واشنطن واختبار دمشق.. إعادة هندسة التوازن مع إيران من بوابة لبنان

مصطفى الخليل
"النقاش هنا لا يتعلق فقط بمستقبل حزب الله، بل ربما يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إعادة تشكيل التوازنات في المشرق"- سانا
"النقاش هنا لا يتعلق فقط بمستقبل حزب الله، بل ربما يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إعادة تشكيل التوازنات في المشرق"- سانا
شارك الخبر
أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول احتمال اضطلاع سوريا بدور في مواجهة حزب الله، طرح أسئلة تتجاوز حدود الأزمة اللبنانية نفسها؛ إذ لا يتعلق الأمر بمستقبل الحزب أو بميزان القوى داخل لبنان فحسب، بل بطبيعة الأدوات التي تسعى واشنطن إلى توظيفها في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في الإقليم. يا ترى: هل تعكس هذه التصريحات تحولا فعليا في الاستراتيجية الأمريكية، أم أنها تمثل العودة إلى منطق قديم يقوم على إدارة التوازنات الإقليمية عبر توزيع الأدوار بين القوى المحلية والدول المجاورة؟

حتى الآن، لا يبدو أن الحديث يدور حول خطة تنفيذية واضحة المعالم بقدر ما يعكس محاولة لجس نبض بيئة إقليمية آخذة في التغير. فالولايات المتحدة تدرك أن المواجهة الطويلة مع حزب الله لم تنجح، رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل، في تحقيق حسم نهائي؛ بل إن سنوات الصراع أفرزت معادلة ردع متبادل فرضت قيودا على مختلف الأطراف، وأظهرت حدود القوة العسكرية التقليدية عندما تصطدم بتعقيدات السياسة والمجتمع والجغرافيا.

معضلة حزب الله
المعضلة اللبنانية لا تبدأ عند الحزب ولا تنتهي عنده، فإذا كانت الضغوط المتزايدة لم تنجح في إنهاء دوره، فإن الدولة اللبنانية نفسها لا تزال عاجزة عن حسم قضية السلاح خارج إطارها المؤسسي. ولم يعد هذا العجز نتاج خلل عابر أو نتيجة ظرف استثنائي؛ بل تحول مع مرور الوقت إلى جزء من بنية النظام السياسي اللبناني

في هذا السياق، يواجه حزب الله اليوم ظروفا تختلف عن تلك التي أحاطت به خلال مراحل سابقة. فالأزمة الاقتصادية اللبنانية ألقت بثقلها على مختلف مكونات المجتمع، بما فيها البيئة الحاضنة للحزب؛ كما أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة قلصت من هامش الحركة المتاح أمامه. ومع ذلك، لا يزال الحزب يمتلك عناصر قوة وقدرات ردع تجعل من فكرة إقصائه عسكريا خيارا مرتفع الكلفة وغير مضمون النتائج.

غير أن المعضلة اللبنانية لا تبدأ عند الحزب ولا تنتهي عنده، فإذا كانت الضغوط المتزايدة لم تنجح في إنهاء دوره، فإن الدولة اللبنانية نفسها لا تزال عاجزة عن حسم قضية السلاح خارج إطارها المؤسسي. ولم يعد هذا العجز نتاج خلل عابر أو نتيجة ظرف استثنائي؛ بل تحول مع مرور الوقت إلى جزء من بنية النظام السياسي اللبناني. ذلك أن ملف سلاح حزب الله يرتبط بتوازنات داخلية دقيقة وبشبكة واسعة من الارتباطات الإقليمية، الأمر الذي يجعل أي معالجة محلية خالصة أقرب إلى الأمنيات منها إلى السياسات القابلة للتنفيذ.

دمشق في الحسابات الأمريكية الجديدة

ومن هذه النقطة تحديدا تبدأ سوريا بالظهور في المشهد، فكلما اتسعت أبعاد القضية اللبنانية لتلامس التوازنات الإقليمية، ازدادت أهمية دمشق في الحسابات الدولية والإقليمية على السواء. ومع ذلك، تبدو سوريا اليوم أقرب إلى ساحة اختبار سياسي منها إلى طرف يستعد لخوض مواجهة مباشرة. فالدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف تنشغل قبل أي شيء آخر بإعادة بناء مؤسساتها وإنعاش اقتصادها وترسيخ الاستقرار الداخلي؛ ولذلك يصعب تصور وجود مصلحة سورية في فتح جبهة جديدة أو الانخراط في صراع مفتوح مهما كانت الضغوط أو الإغراءات.

لكن قراءة التصريحات الأمريكية من زاوية أوسع توحي بأن واشنطن قد تنظر إلى دمشق باعتبارها أكثر من ورقة ضغط في الملف اللبناني. فالنقاش هنا لا يتعلق فقط بمستقبل حزب الله، بل ربما يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إعادة تشكيل التوازنات في المشرق خلال السنوات المقبلة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الحديث عن دور سوري محتمل بوصفه اختبارا لإمكان بناء معادلة إقليمية جديدة تحد من احتكار إيران لبعض مسارات النفوذ في المنطقة.

فالولايات المتحدة تدرك أن عودة سوريا التدريجية إلى محيطها العربي، وتوسيع هامش حركتها الدولية، قد يسهمان في خلق مركز ثقل إقليمي يمتلك مساحة أوسع من الاستقلالية السياسية. صحيح أن الحديث عن ندية سورية- إيرانية يبدو مبالغا فيه في الظروف الراهنة؛ غير أن انتقال دمشق من موقع الساحة التي تتقاطع فوقها المصالح إلى موقع اللاعب الذي يدير مصالحه الخاصة كفيل بإعادة توزيع بعض موازين النفوذ داخل الإقليم. وعند هذه النقطة، لا يعود النقاش محصورا في إضعاف حزب الله أو الضغط عليه، بل يتصل بإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية التي يتحرك ضمنها.

مخاطر هندسة التوازنات

وإذا أخذنا هذا الاحتمال على محمل الجد، فإننا نكتشف أن الفكرة ليست جديدة تماما في تاريخ السياسة الأمريكية. فقد سبق لواشنطن أن راهنت خلال ثمانينيات القرن الماضي على العراق بوصفه ثقلا إقليميا قادرا على موازنة إيران خلال الحرب الطويلة بين البلدين. يومها بدا أن توظيف قوة إقليمية لمعادلة قوة أخرى قد يوفر قدرا من الاستقرار يخدم المصالح الأمريكية؛ غير أن السنوات اللاحقة كشفت هشاشة هذا الرهان.

فما بدأ باعتباره جزءا من استراتيجية احتواء انتهى إلى سلسلة من التحولات الكبرى: غزو الكويت، ثم حرب الخليج، ثم تفكيك الدولة العراقية نفسها، وصولا إلى حالة من الاضطراب الاستراتيجي ما تزال آثارها حاضرة في المنطقة حتى اليوم. ومن هنا لا تكمن أهمية المقارنة في تشابه الحالتين السورية والعراقية، فلكل منهما ظروفه الخاصة؛ بل في إظهار حدود الرهان على هندسة التوازنات الإقليمية عبر إسناد أدوار وظيفية لقوى محلية أو دول مجاورة.

لا تبدو تصريحات ترامب مؤشرا على انتقال المواجهة مع حزب الله من إسرائيل إلى سوريا؛ بقدر ما تعكس سعيا أمريكيا لاختبار أدوات جديدة في إدارة التوازنات الإقليمية. وقد يكون لبنان هنا واجهة المدخل الظاهر لنقاش أوسع يتعلق بموقع سوريا المقبل ودورها المحتمل في معادلات النفوذ بين واشنطن وطهران

فمثل هذه السياسات قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنها كثيرا ما تنتج نتائج تتجاوز الحسابات الأصلية لصانعيها. وما يبدو اليوم أداة لتحقيق التوازن قد يتحول غدا إلى مصدر اختلال جديد، خصوصا في منطقة تتسم بدرجة عالية من السيولة والتقلب.

وعليه، فإن جوهر المسألة اللبنانية لا يكمن في هوية الطرف الإقليمي الذي يمارس الضغط أو يؤدي دور الوسيط أو الشريك الأمني. فالأزمة الأعمق تتعلق بغياب تسوية سياسية مستقرة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة، وتؤسس لتوافق وطني حول مفهوم السيادة وحدود السلطة ومصادر الشرعية. وما لم تتوافر مثل هذه التسوية، فإن تبدل الأدوار الإقليمية سيبقى قادرا على تغيير شكل الأزمة أكثر من قدرته على معالجة أسبابها.

لذلك لا تبدو تصريحات ترامب مؤشرا على انتقال المواجهة مع حزب الله من إسرائيل إلى سوريا؛ بقدر ما تعكس سعيا أمريكيا لاختبار أدوات جديدة في إدارة التوازنات الإقليمية. وقد يكون لبنان هنا واجهة المدخل الظاهر لنقاش أوسع يتعلق بموقع سوريا المقبل ودورها المحتمل في معادلات النفوذ بين واشنطن وطهران.

غير أن وضع العالم العربي خلال العقود الماضية يدعو إلى قدر من الحذر. فإدارة الأزمات عبر إعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية لا تنتج بالضرورة استقرارا دائما؛ بل قد تفتح الباب أمام دورات جديدة من عدم اليقين. وقد تتغير الأدوات، وتتبدل الأسماء، وتتحول خرائط النفوذ؛ لكن السؤال الذي رافق المنطقة لعقود ما يزال قائما: هل يمكن بناء استقرار مستدام عبر توازنات مؤقتة، أم أن الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الدول وحدها حق احتكار القرار والقوة داخل حدودها؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)