يوم
الأربعاء الماضي (6 أيار/ مايو 2026) نشر البيت الأبيض استراتيجيته لمكافحة
الإرهاب، وقد أدرج فيها جماعة الإخوان المسلمين في سلة واحدة مع تنظيمي القاعدة
وداعش، ما يعكس عمى ألوان أصيبت به إدارة الرئيس
ترامب جعلها لا تميز بين الجماعات
المختلفة، والتي يكفّر بعضها الإخوان ويستحل دماءهم تماما كدماء غيرهم.
لم
تكتف
الاستراتيجية الجديدة بوضع التنظيمات الثلاثة في سلة واحدة، بل زعمت أن جماعة
الإخوان هي الأم لكل التنظيمات الجهادية الحديثة، وأنها أصل الإرهاب الإسلامي
الحديث القائم على فكرة إعادة الخلافة الإسلامية، وقتل واستعباد غير المسلمين،
وتوعدت الاستراتيجية بمواصلة تصنيف فروع الإخوان في كل مكان كمنظمات إرهابية. لم
تقدم الاستراتيجية أي دليل على ارتكاب الإخوان أعمالا إرهابية، أو جرائم قتل أو
استعباد غير المسلمين، أما الخلافة فلها حديث آخر.
لم
تعد السياسات والاستراتيجيات الأمريكية تحظى بأي مصداقية، فهي محض تعبير عن نزعات
دينية يمينية متطرفة، لا تقوم على دراسات متأنية، بل تستبطن رغبات الزعيم الأوحد
ترامب الذي يجمع كل المتناقضات في شخصيته ما بين ادعاء الإيمان المسيحي حد التشبه
بالسيد المسيح، أو حتى التفوق عليه، وبين اتهامات جنسية (اغتصاب قصّر في جزيرة
إبستين) تطارده في صحوه ومنامه، ولا يستطيع محو عارها حتى بالحروب الكبرى التي
يخوضها للتغطية عليها، أو بكونه رجل صفقات يعتبر كل أزمة سياسية مشروعا تجاريا رابحا.
لم تعد السياسات والاستراتيجيات الأمريكية تحظى بأي مصداقية، فهي محض تعبير عن نزعات دينية يمينية متطرفة، لا تقوم على دراسات متأنية، بل تستبطن رغبات الزعيم الأوحد ترامب الذي يجمع كل المتناقضات في شخصيته
لا
تختلف استراتيجيات ترامب كثيرا عن استراتيجيات السيسي (استراتيجية حقوق الإنسان
مثالا) التي يعلنها مطلع النهار، ويتجاوزها أو حتى ينساها في آخره، فهو لا يؤمن إلا
بما يخرج من فمه، وما يفكر فيه عقله هو، أما الرؤى والاستراتيجيات المكتوبة فهي
لزوم الاستهلاك السياسي والإعلامي، ومستخلصات تحصيل فواتير مالية من أصحاب المصلحة
الحقيقيين في هذا التصنيف أو ذاك، وأقصد هنا تحديدا الإمارات المستعدة لدفع
مليارات الدولارات مقابل الحصول على هذا التصنيف.
تدرك
المؤسسات الأمنية والسياسية الأمريكية العتيدة الفوارق الكثيرة بين جماعة الإخوان
ذات النهج السلمي، والتي ارتضت النضال السياسي عبر الأطر الدستورية في البلدان
التي تعمل فيها، وبين الجماعات الأخرى التي ترفض تلك السلمية، وتؤمن بالعمل المسلح
لتحقيق أغراضها، كما أن خلافاتها مع الإخوان لا تتوقف عند حدود الخلافات الفكرية
والفقهية، بل إنها تضعها (الإخوان) في سلة واحدة مع الأمريكان أنفسهم، وتصوب
سلاحها ضدهم جميعا، وتعتقد تلك الجماعات أن جماعة الإخوان هي أكبر عائق أمام تقدم
مشروعها، ويمكن الرجوع في ذلك إلى كتاب "الحصاد المر" لزعيم القاعدة
أيمن الظواهري.
التبريرات
التي استندت إليها استراتيجية الإرهاب الأمريكي، كما الأمر التنفيذي لتصنيف
الإخوان الذي صدر منتصف كانون الثاني/ يناير الماضي، استندت إلى مواقف الإخوان
المعادية للكيان الصهيوني واتفاقيات التطبيع الإبراهيمي، والداعمة للمقاومة
الفلسطينية ولحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وعاصمتها القدس، والرافضة للهيمنة
الإسرائيلية والأمريكية عموما في المنطقة. وقد أضافت التبريرات خوفا جديدا وهو سعي
الإخوان وغيرهم من الجماعات الإسلامية لإقامة الخلافة؛ هذا هو المارد الذي يخشاه
الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، ويبذلون كل وسعهم لمنع عودته بعد أن نجحوا في
إسقاطه من قبل، فالخلافة في شكلها العصري كما يفهما الإخوان والعديد من الجماعات
الإسلامية المعتدلة هي الوحدة الإسلامية الشاملة، على غرار أشكال عالمية أخرى
للوحدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؛ التي هي تجمّع لخمسين ولاية كانت متفرقة
ومتحاربة من قبل، ويبدو أن الولايات المتحدة التي ذاقت طعم وقيمة الوحدة لا تريد
لغيرها خاصة الدول الإسلامية أن تتذوق ثمار هذه الوحدة.
فارق
كبير في شكل الخلافة وطريق تحقيقها بين الإخوان والقاعدة وداعش، فالإخوان يسعون
لوحدة العالم الإسلامي عبر النضال والحوار والرضا السياسي، وبعد أن تتمتع الشعوب
الإسلامية بحريتها وتعبر بإرادتها الحرة عن رغبتها في هذه الوحدة، بينما سعى الآخرون
بالقوة المسلحة وأسسوا نماذج لخلافتهم في سوريا والعراق من قبل، كما يسعون لتحقيق
ذلك في العديد من الأماكن الأخرى وأحدثها شمال مالي.
وعلى
عكس ما أرادت إدارة ترامب -ومن دفعوا لها- فإن تصنيف الإخوان الذي تم في كانون
الثاني/ يناير الماضي منحهم قدرا كبيرا من التقدير والاحترام لدى الشعوب العربية
والإسلامية، فهذه الشعوب تعطي ثقتها لمن يحمل قضاياها، سواء قضية الانعتاق من
الاستبداد، أو التحرر من الاحتلال، كما أن استراتيجية الإرهاب الأمريكية الجديدة
ستمنح الإخوان المزيد من هذا التقدير الشعبي، حتى لو كان المقابل الأمريكي هو
التضييق عليهم ماليا وأمنيا، فحتى هذا التضييق ستواجهه الشعوب بطرقها المختلفة.
وعلى فرض جدلي أن الإدارة الأمريكية وكل الملتحقين بها نجحت في محاصرة الإخوان
تماما فلن يضيرهم ذلك شيئا، بل سيعتبرون أنفسهم أدوا رسالتهم، وستظهر جماعات وقوى
أخرى تكمل الطريق، فهذه سنة الله في الأرض التي لا يستطيع ترامب أو غيره تبديلها.
أضافت التبريرات خوفا جديدا وهو سعي الإخوان وغيرهم من الجماعات الإسلامية لإقامة الخلافة؛ هذا هو المارد الذي يخشاه الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، ويبذلون كل وسعهم لمنع عودته بعد أن نجحوا في إسقاطه من قبل
لقد
تنبأ مؤسس الإخوان الإمام حسن البنا بعد عشر سنوات فقط من التأسيس بما ستتعرض له الجماعة
حين يدرك أعداؤها أهدافها ومراميها، وحث أبناءها على الصبر والصمود فقال: "أحب
أن أجهر في صراحة بأن دعوتكم لا تزال مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها
ويدركون مراميها وأهدافها، ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم
كثيرا من المشقات، وسيعترض طريقكم كثير من العقبات، وعندئذ فقط تكونون قد بدأتم
تسلكون سبيل أصحاب الدعوات".
وأضاف:
"سيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستحاول كل حكومة أن تضع
حدا لنشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.. وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم
وإطفاء نور دعوتكم، وسيثيرون حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون
أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، مستعينين في ذلك بقوتهم
ونفوذهم، وبأموالهم وإعلامهم.. ستدخلون ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون
وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشردون، وتُصادر مصالحكم وتُعطل أعمالكم وتُفتش بيوتكم، وقد
يطول بكم مدى هذا الامتحان، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصر المجاهدين ومثوبة
العاملين المحسنين" (من خطاب البنا أمام المؤتمر الخامس عام 1938).
هذه
المعاني الإيمانية التي تربى عليها الإخوان تحصنهم في مواجهة الهجمات التي يتعرضون
لها، ولا يعني ذلك تحصينهم من المراجعة، أو تنزيههم عن الأخطاء فهم بشر، وكل البشر
خطّاؤون، وخير الخطائين التوابون، وهم في عملهم مجتهدون، وللمجتهد أجران إن أصاب
وأجر إن أخطأ.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.