قبل نحو 25 سنة، تلقيت اتصالا هاتفيا من
مُعِد ومنتج برنامج "على مسؤوليتي"، الذي كانت تبثه قناة "أم بي سي"،
ويقدمه الممثل السوري الأشهر دريد لحام، والذي كان يتناول مختلف القضايا السياسية
والثقافية والاجتماعية بأسلوب ساخر. وكان الاتصال بشأن دعوتي للاشتراك في إحدى
حلقات البرنامج من استوديوهات القناة في بيروت.
وقد كان: سافرت إلى بيروت، وقبل تسجيل
البرنامج ببضع ساعات، أبلغني منتجه بما يسمى بالمحاور التي سيطرحها دريد، وكان من
بينها
العنصرية في الولايات المتحدة، واستعلاء الأمريكان على المكسيكيين. ودخلت
الاستوديو، وكان ضيوف الحلقة الآخرون، هم الممثلة الكويتية المخضرمة سعاد العبد الله،
والممثل المصري أشرف عبد الباقي، والممثلة والمطربة السورية أمل عرفة.
وتداخلنا كضيوف في أكثر من موضوع طرحه مقدم
البرنامج، ثم جاء الدور على موضوع الاستعلاء العنصري، ولعن الجميع خاش الأمريكان،
وانتهزت سانحة وأخرجت من جيبي كيسا صغيرا به بعض الفول السوداني، وزّعت منه بضع
حبات على الزملاء الضيوف، ثم طرحت السؤال: ماذا تسمون هذه الحُبيبات في سوريا
ولبنان؟ فران صمت ثقيل على الضيوف ودريد وجمهور المشاهدين داخل الاستوديو. وكررت
السؤال بصيغة أخرى: تسمونه فستق ماذا؟ فقطعت السورية أمل عرفة الصمت وقالت: نسميه
فستق عبيد. فالتقطت الخيط وقلت ما معناه إن هذا "الفول" صار مقرونا
"عندكم" بالعبيد، لأن مصدره أفريقيا (وليس السودان وحده)، والتي كانت
بالفعل وطن الملايين الذين تعرضوا للاسترقاق والاستعباد. ولكن العتب على من يسمونه
فستق عبيد، أنهم لا يتحسسون من استخدام تلك التسمية الجارحة، للإشارة الى الأفارقة
مصدر ذلك الفول.
العنصرية وباء فكري وسياسي وثقافي واجتماعي مدمر، ووهم يكرسه من يعتقد، ولو للحظة، أن الطين الذي خُلق منه أفضل من الطين الذي خُلق منه آخرون. ومن ثم يرفضها العقل السليم لأنها تبني جدراناً من الكراهية والظلم بناءً على اختلافات وهمية في اللون، أو العرق، أو الأصل. مما يؤدي الى هدم المجتمعات، بتغذية الأحقاد، فمقابل الاستعلاء يكون إحساس المضطهد بالدونية والظلم، مما يشيع مناخات التوتر والانقسام والتي تؤدي بدورها الى اضطرابات يعاني من عواقبها الجميع.
لم تكن غايتي إحراج دريد لحام، او أمل عرفة أو
السوريين واللبنانيين، ومن ثم تحدثت عن أن استرقاق البشر كان معمولا به في كل
الحضارات والثقافات عبر التاريخ، وأن الغرب هو الذي جعل منه "بيزنس"، أي
نشاطا تجاريا واقتصاديا، وأنه إذا كان الاسترقاق معروفا في التاريخ القديم والوسيط
للدول العربية، إلا ان العرب لم يشنوا الغارات على الأفارقة والشعوب الأخرى بغرض
استرقاق مواطنيهم، كما فعل الأمريكان والإنجليز والاسبان والبرتغاليون والهولنديون
والفرنسيون والدنماركيون.
العنصرية، هي التمييز السلبي، واعتبار
"الآخر" أقل شأنا، مع ما يتصل بذلك من تعصب على أساس العنصر أو اللون أو
النسب أو الأصل القومي أو العرقي، وقد
يعاني ضحايا العنصرية من أشكال متعددة أو متفاقمة من التمييز، استناداً إلى أسس
أخرى ذات صلة مثل الجنس أو اللغة او الدين او الانتماء السياسي أو المولد، وهناك
العنصرية المؤسسية كالتي كانت سائدة في الولايات المتحدة لقرون، ومن الثابت
تاريخيا ان اقتصاد الأمريكان الزراعي والصناعي قام على اكتاف 15 مليون تم اختطافهم
من أفريقيا، حيث شكلت تجارة الرقيق نظاما اقتصاديا قائما على تحويل البشر إلى
ملكية قابلة للبيع والوراثة، وكان فيه الأطفال يولدون في العبودية، وتُحدد قيمتهم
الاقتصادية مثل المواشي وحيوانات الحقل.
أما البيض في جنوب أفريقيا فقد جعلوا من
العنصرية نظاما للحكم، وبموجبها تم حرمان أهل البلاد السود من حقوق أساسية كبشر،
وبحسب إعلان الأمم المتحدة، فإنه لا فرق بين التمييز العنصري والتمييز الإثني أو
العرقي. ومن عجب أنه عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يصف تجارة
الرقيق بأنه أبشع جريمة ضد الانسان، امتنعت عن التصويت دول الاتحاد الأوربي،
واعترضت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل (وكاد المريب ان يقول: خذوني).
وما من دليل تاريخي جازم وحاسم بأن الرق
الذي صار أساس التمييز العنصري في أقبح
تجلياته، كان معروفا في كل ركن من أركان
الدنيا عبر التاريخ المدون، وأن ضحاياه من غير الأفارقة كانوا بالملايين، من أن
المماليك، ومفرد الكلمة مملوك أي عبد، والذين حكموا مصر وبلاد الشام والحجاز زهاء
ثلاثة قرون، لم يكونوا أفارقة بل كانوا خليطا من الترك والشركس والألبان والمجر
والمغول والأوزبك والآذريين والشيشان والأغريق والسلافيين (الصقالبة). كانوا في
الأصل جنودا مرتزقة، آلت إليهم مقاليد الأمور بعد سقوط الدولة الأيوبية سنة 1250م،
ودالت دولتهم عام 1517م.
وهناك من يردد بين الحين والحين، أن مؤسسة
الرق واستعباد الأفارقة (الزنج) كانت ضخمة في التاريخ العربي، بدليل ما صار يعرف
بثورة الزنج ضد الحكم العباسي: 255-270 ه الموافق 869-883م، بينما حقيقة الأمر هي
أن الأفارقة كانوا مجرد فصيل في تلك الثورة، فقد شارك في تلك الثورة عرب مثل
المهالبة والهمدانيين، بل إن قائدها علي بن محمد كان من أصل فارسي، وكان يزعم أنه
من البيت العلوي.
لاستعلاء العرقي متجذر في كثير من نواحي العالم المعاصر، وسدنة الاتجار بالبشر الذي تفشى في العقود الأخيرة، هم حاملو جينات تجار الرقيق القدماء، فما زالت عقلية ان مواطني البلدان الفقيرة سلعة لها سوق في الدول الغنية، ويوفرون عمالة زهيدة التكلفة سائدة في دول الغرب. وما زال الأفارقة والآسيويون وأهل أمريكا اللاتينية يساقون الى مصانع العالم الرأسمالي كعمالة رخيصة الأجور و"القيمة".
العنصرية وباء فكري وسياسي وثقافي واجتماعي
مدمر، ووهم يكرسه من يعتقد، ولو للحظة، أن الطين الذي خُلق منه أفضل من الطين الذي
خُلق منه آخرون. ومن ثم يرفضها العقل السليم لأنها تبني جدراناً من الكراهية
والظلم بناءً على اختلافات وهمية في اللون، أو العرق، أو الأصل. مما يؤدي الى هدم
المجتمعات، بتغذية الأحقاد، فمقابل الاستعلاء يكون إحساس المضطهد بالدونية والظلم،
مما يشيع مناخات التوتر والانقسام والتي تؤدي بدورها الى اضطرابات يعاني من
عواقبها الجميع.
والمؤسف هو أن الاستعلاء العرقي متجذر في
كثير من نواحي
العالم المعاصر، وسدنة الاتجار بالبشر الذي تفشى في العقود الأخيرة،
هم حاملو جينات تجار الرقيق القدماء، فما زالت عقلية ان مواطني البلدان الفقيرة
سلعة لها سوق في الدول الغنية، ويوفرون عمالة زهيدة التكلفة سائدة في دول الغرب.
وما زال الأفارقة والآسيويون وأهل أمريكا اللاتينية يساقون الى مصانع العالم
الرأسمالي كعمالة رخيصة الأجور و"القيمة".
لخّص شاعرنا الكبير إيليا أبو ماضي، والذي
هاجر الى أمريكا عام 1912، حال ذوي الأصول الأفريقية فيها، أبلغ تلخيص:
فَوقَ الجُمَّيزَةِ سِنجابُ/ وَالأَرنَبُ
تَمرَحُ في الحَقلِ/ وَأَنا صَيّادٌ وَثّابُ/ لَكِنَّ الصَيدَ على مِثلي/ مَحظورٌ
إِذ أَنّي عَبدُ/ وَالديكُ الأَبيَضُ في القِنِّ/ وَفَتاتي في تِلكَ الدارِ/
سَوداءُ الطَلعَةِ كَالقارِ/ سَيَجيءُ وَيَأخُذُها جاري/ يا وَيحي مِن هَذا العار/
أَفَلا يَكفي أَنّي عَبدُ؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.