يحلّ اليوم العالمي لحرية
الصحافة هذا
العام في لحظة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الإشادة الدولية بشجاعة الصحفيين مع
تراجع غير مسبوق في مؤشرات
حرية الإعلام عالميا؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه
اليونسكو منح نقابة الصحفيين
السودانيين جائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية
لحرية الصحافة، تتكشف صورة قاتمة عن واقع المهنة، تظُهر اتساع رقعة التضييق على
الصحفيين حتى في دول طالما عُرفت بديمقراطيتها، وهذا التراجع الحاد يعكس حجم
التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي، ويطرح أسئلة ملحّة حول مستقبل الصحافة في
عالم تتزايد فيه التهديدات وتتراجع فيه الضمانات.
تكريم الصحفيين السودانيين يحمل دلالات
عميقة، فهو يأتي في ظل ظروف استثنائية فقد فيها 32 صحفيا حياتهم منذ اندلاع النزاع عام 2023،
وتعرض المئات منهم لانتهاكات موثقة، فيما توقفت مؤسسات إعلامية بأكملها عن العمل،
ورغم ذلك واصل الصحفيون أداء رسالتهم في واحدة من أخطر البيئات المهنية، ما يجعل
الجائزة اعترافا بشجاعة تتجاوز حدود المهنة إلى مستوى الدفاع عن الحق في المعرفة؛
فالإصرار على نقل الحقيقة وسط الدمار والانفلات الأمني ليس مجرد ممارسة مهنية، بل فعل
مقاومة في وجه محاولات إسكات الأصوات المستقلة.
بات أكثر من نصف دول العالم ضمن المناطق التي يصُنّف وضع حرية الصحافة فيها بأنه "صعب" أو "خطير للغاية"
وتزداد رمزية هذا التكريم حين نعود إلى
خلفية الجائزة نفسها، التي تحمل اسم الصحفي الكولومبي غييرمو كانو إيسازا، الذي
اغتيل بسبب مواقفه المناهضة للجريمة المنظمة ودفاعه عن حرية التعبير، ومنذ تأسيسها
عام 1997، تمُنح الجائزة سنويا لشخصيات ومؤسسات أظهرت
التزاما استثنائيا بحماية حرية الإعلام في بيئات محفوفة بالمخاطر، وهو ما يمنح
تكريم
الصحفيون السودانيون هذا العام بعدا إضافيا
يعكس حجم التحديات التي يواجهونها، ويربط نضالهم بنضالات عالمية ممتدة ضد القمع
وتكميم الأفواه، ويؤكد أن معركة حرية الصحافة ليست محلية، بل جزء من صراع عالمي
على الحقيقة.
لكن المشهد السوداني، على قسوته، ليس سوى
جزء من صورة عالمية أكثر اتساعا، فوفقا لتقرير مراسلون بلا حدود لهذا العام، بات
أكثر من نصف دول العالم ضمن المناطق التي يصُنّف وضع حرية الصحافة فيها بأنه
"صعب" أو "خطير للغاية". هذا التراجع لم يأتِ فجأة، بل هو
نتيجة تراكمات بدأت منذ مطلع الألفية، حين توسعت الحكومات تحت ذريعة الأمن القومي
في سن تشريعات تقيد الوصول إلى المعلومات وتحد من حرية العمل الصحفي المستقل، وقد
كان المؤشر القانوني هذا العام الأكثر تدهورا، في إشارة واضحة إلى اتجاه متزايد
نحو تجريم العمل الصحفي بدل من حمايته، وهو اتجاه يهدد جوهر المهنة ويقوّض دورها
الرقابي.
ومع توسع الفضاء الرقمي، اتخذت القيود
أشكالا جديدة، فقد أصبحت قوانين الجرائم الإلكترونية أداة لملاحقة الصحفيين، وتحولت
منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لخطاب الكراهية والتحريض، بينما تستغل الحكومات
الفوضى الرقمية لتبرير مزيد من الرقابة. وفي المقابل، أسهم انتشار الأخبار الزائفة
في تآكل الثقة بوسائل الإعلام، ما جعل الجمهور أكثر عرضة للتضليل، وأضعف قدرة
الصحافة المهنية على أداء دورها في التحقق والاستقساء والتدقيق. وهكذا، يجد الصحفي
نفسه محاصرا بين ضغوط السلطة من جهة، وفوضى المعلومات من جهة أخرى، في معركة غير
متكافئة على المصداقية.
يجد الصحفي نفسه محاصرا بين ضغوط السلطة من جهة، وفوضى المعلومات من جهة أخرى، في معركة غير متكافئة على المصداقية
وتتعمق الأزمة مع توسع سيطرة الحكومات على
وسائل الإعلام، سواء عبر الملكية المباشرة أو من خلال الضغط الاقتصادي والسياسي،
ما أدى إلى تحويل بعض المؤسسات إلى أدوات دعائية، وفي الوقت نفسه، يتراجع الإعلام
العمومي في كثير من الدول، رغم أنه يفُترض أن يكون صوت الناس لا صوت السلطة. وهنا
يبرز سؤال جوهري: من يملك الحق في رواية الحقيقة؟ هل هي السلطة التي تسعى إلى
التحكم في السرديات؟ أم الجمهور الذي يبحث عن المعلومة؟ أم الصحافة التي تحاول أن
تبقى وسيطا مستقلا رغم كل الضغوط؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد شكل المجال
العام، وتحدد مستقبل النقاش الديمقراطي ذاته.
إن تراجع حرية الإعلام لا يمثل أزمة مهنية
تخص الصحفيين والإعلاميين وحدهم، بل هو أزمة مجتمعية تمس الحق في المعرفة
والمساءلة، وتفتح الباب أمام انتشار الدعاية، وتقُوّض المشاركة الديمقراطية، وما
تكريم الصحفيين السودانيين إلا تذكير بأن الحقيقة لا تزال تجد من يراها ويدافع
عنها، حتى في أحلك الظروف، غير أن هذا الدفاع يحتاج إلى موقف دولي أكثر صرامة،
وإلى وعي مجتمعي يدرك أن حرية الصحافة والإعلام ليست امتيازا لفئة معينة، بل هي
ضمانة أساسية لسلامة المجتمعات واستقرارها، ولقدرة الناس على فهم العالم واتخاذ
قرارات واعية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.