من أكثر المواجع إيلاماً أن يتحول ديوان
العقل الفقهي من ميدان الفهم والتعليل والتبصر إلى مخزنٍ للسكاكين والقصور
والتبرير، وأن تُنبش النصوص من سياقاتها، لا لكي تُقرأ قراءة العالم، الذي ينتقل
من الاستنساخ الدقيق إلى الفهم العميق، بل لكي تُشحذ شحذ الغاضب، ثم تُدفع في وجه
الخصوم كأنها فتوى الثأر والفوضى.
إن من مآسي المسلمين المعاصرة استحضار بعض
التراث، والذي وهو وعاء تجربة الأمة في النظر والاجتهاد، ومن ثم تحويله إلى أداة
تعبئة نفسية للانتقام، وأن تنتقل الفتوى، وهي في أصلها جواب مخصوص عن واقعة
مخصوصة، من حل إلى جزء من المشكلة، بل إلى ثأرٍ عابر للقرون، يستدعي الماضي ليحرق
الحاضر.
تُستدعى اليوم فتوى ابن تيمية (661 ـ 728هـ/1263
ـ 1328م) رحمه الله تعالى في النصيرية، ليست كنص فقهي يحتاج إلى تحقيق وسياق
وموازنة ومراجعة مناط، بل رخصة جاهزة للتحريض والتعميم واستباحة الناس بأسمائهم
المذهبية.
إن من مآسي المسلمين المعاصرة استحضار بعض التراث، والذي وهو وعاء تجربة الأمة في النظر والاجتهاد، ومن ثم تحويله إلى أداة تعبئة نفسية للانتقام، وأن تنتقل الفتوى، وهي في أصلها جواب مخصوص عن واقعة مخصوصة، من حل إلى جزء من المشكلة، بل إلى ثأرٍ عابر للقرون، يستدعي الماضي ليحرق الحاضر.
تبدأ الجناية الكبرى: وتتمثل في: جناية
بتر النص، تغيير وجه الفقه من محراب الاجتهاد إلى سوق الغضب وما يطلبه الجمهور، تشويه الشريعة
التي جاءت لحفظ الدماء، فإذا ببعض الناس يجعلونها حجة على هدرها.
نعم، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى كلامًا
شديدًا في النصيرية، ورتّب عليه أحكامًا بالغة القسوة، وفي عباراته ما لا يملك
الباحث الأمين أن يجمّله أو يهرب منه.
من ينكر وجود هذا النص يسلّم الساحة للغلاة
من أول لحظة، ويمنحهم فرصة القول: إن خصومنا يخفون التراث ويدلسون على الناس.
من الأمانة العلمية أن نقول بوضوح: النص
موجود، وعباراته عنيفة، ولا يجوز تمييعها. لكن الأمانة نفسها تقتضي أن نقول: وجود
النص شيء، وتحويله إلى منشور دموي يلاحق المدنيين والنساء والأطفال والعوام بعد
سبعة قرون شيء آخر.
فالفقه لا يُنقل كما تُنقل الحجارة من مكان
إلى مكان، بل يُفهم بعلله ومناطاته وشروطه وبيئته وآثاره.
مفتاح الفتوى.. سياق الحرب لا خطاب العامة
حين نقرأ سؤال ابن تيمية رحمه الله تعالى
وجوابه، نجد أننا أمام سياق يتصل بالثغور والجند والحصون وقرار ولي الأمر، لا أمام
موعظة عابرة لعامة المسلمين في مسجد.
السؤال يدور حول استخدام جماعة معينة في
الثغور، وحول أمن الدولة، وحول أهلية قوم للانخراط في مواقع عسكرية، وحول ما يملكه
السلطان من إجراءات في زمن الاضطراب. بل إن السؤال نفسه يقول: "وهل يجوز
استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم؟ أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام
غيرهم من رجال المسلمين الكفاة؟".
ثم يسأل: "وإذا جاهدهم ولي الأمر... هل
ذلك أفضل وأكثر أجرًا؟"[1] وهذا وحده يكشف أن الفتوى تنتمي إلى باب السياسة
الشرعية وفقه الحرب والسلطان، لا إلى باب الإذن الفردي المفتوح لكل غاضب أو صاحب
ثأر.
لقد كان ابن تيمية رحمه الله تعالى يكتب في
عصر المماليك، في ظل تهديدات التتار والفرنج، وفي زمن كان الولاء الديني والسياسي
والعسكري متشابكًا على نحو لا يعرفه مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
ولم تكن الفتوى بحثًا في التعدد الثقافي أو
إدارة المواطنة، بل جوابًا عن جماعة صُوّرت، في ذهن السائل والمجيب، بوصفها خطرًا
عقديًا وسياسيًا وعسكريًا على الثغور والمجتمع.
ومن ثم فإن نقل هذه الفتوى من سياقها
التاريخي والعسكري إلى مواطن علوي معاصر، طبيبًا كان أو عاملًا أو طالبًا أو امرأة
أو طفلًا أو معارضًا للاستبداد أو جاهلًا بتراث الباطنية أصلًا، اعتداء على النص
والعقل والإنسان معًا.
وقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في موضع
الفتوى نفسه: "وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم
فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم"[2].
ثم قال في موضع آخر: "والواجب على ولاة
الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة"[3]. فهذه العبارات، على شدتها، تدل من
داخلها على أنها تتحدث عن الثغور والجند وولاة الأمور، لا عن جمهور الناس، ولا عن
انتقام فردي، ولا عن استباحة مدنية عمياء.
ينبغي أن نستحضر قاعدة الفقهاء التي جرت
مجرى الميزان: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
ومعنى هذه القاعدة مقرر في كتب الأصول
والقواعد الفقهية، وإن اختلفت عباراتهم في صياغتها؛ لأن الحكم الشرعي عند الفقهاء
لا ينفصل عن علته ومناطه، فإذا تغيرت العلة أو تبدل المناط تغير تنزيل الحكم [4].
فإذا تغيرت البنية السياسية، وتغير وصف
الجماعة، وتغيرت سلطة القضاء، وتغيرت علاقة الناس بالدولة والمواطنة، وتغيرت حال
الأفراد بين محارب ومدني، وجاهل وعالم، وآمر ومأمور، فكيف يستقيم أن تبقى النتيجة
نفسها؟ الجمود ليس
وفاءً للفقه، بل قتلٌ لروحه.
هل علوي اليوم هو نصيري الأمس؟
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بلا مواربة: هل
علوي اليوم هو بالضرورة عين النصيري الذي تكلم عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى؟ هل
يحمل كل فرد من العلويين المعاصرين تلك العقائد التي نسبتها كتب الملل والنحل
والفتاوى القديمة إلى النصيرية؟ هل كل علوي
محارب؟ هل كل علوي صاحب سلطة؟ هل كل علوي مسؤول عن جرائم أجهزة الأسد؟ هل قامت على كل فرد
حجة قضائية؟ هل نملك دولة عادلة وقضاءً مستقلًا وشروط إثبات
وموانع تنزيل؟
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بلا مواربة: هل علوي اليوم هو بالضرورة عين النصيري الذي تكلم عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى؟ هل يحمل كل فرد من العلويين المعاصرين تلك العقائد التي نسبتها كتب الملل والنحل والفتاوى القديمة إلى النصيرية؟ هل كل علوي محارب؟ هل كل علوي صاحب سلطة؟ هل كل علوي مسؤول عن جرائم أجهزة الأسد؟ هل قامت على كل فرد حجة قضائية؟ هل نملك دولة عادلة وقضاءً مستقلًا وشروط إثبات وموانع تنزيل؟
هذه الأسئلة هي الخط الفاصل بين الفقه
والبغي، وبين العدل والانتقام، وبين الدولة والغابة. لقد فرّق العلماء بين
الحكم على المقالة والحكم على القائل، وبين توصيف الفرقة في الكتب والحكم على
أعيان الناس في الواقع. فقد تكون
المقالة كفرية في ذاتها، ثم لا يُكفَّر المعيّن حتى تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه
الشبهة، والإكراه، والجهل، والتأويل. وهذا المعنى قرره المحققون في أبواب التكفير
والردة، وحذّروا من تنزيل الأحكام العامة على الأعيان بلا تحقق الشروط وانتفاء
الموانع [5].
ومن أضاع هذا الفرق فتح الباب لكل جاهل أن
يصير قاضيًا، ولكل غاضب أن يصير جلادًا، ولكل منشور أن يصير حكم إعدام.
والقرآن الكريم أقام هذا الأصل على قاعدة
أخلاقية وقضائية قطعية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164،
الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7]. فلا يحمل إنسان جريمة غيره،
ولا تُحاسب جماعة كاملة بجريرة مجرم فيها، ولا تصير الولادة في طائفة صحيفة اتهام.
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. الآية لا تقودنا في ساعة الصفاء فقط، بل تضبطنا في
ساعة الخصومة. العدل مع من نحب سهل، أما العدل مع من نكره فهو امتحان الدين حين
يلامس موضع الجرح.
ومن أبلغ الشواهد في تقرير معنى العدالة أن
النبي صلى الله عليه وسلم حين شُفع في المرأة المخزومية التي سرقت، قال: "إنما
أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف
أقاموا عليه الحد"، وفي تمام الحديث: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد
سرقت لقطعت يدها"[6]. ومعنى الحديث هنا أن العدالة لا تعرف شريفًا وضعيفًا،
ولا أكثرية وأقلية، ولا قريبًا وبعيدًا، بل تعرف الفعل والدليل والمسؤولية. فإذا
كان الشرع يرفض أن يُعفى الشريف لشرفه، فهو يرفض كذلك أن يُدان البريء لطائفته.
من يخدم هذا التحريض؟
إن بعث فتوى ابن تيمية رحمه الله تعالى في
الواقع السوري المعاصر على طريقة المنشورات المتوترة لا يخدم الشريعة، ولا ينصر
الثورة، ولا يقيم العدالة، بل يصب في ثلاثة مجارٍ شديدة الخطورة.
أولها ـ خدمة منطق الحرب الأهلية، إذ يُدفع
الناس إلى الاعتقاد بأن الصراع ليس صراعًا بين ضحية وجلاد، أو بين شعب واستبداد،
أو بين عدالة وجريمة، بل صراع بقاء طائفي، لا ينجو فيه أحد إلا بسحق الآخر. وهذه
أخطر خيانة للمعنى الوطني السوري.
وثانيها ـ خدمة بقايا الاستبداد، لأن
الطغيان طالما عاش على تخويف الأقليات من الأكثرية، وتخويف الأكثرية من الفوضى، ثم
تقديم نفسه بوصفه الحارس الوحيد من الفناء. فإذا جاء من يستدعي فتاوى القتل
الجماعي، فقد منح الاستبداد شهادة زور جديدة، وقال للخائفين: كان الطاغية يكذب
عليكم في كل شيء إلا في خوفكم منا.
وثالثها ـ خدمة المجرمين أنفسهم، لأن الجاني
الفردي يفرح حين تتحول محاكمته إلى معركة طائفية. القاتل يريد أن يختبئ خلف
طائفته، والجلاد يريد أن يقول لقومه: إنهم لا يريدونني أنا، بل يريدونكم أنتم.
لذلك فإن العدالة الدقيقة، التي تسمي القاتل
باسمه، وتفتح ملفه، وتثبت جريمته، وتلاحقه بقانون واضح، هي أعدى أعداء المجرمين.
أما التعميم الطائفي فيمنحهم ملجأً أخلاقيًا وسياسيًا لا يستحقونه.
مقاومة هذا التوظيف الطائفي ليست دفاعًا عن
القتلة، ولا تبرئة لأجهزة الإجرام، ولا مساومة على دماء الضحايا. بل هي إنقاذ
لمفهوم العدالة من أن يُختطف باسم الألم. من قتل يُحاسب، ومن عذّب يُحاسب، ومن
اغتصب يُحاسب، ومن نهب يُحاسب، ومن أمر وموّل وغطّى وزوّر يُحاسب. أما أن يُجلد
المجتمع بأكمله لأن بعض أبنائه صاروا أدوات قتل، فهذا منطق الجاهلية، ولو ارتدى
لباس الغيرة الدينية.
الشريعة بين حفظ الدين وحفظ النفس
من أعجب المفارقات أن يرفع بعض الناس شعار
الغيرة على الدين ثم يهدرون أحد أعظم مقاصده: حفظ النفس. فقد قرر أبو إسحاق
الشاطبي (ت 790هـ/1388م) رحمه الله تعالى في الموافقات أن مجموع الضروريات التي
جاءت الشريعة بحفظها خمسة: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل[7].
فلا يمكن لفقه صحيح أن يجعل حفظ الدين ذريعة
إلى تفجير المجتمع وإهدار الأنفس بغير حق. إن الدين الذي يقول: {مِنْ أَجْلِ
ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}
[المائدة: 32]، لا يجوز أن يُحوَّل إلى رخصة لاستباحة الناس بالجملة.
بل إن القرآن نفسه يضبط علاقة المسلمين بمن
يخالفونهم، فيقول: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
فإذا كان القرآن يأمر بالقسط مع من يخالف في الدين ما دام غير محارب، فكيف يستقيم
أن يُستباح مدني معاصر لا بجريمة فعلها، بل باسم انتماء ورثه؟
وهنا يظهر الفرق بين فقه الأمة وفقه
الغوغاء. فقه الأمة يطلب البينة، ويقيم القسط، ويميز بين المقاتل والمدني، وبين
الجاني والبريء، وبين الفكر والفرد، وبين التاريخ والحاضر. أما فقه الغوغاء فيجمع
الناس في كيس واحد، ثم يضربهم بحكم واحد. وهذا ليس من الشريعة في شيء، بل هو ردّة
أخلاقية إلى ما قبل معنى الدولة وما قبل معنى القضاء.
الخروج من الوثنية الفكرية
ابن تيمية رحمه الله تعالى عالم كبير، له
قدره وأثره واجتهاده، وله أيضًا ما يُناقش ويُنتقد ويردّ إلى قواعد الشرع ومقاصده.
ولم يقل أحد من أهل العلم إن كلام عالم، مهما بلغ، يعبر الزمان والمكان بلا فحص
ولا مراجعة. العلماء منارات، لا أرباب فكر. يُستضاء بهم ولا يُستغنى بهم عن الوحي
والعقل والعدل. ومن يتعامل مع فتوى عالم كما لو كانت نصًا معصومًا فقد وقع في لون
من الوثنية الفكرية، وإن ظن أنه يحارب الانحراف.
وقد كان العلماء أنفسهم أكثر تواضعًا من
كثير من أتباعهم. واشتهر عن الإمام مالك بن أنس (93–179هـ/711–795م) رحمه الله
تعالى قوله، أو معنى قوله: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر»، مشيرًا
إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم (وُلد عام الفيل، وتوفي 11هـ/632م)[8]. وهذه
الكلمة، وإن وردت بألفاظ متقاربة في كتب أهل العلم، صارت قاعدة في أدب النظر: لا
عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا في مسائل العبادات
والمعاملات، فكيف بفتاوى الدماء والحرب والطوائف، وهي من أخطر أبواب الفقه وأشدها
حاجة إلى الورع والتحقيق؟
إن تحويل ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى
قنبلة طائفية إساءة إليه قبل أن تكون إساءة إلى خصومه. فالعالم يُقرأ في منظومته
وسياقه وبيئته، ويُفهم بمنهجه لا بعبارة مبتورة من فتوى ملتهبة. أما الذين لا
يعرفون من ابن تيمية رحمه الله تعالى إلا نصوص القتال، ولا من الشريعة إلا أبواب
العقوبة، ولا من التراث إلا ما يصلح وقودًا للغضب، فهم لا يحيون التراث، بل
يذبحونه.
سوريا بين عدالة انتقالية وثأر أهلي
سوريا اليوم لا تحتاج إلى فتاوى توقظ الوحش
في الإنسان، بل إلى قضاء يوقظ الضمير في الدولة. تحتاج إلى عدالة انتقالية تكشف
الحقيقة، وتوثق الجرائم، وتسمّي المسؤولين، وتفرّق بين القاتل ومن وُلد في بيئته،
وبين الجلاد ومن خاف منه، وبين الآمر والمأمور، وبين من شارك ومن صمت عجزًا أو
خوفًا. إن ضحايا المعتقلات والمجازر لا تُنصفهم بيانات التحريض، بل ملفات قانونية،
وشهادات موثقة، ومحاكمات عادلة، وذاكرة وطنية لا تساوم على الدم ولا تتاجر به.
حين يطالب أحد بمحاسبة قتلة السوريين، وفتح
ملفات السجون، وكشف مصير المختفين، وملاحقة المجرمين في الداخل والخارج، والقصاص
القانوني من كل من ثبتت عليه جريمة، فنحن معه بلا تردد.
سوريا اليوم لا تحتاج إلى فتاوى توقظ الوحش في الإنسان، بل إلى قضاء يوقظ الضمير في الدولة. تحتاج إلى عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، وتوثق الجرائم، وتسمّي المسؤولين، وتفرّق بين القاتل ومن وُلد في بيئته، وبين الجلاد ومن خاف منه، وبين الآمر والمأمور، وبين من شارك ومن صمت عجزًا أو خوفًا. إن ضحايا المعتقلات والمجازر لا تُنصفهم بيانات التحريض، بل ملفات قانونية، وشهادات موثقة، ومحاكمات عادلة، وذاكرة وطنية لا تساوم على الدم ولا تتاجر به.
أما حين يقول: خذوا الطائفة كلها بجريرة
المجرمين، واستدعوا فتاوى التاريخ لتبرير انتقام الحاضر، فهنا ينبغي أن نقول له:
هذا ليس دينًا، بل ثأر؛ وليس وفاءً للضحايا، بل خيانة لهم؛ وليس شجاعة، بل سقوط في
الفخ الذي نصبه الاستبداد منذ عقود.
إن دماء أطفال سوريا، وسجون سوريا، وخرائب
سوريا، وصرخات أمهات المختفين، كل ذلك أكبر من أن يُختصر في شهوة انتقام طائفية.
القاتل لا يُحاسب لأنه علوي أو سني أو درزي أو مسيحي أو كردي أو عربي، بل لأنه
قتل. والضحية لا تُنصف لأنها من طائفتنا، بل لأنها إنسان ظُلم. هذه هي الدولة التي
نريدها، وهذا هو الدين الذي نفهمه، وهذا هو العدل الذي إن ضاع ضاعت معه الثورة
والوطن والذاكرة.
الفتوى حين تُقرأ بعين الفقيه تتحول إلى
مادة فهم، وحين تُقرأ بعين الثأر تتحول إلى سكين. والتراث حين يُستدعى للوعي يصير
ذاكرة هادية، وحين يُستدعى للانتقام يصير مقبرة مفتوحة. لذلك لا بد من موقف واضح:
نثبت النص ولا نقدسه، ندرسه ولا نلغيه، نضعه في سياقه ولا نسلمه للغوغاء، نحترم
العلماء ولا نحولهم إلى معصومين، نحاسب المجرمين ولا نحاكم
الطوائف.
العدالة الحقيقية لا تفتش في شهادة الميلاد
المذهبية، بل في أثر اليد: ماذا فعلت؟ من قتلت؟ من عذبت؟ على من شهدت؟ بأي أمر
شاركت؟ من موّلت؟ من حميت؟ من ظلمت؟ بهذا السؤال وحده تولد الدولة. وبهذا الميزان
وحده تنجو سوريا من نابين معًا: ناب الاستبداد الذي قتلها باسم الأمن، وناب الثأر
الذي يريد أن يقتلها باسم العدالة.
الإحالات والمصادر
[1] ابن تيمية،
أحمد بن عبد الحليم (661–728هـ/1263–1328م) رحمه الله تعالى، مجموع الفتاوى، ج 35،
باب حكم المرتد، «مسألة النصيرية القائلين باستحلال الخمر وتناسخ الأرواح وقدم
العالم»، نص السؤال، ص 145-149.
[2] ابن تيمية
رحمه الله تعالى، مجموع الفتاوى، ج 35، ص 156.
[3] ابن تيمية
رحمه الله تعالى، مجموع الفتاوى، ج 35، ص 156-157.
[4] القاعدة
بمعناها مقررة في كتب الأصول والقواعد. ينظر: الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر
(745–794هـ/1344–1392م) رحمه الله تعالى، البحر المحيط في أصول الفقه، مباحث العلة
ومسالكها؛ وينظر أيضًا: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر
(849–911هـ/1445–1505م) رحمه الله تعالى، الأشباه والنظائر، كتاب القواعد، في
القواعد الكلية وما يتفرع عنها.
[5] ينظر في
التفريق بين الإطلاق والتعيين وشروط التكفير وموانعه: ابن تيمية
(661–728هـ/1263–1328م) رحمه الله تعالى، مجموع الفتاوى، ج 12، في أبواب الأسماء
والأحكام والتكفير، وخصوصًا المواضع التي قرر فيها أن المقالة قد تكون كفرًا ولا
يكفر القائل حتى تقوم عليه الحجة.
[6] أخرجه
البخاري، محمد بن إسماعيل (194–256هـ/810–870م) رحمه الله تعالى في صحيحه، كتاب
أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم 3475، وأخرجه مسلم بن الحجاج
(206–261هـ/821–875م) رحمه الله تعالى في صحيحه، كتاب الحدود، باب قطع السارق
الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، رقم 1688.
[7] الشاطبي، أبو
إسحاق إبراهيم بن موسى (ت 790هـ/1388م) رحمه الله تعالى، الموافقات، كتاب المقاصد،
القسم الأول، المسألة الأولى: «تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق»،
وفيه: "ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال،
والعقل".
[8] هذا المعنى
مشهور عن الإمام مالك بن أنس (93–179هـ/711–795م) رحمه الله تعالى. وينظر في
تقريره ومعناه: ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله (368–463هـ/978–1071م)
رحمه الله تعالى، جامع بيان العلم وفضله، باب فساد التقليد ونفيه، وما يُذكر من أن
كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم (وُلد عام الفيل، وتوفي
11هـ/632م). وقد وردت العبارة بألفاظ متقاربة في كتب أهل العلم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.