هل تكفي الديمقراطية؟ دروس الفرات في إعادة بناء الدولة والمجتمع السوري

براءة زيدان
سانا
سانا
شارك الخبر
أعادت الفيضانات التي شهدتها مناطق من شرق سوريا خلال الأيام الماضية طرح أسئلة تتجاوز حدود الكارثة الطبيعية نفسها. فالمشهد لم يكن مجرد مياه اجتاحت قرى وطرقات وأراضي زراعية، بل كشف مرة أخرى حجم التحديات التي تواجه دولة ومجتمعا خرجا من سنوات طويلة من الحرب والانهيار والتفكك المؤسسي.

فالفيضانات لا تصنع الكوارث وحدها، بل تكشف في كثير من الأحيان هشاشة البنى التحتية وضعف المؤسسات وقدرتها على إدارة الأزمات. ومن هنا يبرز سؤال يبدو للوهلة الأولى بعيدا عن مياه الفرات، لكنه يرتبط بها بصورة مباشرة: إذا كانت البنية التحتية غير جاهزة لاستقبال مياه النهر، فهل أصبحت البنية الاجتماعية والمؤسساتية جاهزة لاستقبال الديمقراطية والمجتمع المدني؟

خلال السنوات الأخيرة عاد الحديث بقوة عن المجتمع المدني بوصفه أحد شروط التحول الديمقراطي وإعادة بناء المجال العام في سوريا، غير أن هذا النقاش غالبا ما ينطلق من افتراض ضمني مفاده أن سقوط الأنظمة السلطوية كافٍ لولادة مجتمع مدني فاعل وقادر على أداء دوره. لكن التجارب التاريخية، كما تكشف التجربة السورية نفسها، تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

فالمجتمع المدني لا ينشأ بقرار سياسي، ولا يولد تلقائيا بمجرد تغيير السلطة، إنه نتاج مسار طويل من بناء الثقة الاجتماعية، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز ثقافة المشاركة، ووجود مؤسسات قادرة على حماية الحقوق وإدارة الاختلافات ضمن إطار وطني جامع.

وتزداد المسألة تعقيدا في الحالة السورية لأن النظام البائد لم يكتفِ بتقييد المجتمع المدني المستقل، بل عمل أيضا على إعادة تشكيل جزء من المجتمع الأهلي وإدماجه ضمن شبكات الولاء السياسي والإداري. وهكذا لم تتعرض المؤسسات المدنية وحدها للتآكل، بل تأثرت أيضا بعض الروابط الاجتماعية التقليدية التي كان يفترض أن تؤدي دورا طبيعيا في تعزيز التضامن والثقة داخل المجتمع.

ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، فالأول يقوم على الروابط التقليدية من عائلة وعشيرة ومنطقة وجماعات محلية، بينما يقوم الثاني على المواطنة والتنظيم الطوعي والاستقلال النسبي عن السلطة. والمشكلة لا تكمن في وجود المجتمع الأهلي بحد ذاته، بل في تحويله إلى أداة سياسية أو إلحاقه بمنظومة الولاء بحيث يفقد استقلاله ووظيفته الاجتماعية الأصلية.

ولا يتعلق الأمر بالمؤسسات وحدها، بل بالمجتمع السوري نفسه الذي تعرض خلال سنوات طويلة من الاستبداد والحرب والتهجير والانقسام إلى تحولات عميقة مسّت بنيته الاجتماعية ومستويات الثقة بين مكوناته المختلفة. ولهذا فإن إعادة البناء لا تعني فقط ترميم ما تهدم من بنى تحتية ومؤسسات، بل تشمل أيضا إعادة ترميم العلاقات الاجتماعية واستعادة الثقة بين الأفراد والجماعات وبين المجتمع والدولة. فالدولة لا تُبنى بمعزل عن مجتمعها، كما أن المجتمع لا يستطيع التعافي في ظل مؤسسات عاجزة أو فاقدة للثقة.

هنا تكتسب أفكار الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي أهمية خاصة، فقد رأى أن السلطة لا تستند إلى أدوات القهر وحدها، بل إلى ما سماه "الهيمنة الثقافية"، أي قدرتها على تشكيل التصورات العامة والقيم السائدة داخل المجتمع. ومن هذا المنظور لا يكفي تغيير السلطة السياسية إذا بقيت البنى الفكرية والاجتماعية التي سمحت بإنتاجها على حالها، فإعادة بناء الدولة تبدأ أيضا بإعادة بناء الوعي العام والثقافة السياسية التي تحكم العلاقة بين المواطن والمؤسسات.

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه ميشيل فوكو حول آليات السلطة التي لا تعمل فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل أيضا عبر أنماط التفكير والعلاقات اليومية والخطابات السائدة. غير أن أهمية فوكو في السياق السوري لا تكمن في الدعوة إلى معاداة الدولة أو التشهير بها، كما يُفهم أحيانا، بل في التذكير بأهمية النقد بوصفه أداة للإصلاح. فالمثقف النقدي لا يعمل على إضعاف الدولة، وإنما ينبه إلى مواطن الخلل والاختلال التي قد تعيق عملية البناء أو تدفعها إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي. فالدولة التي لا تسمع النقد تفقد واحدة من أهم وسائل تصحيح مسارها.

ومن زاوية أخرى، يلفت إدوارد سعيد الانتباه إلى العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة. فالصراع لا يدور فقط حول إدارة المؤسسات أو توزيع النفوذ، بل أيضا حول الرواية التي توجه المجتمع وتحدد أولوياته. من يعرّف المصلحة العامة؟ ومن يحدد معنى المواطنة؟ ومن يرسم صورة المستقبل؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية استثنائية في المجتمعات الخارجة من الحروب، لأنها ترتبط مباشرة بقدرتها على بناء سردية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات التي خلفتها سنوات الصراع.

ولهذا تبدو الحاجة اليوم إلى ما سماه غرامشي "المثقف العضوي" أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالمثقف لا يقتصر دوره على تفسير الواقع أو مراقبته من الخارج، بل يساهم في بناء الوعي العام وربط المعرفة بحاجات المجتمع الفعلية. وفي المراحل الانتقالية يصبح هذا الدور أكثر أهمية، لأن معارك إعادة البناء لا تُحسم في المؤسسات وحدها، بل في الأفكار والقيم والتصورات التي توجه المجتمع نحو المستقبل.

من هنا تبدو المفارقة السورية واضحة، فالمشكلة ليست في الاختيار بين الدولة والمجتمع المدني، ولا بين الاستقرار والديمقراطية، بل في كيفية بناء علاقة متوازنة بين هذه العناصر جميعا. فالدولة القادرة والعادلة ليست نقيضا للمجتمع المدني، كما أن المجتمع المدني ليس بديلا عن الدولة. كلاهما يحتاج إلى الآخر، وكلاهما يفقد معناه حين يتحول إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء.

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من فيضان الفرات لا يتعلق بالمياه وحدها، بل بضرورة التفكير في شروط البناء نفسها. فكما كشفت الكارثة هشاشة بعض البنى التحتية، فإنها تطرح أيضا أسئلة أعمق حول جاهزية البنى الاجتماعية والمؤسساتية لحمل مشروع ديمقراطي مستدام.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: متى تصل الديمقراطية إلى سوريا؟ بل: كيف يمكن بناء الشروط الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية التي تجعلها قابلة للحياة والاستمرار؟ فالديمقراطية ليست نقطة البداية، بل ثمرة مسار طويل من إعادة بناء الدولة السورية والمجتمع السوري والإنسان السوري في آن واحد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)