درعا مرآة للصراع الإسرائيلي-التركي.. والدروز خارج التوافقات

مصطفى الخليل
"إسرائيل لا تستهدف سوريا لذاتها، بل تستهدف من خلالها تركيا"- سانا
"إسرائيل لا تستهدف سوريا لذاتها، بل تستهدف من خلالها تركيا"- سانا
شارك الخبر
لا يمكن النظر إلى توغل الاحتلال الإسرائيلي لقرية عابدين في ريف درعا الغربي، ليلة 29/28 حزيران/ يونيو 2026، بوصفه حادثة عابرة تُقرأ بمعزل عن سياقها الإقليمي، ولا يمكن فصلها عما يجري في مضيق هرمز من استهداف أمريكي-إسرائيلي مشترك لإيران. فهو حلقة من حلقات مشروع واحد، تتسع جغرافيته كل يوم: مشروع إسرائيل لتكون سيدة الشرق الأوسط وصاحبة الكلمة العليا فيه. وهذا التصور، الذي قد يبدو لبعض المراقبين جديدا أو طارئا، هو في الحقيقة من ثوابت الأدبيات السياسية والعسكرية الإسرائيلية منذ عقود، وما درعا إلا آخر محطاته الميدانية.

تركيا: العائق الذي لا تستطيع إسرائيل مواجهته مباشرة

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا سوريا، ولماذا الآن؟ الجواب يكمن في المعادلة التالية: تركيا هي العائق الأهم والأثقل استراتيجيا أمام تجسيد الطموح الإسرائيلي في المنطقة، وإسرائيل، على الأقل في هذه المرحلة، لا تستطيع أن تستهدف تركيا بشكل مباشر كما تستهدف إيران الآن، فتذهب إلى الحلقة الأضعف. وسوريا، التي لم تستكمل بعد إعادة بناء نفسها عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا،
نتاج طبيعة الأنظمة في الشرق الأوسط ذاتها، وسوريا مرشحة لأن تكون مسرحه الأبرز، لا لشيء إلا لموقعها الجيوسياسي الذي يضعها، في كل صراع كبير، في القلب منه لا على هامشه
ما زالت تحمل على كتفيها تركة ثقيلة من النظام البائد وملفات بالغة التعقيد، هي تلك الحلقة. إسرائيل لا تستهدف سوريا لذاتها، بل تستهدف من خلالها تركيا، في حرب غير مباشرة لم تُعلن بعد بكل أبعادها، لكنها بدأت فعلا.

أوجلان-بهشتلي: الورقة التي خسرتها إسرائيل

ثمة تحول لا يقل خطورة عما يجري في الجنوب السوري، وإن كان أقل ضجيجا: تفاهم قائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، مع زعيم الحركة القومية التركية دولت بهشتلي، وما تبعه من قرار أوجلان حل الحزب والتوجه إلى العمل السياسي. هذا التماهي العميق بين أوجلان والدولة التركية يُحسب له، ولا مبالغة في القول إنه واحد من أثقل الأوراق التي خسرتها إسرائيل في المنطقة في السنوات الأخيرة. فالقضية الكردية، التي كانت تُدار منذ عقود كورقة ضغط دائمة على تركيا، بدأت تُسحب من الطاولة وعبر أوجلان نفسه!

لكن المفارقة، وهي مفارقة تستحق التوقف، أن ما تم تفكيكه على الجبهة التركية الداخلية يُعاد إنتاجه على الجبهة السورية: فقسد، بصفتها أقلوية، تتماهى في العمق مع إسرائيل للضغط على سوريا، وبالتالي الضغط على تركيا من الخلف، بينما قيادة حزب العمال الكردستاني الكلاسيكية، في الاتجاه المعاكس تماما، تتماهى مع الاستراتيجية التركية. وهكذا ينقسم الكرد مجددا، في لحظة واحدة، إلى مسارين متعارضين: أحدهما يُستخدم ورقة ضد تركيا، والآخر يُصفّى كقضية معها.

يمكن فهم رفض الرئيس أحمد الشرع الانخراط في أي مواجهة عسكرية ضد حزب الله اللبناني، رغم الضغوط الأمريكية والتقارير التي تحدثت عن رغبة واشنطن في أن يؤدي الجيش السوري دورا في هذا المسار، باعتباره تعبيرا عن رؤية تسعى إلى تجنيب سوريا والمنطقة الانخراط في دورة جديدة من ديمومة الصراعات الإسلامية-الإسلامية

فالحرب القادمة في المنطقة ليست حربا كردية تركية، كما يُراد لنا أن نصدق، بل هي حرب إسرائيلية تركية، وساحتها الأولى، بلا تردد، ستكون سوريا. وهذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج طبيعة الأنظمة في الشرق الأوسط ذاتها، وسوريا مرشحة لأن تكون مسرحه الأبرز، لا لشيء إلا لموقعها الجيوسياسي الذي يضعها، في كل صراع كبير، في القلب منه لا على هامشه.

الدروز: خارج الثنائية السنية الشيعية.. وثمن المغامرة

ويعزز هذه القراءة مشهد آخر لا يقل دلالة: استخدام الدروز، أو فئة منهم، كورقة ضغط في وجه الدولة السورية الناشئة، حتى بلغ الأمر أن أعلنت هذه الفئة علانية انتماءها إلى إسرائيل، وأطلقت على السويداء اسم "إقليم باشان"، وهو التسمية العبرية لجبل العرب. بهذا الإعلان، وجد الدروز أنفسهم، فجأة، خارج السياق السني والشيعي معا، في موقع لم يختاروه بالضرورة جميعا، لكنهم باتوا محسوبين عليه. وهذه مغامرة خطيرة، سترتد على وضع الدروز أنفسهم بنتائج لم تُحسب جيدا.

وما من شك أن هذا الوضع سينتج عنه، ولو بعد حين، تصالح سني شيعي عنوانه الأمن الإقليمي في مواجهة المطامع الإسرائيلية. وحين يحدث هذا التصالح، وهو حتمي، فإن الدروز سيجدون أنفسهم، من جديد، خارج هذه الثنائية، كما دخلوها: بلا اختيار حقيقي، وبثمن لم يدفعوه بعد بالكامل.

وفي هذا السياق، يمكن فهم رفض الرئيس أحمد الشرع الانخراط في أي مواجهة عسكرية ضد حزب الله اللبناني، رغم الضغوط الأمريكية والتقارير التي تحدثت عن رغبة واشنطن في أن يؤدي الجيش السوري دورا في هذا المسار، باعتباره تعبيرا عن رؤية تسعى إلى تجنيب سوريا والمنطقة الانخراط في دورة جديدة من ديمومة الصراعات الإسلامية-الإسلامية، وإدراكا بأن المستفيد الأكبر من استنزاف القوى الإقليمية هو المشروع الإسرائيلي الساعي إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)