من
الطبيعي أن تنشط الحكومة
المصرية في تسويق سياساتها التقشفية المؤلمة الجديدة، لكن
من غير الطبيعي أن يسارع الجيش أيضا لتسويق تلك السياسات، اللهم إلا في حالات
الضرورة القصوى، كأن تعجز الحكومة التي قررت تلك السياسات عن تسويقها، أو أن تشعر
القوات المسلحة بخطر داهم نتيجة تلك السياسات؛ يستدعي تدخلها حفاظا على بقاء
النظام الذي أنتجته والتزمت برعايته.
السياسات
التقشفية الجديدة شملت إغلاق المحال التجارية والمطاعم ومراكز التسوق ودور السينما
والمسارح وقاعات الأفراح في التاسعة مساء، وتقليل الإضاءة في الشوارع، إضافة إلى
خفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية، وتطبيق العمل عن بعد يوم الأحد من كل أسبوع،
وتضمنت أيضا رفعا تدريجيا لأسعار الوقود والكهرباء وتقليص الدعم، إلى جانب إدارة
مرنة لسعر الصرف وتوسيع الإيرادات الضريبية، في محاولة لاحتواء الضغوط على العملة
الصعبة وتقليل عجز الميزانية. وفي الجعبة المزيد من الإجراءات التقشفية لمواجهة
تداعيات
حرب الخليج التي لم تشارك فيها مصر، والتي هي بعيدة جغرافيا عنها.
الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر ليست نتيجة تداعيات الحرب فقط، بل هي قبل ذلك نتيجة سياسات فاشلة أغرقت البلاد في مديونيات خارجية
مع
تصاعد حالة الغضب الشعبي نتيجة هذه القرارات الجديدة التي تضاف إلى العديد من
سياسات التقشف السابقة؛ أدركت المؤسسة الأمنية أن هذا الغضب قد ينفلت في أي لحظة،
وإذا حدث ذلك فمن الصعب استيعابه، لذا بادرت القوات المسلحة للدخول على الخط عبر
نشرها فيديو على الحساب الرسمي لمتحدثها العسكري يبرر فيه تلك السياسات بأنها
نتيجة ظروف قهرية بسبب الحرب، وأن هناك دولا أخرى اتخذت إجراءات مماثلة لمواجهة
التداعيات عليها. هذا الدخول العسكري على الخط يحمل أكثر من رسالة؛ لعل أهمها أن
القوات المسلحة جاهزة لمواجهة أي تحرك شعبي ضد هذه السياسات.
الأزمة
الاقتصادية التي تمر بها مصر ليست نتيجة تداعيات الحرب فقط، بل هي قبل ذلك نتيجة
سياسات فاشلة أغرقت البلاد في مديونيات خارجية لامست 165 مليار دولار، ومثلها ديون
داخلية، وقد تضاعفت الديون الخارجية 4 مرات في عهد السيسي وتستنزف 60 في المئة من
الميزانية العامة للدولة، كما أن مصر مطالبة بسداد 50 مليار دولار خلال هذا العام
كأقساط وفوائد ديون. وقد جاءت تلك المديونيات العالية نتيجة مشروعات كبرى لم تكن
تمثل أولوية تنموية، وكان بعضها بهدف رفع الروح المعنوية للشعب وفقا لتصريحات
السيسي نفسه! وقد تسببت تلك السياسات في انهيار قيمة الجنيه من 7 جنيهات للدولار
إلى 54 جنيها للدولار، وزيادة نسب الفقر والبطالة.
لقد
حكم السيسي مصر منفردا منذ انقلابه في العام 2013، وتفاخر لاحقا بأنه ظل يدرس
الدولة المصرية لمدة 50 عاما حتى يفهم أركانها وإداراتها، وكانت النتيجة لهذه
الدراسة (المعمقة!) اقتصادا هشا يعتاش على معونات الدول الخليجية والتي تجاوزت 50
مليار دولار في سني حكمه الأولى، كما يعتمد على الاستثمارات الخليجية خاصة
الحكومية، والتي وفرت مبالغ ضخمة؛ مثل صفقة رأس الحكمة الإماراتية (35 مليار
دولار) التي غطت استحقاقات دوين خارجية عاجلة، والآن تتصاعد أزمة الثقة بين تلك
الدول ونظام السيسي، إضافة إلى تعرض اقتصاداتها المحلية لأضرار بالغة تجاوزت 165
مليار دولار حتى الآن، ومرشحة لخسارة المزيد مع استمرار الحرب لفترة أطول،
إذا كانت فترة شهر واحد من الحرب قد فرضت تلك التداعيات على الاقتصاد المصري الهش، فما البال لو طالت الحرب لشهر أو شهور أخرى؟! أو لو توسع نطاقها ليشمل دولا أخرى ومساحات جغرافية أخرى؟! وماذا لو نجح الحوثيون في إيقاف الملاحة عبر باب المندب؟
ومع
استمرار الضربات الإيرانية للمنشآت الاقتصادية الخليجية، وهو ما سيدفع تلك الدول
للتركيز على إعادة تأهيل منشآتها المدمرة، وعلاج التداعيات الاقتصادية الأخرى
للحرب عليها، ومن ذلك وقف العديد من المشروعات (تحت الإنشاء) كثيفة العمالة ورأس
المال، ووقف التوسعات العقارية، وهو ما يعني توفير أعداد كبيرة من العمالة وخاصة
المصرية، كما سيعني ذلك تقليص الاستثمارات الخليجية الخارجية وخاصة في مصر، سواء
الاستثمارات الحالية، أو المستقبلية.
وإذا
كانت فترة شهر واحد من الحرب قد فرضت تلك التداعيات على الاقتصاد المصري الهش، فما
البال لو طالت الحرب لشهر أو شهور أخرى؟! أو لو توسع نطاقها ليشمل دولا أخرى
ومساحات جغرافية أخرى؟! وماذا لو نجح الحوثيون في إيقاف الملاحة عبر باب المندب؟!
لقد خسرت قناة السويس 60 في المئة من إيراداتها بسبب هجمات الحوثيين خلال حرب غزة،
وهي مرشحة لخسارة المزيد حال إعلاق باب المندب مجددا، كما توقف توريد الغاز
الإسرائيلي إلى مصر، واحتاجت مصر إلى مليون برميل نفط بشكل عاجل من ليبيا لتعويض
نقص الإمدادات أيضا، وتراجع الجنيه مجددا أمام الدولار، وهو مرشح لمزيد من التراجع
وفقا لتوقعات مؤسسة ستاندرد آند بورز، كما من المتوقع تراجع تحويلات المصريين في
الخارج التي تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات، وفي الوقت نفسه ارتفاع تكاليف
الاستيراد والغذاء، بما يفاقم الأعباء الاجتماعية والمعيشية.
هذه
الأزمات الحالة والمتوقعة لا يمكن نسبتها فقط للحرب كما يدعي النظام، ولكن أيضا
للسياسات الاستعراضية الفاشلة، التي لم تبن اقتصادا قويا قادرا على مواجهة الأزمات
كما هو الحال في دول أخرى مرت بالظروف التي مرت بها مصر.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.