يشهد شهر أيار/ مايو من كل عام مناسبة
دولية تخُصَّص للتوعية بالصحة
النفسية، في إطار اهتمام متنامٍ توليه المؤسسات
الصحية والبحثية حول العالم لقضايا
الصحة النفسية وأثرها المباشر في جودة الحياة.
وتمثل هذه المناسبة فرصة لإعادة التأكيد على أهمية إدماج المعافاة النفسية ضمن
أولويات الصحة العامة، بوصفها عنصرا أساسيا في استقرار الأفراد والمجتمعات، ولا
سيما في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم العربي
والعالم بأسره. ومن خلال حملات التثقيف والبرامج الوقائية والعلاجية، تسعى الجهات
الصحية والإعلامية إلى تعزيز الوعي
المجتمعي وتوفير بيئات أكثر دعما للأفراد، بما
يسهم في الحد من الضغوط النفسية والاضطرابات المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، يبرز شهر التوعية بالصحة
النفسية ليذكّر بأن الألم النفسي ليس حالة فردية معزولة، بل قضية إنسانية تتجاوز
الحدود والثقافات. ورغم الجهود المبذولة لرفع مستوى الوعي، لا تزال بعض الوقائع
المؤلمة تكشف حجم الفجوة بين المعرفة والممارسة، ومن بينها الحادثة التي هزّت
مدينة الإسكندرية حين أنهت سيدة تدُعى بسنت سليمان حياتها في بث مباشر، تاركة
خلفها طفلتين ورسالة موجعة للمجتمع؛ فقد أعادت هذه المأساة التأكيد على أن
المعاناة النفسية قد تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال، وأن غياب الدعم والصمت
المحيط بالمتألمين قد يكون أكثر فتكا من المرض نفسه. ومن هنا تأتي أهمية هذا الشهر
بوصفه دعوة ملحّة لتعزيز ثقافة الإصغاء، وتوسيع نطاق الرعاية، وترسيخ قناعة بأن
العافية النفسية مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن أي جانب آخر من جوانب الصحة
العامة.
مثل هذه الحوادث ليست استثناءات، بل مؤشرات على واقع يحتاج إلى مواجهة صريحة. فالصحة النفسية لم تعد موضوعا هامشيا، بل أصبحت جزءا أساسيا من معادلة البقاء في عالم يزداد ضغطا وتعقيدا
والحقيقية إن مثل هذه الحوادث ليست
استثناءات، بل مؤشرات على واقع يحتاج إلى مواجهة صريحة. فالصحة النفسية لم تعد
موضوعا هامشيا، بل أصبحت جزءا أساسيا من معادلة البقاء في عالم يزداد ضغطا وتعقيدا،
والمجتمعات التي تتجاهل هذه الحقيقة تترك أبناءها مكشوفين أمام الخوف والوصمة
والابتزاز، وأمام لحظات الوحدة التي قد تكون أثقل من أن تحُتمل. ومن هنا تأتي
أهمية هذا الشهر العالمي، ليس بوصفه مناسبة رمزية، بل كدعوة إلى مراجعة شاملة
لطريقة تعاملنا مع النفس البشرية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التوقف
عند اضطراب القلق بوصفه نموذجا دالا على الاضطرابات النفسية الشائعة، لا لأنه
الأكثر انتشارا فحسب، بل لأنه الأكثر قدرة على التسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية
دون أن يلحظه أحد. فالقلق، وإن كان شعورا طبيعيا يمرّ به الإنسان في مواقف محددة،
يتحول لدى كثيرين إلى اضطراب كامل يفرض حضوره على التفكير والسلوك والجسد، فيتحول
من توتر عابر قبل امتحان أو مقابلة عمل إلى خوف مستمر وغير منطقي، يعطّل القدرة
على اتخاذ القرار، ويشوّش التركيز، ويقاطع النوم، ويثقل أبسط أنشطة الحياة
اليومية.
وتكشف التقديرات العالمية حجم هذه
الظاهرة، إذ تشير إلى أن نحو 4.4 في المئة من سكان العالم يعانون من أحد أنواع اضطرابات القلق، وأن 359 مليون شخص كانوا مصابين بها عام 2021. وهذه الأرقام، على ضخامتها، ليست مجرد
بيانات إحصائية، بل هي انعكاس لمعاناة يومية وصمت طويل يعيشه ملايين الأفراد، وما
يزيد الأمر تعقيدا أن شخصا واحدا فقط من بين كل أربعة يحصل على
العلاج، نتيجة
عوامل متشابكة تبدأ من نقص الوعي، ولا تنتهي عند ارتفاع التكلفة وقلة المتخصصين
والخوف من الوصمة الاجتماعية التي تدفع الكثيرين إلى إخفاء معاناتهم بدل طلب
المساعدة.
وتتضاعف هذه التحديات في المجتمعات
العربية، حيث لا يزال الحديث عن الصحة النفسية محاطا بالتحفظ، ولا يزال طلب العلاج
ينُظر إليه باعتباره علامة ضعف، لا خطوة شجاعة نحو التعافي، وهنا يبرز اضطراب
القلق مثالا حيا على الفجوة بين حجم المشكلة وحجم الاستجابة لها. وتزداد الصورة
تعقيدا حين نتناول الفتيات والنساء، اللواتي تظُهر الإحصاءات أنهن أكثر عرضة
للإصابة باضطرابات القلق مقارنة بالرجال؛ فالتوقعات الاجتماعية، والخوف من اللوم،
والضغوط المرتبطة بالصورة الذهنية، كلها عوامل تجعل الفتاة أكثر هشاشة في مواجهة
القلق، وأكثر عرضة للانهيار في لحظة لا تجد فيها سندا أو مساحة آمنة للبوح.
ولا يمكن النظر إلى اضطرابات القلق بمعزل
عن الاضطرابات الأخرى التي تتقاطع معها، وعلى رأسها الاكتئاب؛ فكثيرا ما يأتي
القلق مترافقا مع مزاج منخفض، أو فقدان للشغف، أو شعور بالعجز، ما يرفع احتمالات
اللجوء إلى سلوكيات خطرة مثل الإدمان، ويلجأ البعض إلى الكحول أو المخدرات بحثا عن
مخرج مؤقت، غير أن هذه المواد لا تخفف الألم، بل تضاعفه، وترفع خطر الانتحار.
وتزيد الأعراض سوءا عند الانسحاب، وهكذا يتحول القلق غير المعالج إلى سلسلة من
الانهيارات المتتابعة، قد تنتهي بفقدان الحياة نفسها، ما يجعل التعامل معه مسؤولية
لا يمكن تأجيلها أو التقليل من شأنها.
وفي ظل الارتفاع المتسارع في معدلات
الانتحار عالميا، يصبح الحديث عن الصحة النفسية ضرورة لا تحتمل التأجيل؛ فكل حالة
انتحار لا تمثل نهاية فرد فحسب، بل خسارة مجتمع بأكمله، ونتيجة مباشرة لغياب الوعي
والدعم. وكل قصة إدمان ليست انحرافا أخلاقيا كما يصُوَّر أحيانا، بل محاولة يائسة
للهروب من ألم لم يجد صاحبه من يصغي إليه أو يسانده. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة
إلى أن تتحول الصحة النفسية إلى أولوية وطنية تدُرج في السياسات العامة، وتدُمج في
المدارس والجامعات، وتنُاقش في الإعلام بجدية ومسؤولية
غير أن هذا الطرح الإعلامي لا يمكن أن يظل
أسير "إعلام الفضفضة" الذي يكتفي بإثارة القصص المؤلمة أو استضافة تجارب
فردية دون تحليل أو توجيه، بل يحتاج إلى إعلام مهني قادر على تقديم المعرفة
العلمية، وتفكيك المفاهيم الخاطئة، وفتح نقاشات رصينة حول الوقاية والعلاج.
فالإعلام الجاد لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يساهم في بناء وعي جمعي، ويقدّم مسارات
عملية تساعد الأفراد على فهم ما يمرون به، وتشجعهم على طلب المساعدة دون خوف من
الوصمة.
إن تحويل الصحة النفسية إلى قضية وطنية
يتطلب تكاملا بين السياسات العامة، والمؤسسات الصحية، والبيئة التعليمية، والطرح الإعلامي
المسؤول. فحين يتعامل المجتمع مع الألم النفسي باعتباره شأنا إنسانيا لا يخُتزل في
ضعف أو عيب، يصبح الطريق نحو الوقاية أكثر وضوحا، ويصبح لكل فرد فرصة حقيقية ليجد
سندا قبل أن يصل إلى حافة الانهيار.
إن نشر الوعي ليس مجرد معلومات تقُال، بل
ثقافة تبُنى، ثقافة تعلمّ الناس أن طلب المساعدة ليس عيبا، وأن العلاج ليس رفاهية،
وأن الألم النفسي لا يقل خطورة عن الألم الجسدي، ثقافة تجعل الفرد قادرا على فهم
مشاعره، والتعامل مع ضغوطه، والبحث عن الدعم في الوقت المناسب، وثقافة تضمن ألا
يجد أي شخص نفسه وحيدا في لحظة كان يجب ألا يكون فيها وحده؛ فالمجتمع الذي يفهم
معنى الألم النفسي، هو مجتمع قادر على حماية أفراده قبل أن يصلوا إلى حافة
الانهيار.
حماية الإنسان من العتمة تبدأ من الاعتراف بأن المسؤولية جماعية، وأن الوقاية لا يمكن أن تتُرك لفرد يواجه أزمته وحده. فحين يقرر المجتمع أن يفتح نوافذ الضوء، وأن يمد يد العون قبل أن يتعمق الشرخ، يصبح الطريق نحو التعافي أكثر وضوحا
وفي هذا الشهر المخصّص للتوعية بالصحة
النفسية، تبدو الحاجة ملحّة إلى أن تتحول الرسائل المصاحبة له من شعارات موسمية
إلى التزام ممتد يتجاوز حدود المناسبة؛ فالمجتمع الذي يطمح إلى حماية أفراده من
السقوط في دوائر الانتحار أو الإدمان لا يكفيه التعاطف اللحظي، بل يحتاج إلى وعي
متجدد وإلى منظومة دعم تعترف بأن الألم النفسي تجربة إنسانية معقدة، وأن طلب
المساعدة فعل قوة لا ينتقص من صاحبه. ومن هنا، يصبح تفكيك الوصمة الاجتماعية خطوة
أولى لا غنى عنها، إذ لا يزال كثيرون يختبئون خلف صمت ثقيل خشية الحكم أو السخرية،
بينما يمكن لثقافة الإصغاء داخل الأسرة والمدرسة ومواقع العمل أن تفتح أمامهم
نافذة أمل، وتمنحهم شعورا بأن معاناتهم مرئية ومفهومة.
ومع ذلك، فإن الوعي وحده لا يكفي ما لم
يتُرجم إلى سياسات واضحة تضمن وصولا عادلا إلى خدمات الصحة النفسية؛ فهناك شريحة
واسعة من الأفراد لا تزال عاجزة عن الحصول على العلاج بسبب تكلفته أو محدودية
الخيارات المتاحة، الأمر الذي يستدعي من المؤسسات الصحية والتعليمية والمجتمعية أن
تتبنى برامج علاجية ووقائية متعددة المسارات، وأن تدُرج الصحة النفسية ضمن أولويات
الرعاية الأساسية، لا بوصفها خدمة ثانوية أو ترفا يمكن الاستغناء عنه؛ فالمجتمع
الذي يضع الإنسان في صدارة اهتماماته هو المجتمع القادر على بناء بيئة تحمي أفراده
من الانهيار قبل وقوعه، وتمنحهم أدوات الصمود قبل أن تتسع الفجوة.
إن حماية الإنسان من العتمة تبدأ من
الاعتراف بأن المسؤولية جماعية، وأن الوقاية لا يمكن أن تتُرك لفرد يواجه أزمته
وحده. فحين يقرر المجتمع أن يفتح نوافذ الضوء، وأن يمد يد العون قبل أن يتعمق
الشرخ، يصبح الطريق نحو التعافي أكثر وضوحا. فالحياة، مهما ضاقت، تستحق أن تعُاش،
ويستحق كل فرد فيها فرصة عادلة ليجد طريقه نحو الأمان، مدعوما بمجتمع يؤمن بأن
الصحة النفسية ليست خيارا، بل حقا أصيلا من حقوق الإنسان ولكل إنسان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.