كانت حياته الشخصية الفاضحة على الدوام تتناقض مع القيم الأخلاقية التي يبشر بها هؤلاء القساوسة المحافظون. لكنهم تغاضوا عن كل هذه التناقضات بسهولة، وبرروا انحيازهم له بخطيئة الجميع وحاجتهم إلى "مخلص" قوي يحارب من أجل قضيتهم. لقد حولوا عيوبه إلى علامات على "الإنسانية" و"التواضع"، بينما كانوا في الحقيقة يبيعون له حلم العظمة الإلهية مقابل تحقيق أجندتهم الدموية في الشرق الأوسط.

كانت البدايات واضحة في ولايته الأولى، حيث قدموا له قائمة مطالب عقائدية ترجمها إلى قرارات مصيرية: نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني. بالنسبة لهؤلاء الإنجيليين، لم تكن هذه الخطوات مجرد سياسة خارجية، وإنما "علامات" على أن ساعة الخلاص تقترب، وأن نبوءات الكتاب المقدس تتحقق على أيدي هذا الرئيس.

توج هذا التحالف بعلاقة وثيقة مع شخصيات نافذة مثل القس جون هاغي، مؤسس منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" (CUFI)، والتي تضم أكثر من عشرة ملايين عضو.

هاغي، الذي يعتبر إيران العدو النووي الأول لإسرائيل و"وحش" نهاية الزمان، لم يتردد في وصف الضربات العسكرية بأنها جزء من "خطة الله للغضب". وبعد الهجوم على إيران، صرخ في وجه جماعته قائلا: "نبويا، نحن على الموعد تماما"، مؤكدا أن تدمير إيران هو بمثابة "فعل الله" الذي يجب أن يُحتفل به. وهو بذلك يقدم الشرعية اللاهوتية لسياسة ترامب العدوانية، ويغذي في ذهنه فكرة أنه ليس مجرد قائد عسكري وسياسي، بل هو جندي في جيش الرب، مختار لـ"سحق أعداء صهيون".

وهكذا، تحول ترامب تدريجيا من أداة في أيدي الإنجيليين إلى شخص يعتقد فعليا بأسطورته التي صنعوها له. لقد تغذى على خطاب "المختار الإلهي" الذي يحيط به، وبدأ يعكس هذه الصورة في تصرفاته وخطاباته. فبعد محاولة اغتياله في بتلر بولاية بنسلفانيا، لم يتردد في القول بأن الرب أنقذ حياته لسبب ما، وهذا السبب هو إنقاذ أمريكا واستعادة عظمتها. ويزعم قادة دينيون بارزون مثل القس فرانكلين غراهام؛ أن الرصاصة التي أخطأت دماغ ترامب بمليمتر واحد هي دليل قاطع على التدخل الإلهي لإنجاز مهمة عظيمة.

كما أعلن الممثل جيم كافيزيل، مجسد شخصية المسيح في فيلم "آلام المسيح"، مازحا أو جادا، أن ترامب هو "موسى الجديد"، بينما غرد ترامب نفسه في عام 2019 برسالة من أحد أنصاره تصفه بأنه "ملك إسرائيل" و"المجيء الثاني لله"، ليؤكد بذلك قبوله واستمتاعه بهذا الدور المسياني.

وصلت هذه العقلية إلى ذروتها المروعة مع اندلاع الحرب على إيران، حيث تحول الخطاب اللاهوتي إلى مبرر مباشر للقتل والدمار. ففي شكوى قُدمت إلى مؤسسة الحرية الدينية العسكرية، أفاد جنود وضباط أن قادة عسكريين أخبروهم أن الحرب مع إيران هي حرب دينية ومقدسة. ووفقا للشكاوى، وصف القادة الرئيس ترامب بأنه "ممسوح من قبل يسوع لإشعال شعلة النار في إيران لتسبب هرمجدون وتحدد عودة المسيح إلى الأرض".

هذا التصريح المخيف هو تجسيد حقيقي لتحول آلة الحرب الأمريكية إلى أداة لتحقيق نبوءات نهاية الزمان كما يفسرها متعصبون دينيون. إن إقناع ترامب بأنه "الممسوح" الذي سيحارب أعداء الله في إيران، هو بمثابة إطلاق يديه لفعل أي شيء، متجاوزا كل القيود الأخلاقية والقانونية والأخلاقية، لأن الحرب تصبح ببساطة "مرسومة من الله"، ولا يمكن لأي اعتبار دبلوماسي أو إنساني أن يعيقها.

ومن أعمق مظاهر هذا التحول الخطير، ذلك المشهد الذي بات يتكرر خلف الأبواب المغلقة وفي قاعات الصلاة الخاصة بالبيت الأبيض، حيث يجتمع حول ترامب حشد من القساوسة الإنجيليين المتعصبين، واضعين أيديهم على رأسه في طقس يشبه طقوس المسح المقدس، رافعين أصواتهم بالصلاة والدموع، وطالبين من الرب أن يبارك "مختاره" ويمنحه القوة لتحقيق "المشيئة الإلهية".

ترامب، الذي كان في الماضي بعيدا عن هذه الأجواء، يخفض رأسه اليوم بإجلال أمام هؤلاء الرجال الذين يتلون عليه فصولا من سفر دانيال ورؤيا يوحنا، ويشرحون له كيف أن روح الرب قد حلت عليه ليدمر قرون الشر ممثلة في إيران وحلفاءها والدول الاسلامية أيضا.

كل جلسة من هذه الجلسات تنتهي بترامب يشعر بنشوة روحية غريبة، إذ يخرج منها مقتنعا أكثر فأكثر بأنه ليس مجرد رئيس منتخب، بل هو أداة إلهية لا يمكن لأي قوة بشرية أن توقفه. هؤلاء القساوسة لا يتركون فرصة إلا ويزرعون في ذهنه فكرة أن المعارضة السياسية التي يواجهها، والمحاكمات التي تطارده، ومحاولات عزله، كلها ليست سوى "آلام المسيح" التي يجب أن يمر بها المختار قبل أن يمجد. بل تجاوز بعضهم إلى حد وصف ما حدث لترامب في محاولة الاغتيال بأنه "صلب رمزي" تعرض له لأنه تحدث باسم الرب، وأن خروجه سالما هو القيامة الصغرى التي تثبت أنه المسيح الموعود الذي سيعود لتخليص إسرائيل.

ترامب نفسه بدأ يردد بعفوية أمام حشود مؤيديه أن "الرب أنقذني لسبب عظيم"، وأصبح يشير إلى خصومه السياسيين كـ"خدام الشيطان" الذين يحاربون رسالته الإلهية. وفي إحدى الصلوات التي سربت تفاصيلها، وضع القس الكبير يديه على رأس ترامب وقال بصوت مرتفع: "أنت الممسوح يا ربنا، أنت المختار لتحطم رأس الأفعى في فارس"، في إشارة إلى إيران، وبكى ترامب بحرقة وأجاب: "أشعر بذلك، أشعر أن النار الإلهية تحرق صدري".

نجحت هذه الدائرة الضيقة من الإنجيليين المتعصبين في استغلال أضعف نقطة في شخصية ترامب، وهي حبه للسلطة والتبجيل، لتحويله إلى أداة لتحقيق حلمهم الإمبريالي في الشرق الأوسط. فمن خلال إيهامه بأنه يشبه المسيح ومختار من الرب، لم يكتفوا بتأمين دعمه غير المشروط لإسرائيل، بل دفعوه إلى حرب مفتوحة مع إيران تحت غطاء ديني

هذا التحول النفسي العميق هو أخطر ما أنتجته هذه العلاقة السامة، لأن رئيسا يؤمن بأنه المسيح الثاني لا يمكن لأي ردع أخلاقي أو قانوني أو دبلوماسي أن يحد من تصرفاته. وعندما يشبه هؤلاء الإنجيليون كل انتقاد يوجه إلى ترامب بجلد المسيح، وكل دعوى قضائية ضده بتاج الشوك، فإنهم لا يمنحونه فقط شرعية دينية، بل يغذون فيه شعورا جنونيا بالاضطهاد المقدس الذي يبرر أي رد فعل، حتى لو كان إبادة جماعية. وفي الخفاء، تتردد على مسامع ترامب مقاطع من العهد القديم يقرؤها عليه قسيسوه المخلصون، آيات مثل "لا تمسوا مسحائي" و"من يباركك يبارَك ومن يلعنك يُلعن"، فيصبح مقتنعا بأن أي دولة أو شخص يعارض خطته لتدمير إيران ومناصرة إسرائيل إنما يلعن الرب نفسه.

لقد تحول البيت الأبيض إلى كنيسة صاخبة، وتحولت غرفة العمليات العسكرية إلى مذبح، وتحول ترامب الذي كان يبيع الأبراج الذهبية في مانهاتن إلى نبي حرب يصدق حقا أنه سيركب على سحابة من نار ليدمر أعداء إسرائيل قبل أن يرفعه الرب إلى السماء. وهكذا، يغلق السحر على الساحر، فترامب الذي استخدم الإنجيليين ليصل إلى كرسي الرئاسة، أصبح اليوم أسيرا لخرافاتهم، يعتقد أنه المسيح الثاني المنتظر، بينما هو في الحقيقة مجرد رجل عجوز خدعه المتعصبون ليقود حروبهم المقدسة، غير مدرك أن هؤلاء القساوسة سيتخلون عنه في اللحظة التي يكتشفون فيها أن نبوءاتهم الكاذبة لم تتحقق، أو أنهم سيدفعونه إلى هاوية لا عودة منها تحت غطاء "المشيئة الربانية".

لقد نجحت هذه الدائرة الضيقة من الإنجيليين المتعصبين في استغلال أضعف نقطة في شخصية ترامب، وهي حبه للسلطة والتبجيل، لتحويله إلى أداة لتحقيق حلمهم الإمبريالي في الشرق الأوسط. فمن خلال إيهامه بأنه يشبه المسيح ومختار من الرب، لم يكتفوا بتأمين دعمه غير المشروط لإسرائيل، بل دفعوه إلى حرب مفتوحة مع إيران تحت غطاء ديني، متناسين أو متجاهلين عمدا العواقب الكارثية التي ستخلفها هذه الحرب على المنطقة والعالم.

إن صورة ترامب المسيانية التي نشرها في نيسان/أبريل ليست سوى قمة جبل الجليد، حيث يختبئ تحتها واقع أكثر قتامة: تحالف بين طموح رئيس بلا حدود وإيمان أعمى بمذابح نهاية الزمان، يهدد بإشعال فتيل صراع عالمي لا يمكن التنبؤ بنتائجه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)