لأكثر من نصف قرن،
تبلورت هيكلية القوة العالمية حول ركيزة أساسية بسيطة: النفط. فمن كان يسيطر على الإنتاج
والأسعار وممرات شحن النفط الخام -لا سيما عبر المضائق الاستراتيجية ومناطق الاختناق
مثل مضيق هرمز- كان يمسك بزمام تأثير حاسم على الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية.
بيد أنه خلف ستار
التنافس التكنولوجي والجيوسياسي المتسارع اليوم، يتبلور تحول أكثر هدوءا وعمقا؛ إذ
تولد بنية تحتية جديدة للقوة، أقل وضوحا للعيان من ناقلات النفط وأنابيب الإمداد، لكنها
قد تكون أشد تأثيرا وأبعد أثرا: إنها
الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية
الرقمية. ويمكن وصف هذا النظام الناشئ بأنه تحول نحو ما يمكن تسميته بـ"سلام السيليكا"
(Pax
Silica) وهو نظام عالمي تحل فيه السيطرة على القدرات الحوسبية محل السيطرة
على الهيدروكربونات كمصدر رئيس للقوة الاستراتيجية. ولا يتجلى هذا التحول بوضوح في
أي مكان آخر كما يتجلى في المثلث الآخذ في التطور بين دول
الخليج، والولايات المتحدة،
والصين.
من جغرافيا النفط
إلى جغرافيا الرقمنة
لقد تحدد الدور التاريخي
للخليج في النظام العالمي عبر الجغرافيا والجيولوجيا: احتياطيات نفطية هائلة رابضة
تحت رمال الصحراء، وممرات مائية استراتيجية تربط الشرق بالغرب. وعلى مدار عقود، جعل
هذا المعطى من المنطقة عنصرا لا غنى عنه للاقتصادات الغربية، وساحة مركزية لتنافس القوى
العظمى.
ثمة جغرافيا جديدة بدأت ترتسم معالمها، لا تقاس ببراميل النفط الملموسة، بل بمراكز البيانات، وسلاسل إمداد أشباه الموصلات، والبنية التحتية السحابية، والأنظمة البيئية للذكاء الاصطناعي. وفي هذا المشهد الناشئ، تظل الطاقة محورية، ولكن بوصفها وقودا للحوسبة والقدرات الرقمية بشكل متزايد
أما اليوم، فثمة جغرافيا
جديدة بدأت ترتسم معالمها، لا تقاس ببراميل النفط الملموسة، بل بمراكز البيانات، وسلاسل
إمداد أشباه الموصلات، والبنية التحتية السحابية، والأنظمة البيئية للذكاء الاصطناعي.
وفي هذا المشهد الناشئ، تظل
الطاقة محورية، ولكن بوصفها وقودا للحوسبة والقدرات الرقمية
بشكل متزايد، لا لوسائل النقل والمواصلات فحسب.
وتدرك دول الخليج
هذا التحول المتسارع؛ إذ تضخ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر
استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، وبرامج الذكاء الاصطناعي السيادي، والشراكات
التكنولوجية. ولا تقتصر طموحات هذه الدول على البقاء كمصدّرين للطاقة، بل تتعدى ذلك
إلى التحول نحو مراكز حيوية لنمط جديد من الاقتصاد العالمي، اقتصاد تقوده الخوارزميات
وتدفقات البيانات.
الولايات المتحدة:
حارس نظام الذكاء الاصطناعي
يمثل هذا الانتقال
بالنسبة للولايات المتحدة فرصة سانحة وقلقا استراتيجيا في آن واحد. فما زالت واشنطن
تهيمن على المستويات العليا والأنظمة الأكثر تقدما في منظومة الذكاء الاصطناعي، مثل
تصميم الرقائق المتقدمة، والشركات الرائدة في هذا المجال، والمنصات الرقمية العالمية.
ومع ذلك، فإن هذه الهيمنة تظل رهينة سلاسل إمداد هشة، لا سيما مع تمركز صناعة أشباه
الموصلات في شرق آسيا.
ونتيجة لذلك، تحاول
الولايات المتحدة الحفاظ على ما يمكن تسميته بـ"النطاق الرقمي المحمي" لنفوذها.
ومن خلال ضوابط التصدير المفروضة على الرقائق المتقدمة، والشراكات الاستراتيجية، والاتفاقيات
الأمنية، تسعى واشنطن لضمان بقاء الحلفاء الرئيسيين -خاصة في الخليج- مندمجين داخل
بنية تكنولوجية تقودها المنظومة الغربية.
وفي هذا السياق، لم
يعد الخليج مجرد شريك في قطاع الطاقة، بل أضحى ركيزة محتملة للبنية التحتية المستقبلية
للذكاء الاصطناعي المتوافقة مع المعايير الأمريكية، والأنظمة السحابية، وأطر حوكمة
البيانات. بيد أن هذا الاصطفاف لم يعد بمنأى عن المنافسة والتحدي.
الصين: بناء نظام
موازٍ للطاقة والتكنولوجيا
تتبنى الصين مقاربة
مغايرة تماما تجاه منطقة الخليج؛ فبدلا من الاعتماد على التحالفات العسكرية أو الضمانات
الأمنية الرسمية، تعمل بكين على نسج شبكة كثيفة من الاعتماد المتبادل، اقتصاديا وتكنولوجيا.
وتعد الصين حاليا
المستهلك الأكبر لصادرات الطاقة الخليجية، مما يدعم نموها الصناعي واستقرارها الداخلي.
وفي الوقت ذاته، توسع بكين حضورها في مجالات البنية التحتية، والاتصالات، وتطبيقات
الذكاء الاصطناعي، ومشاريع الترابط الرقمي في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
والأهم من ذلك، أن
الاستراتيجية الصينية لا تشترط تحالفا حصريا؛ بل تسعى بدلا من ذلك إلى التغلغل بعمق
في الأنظمة الإقليمية لدرجة يصبح معها الخليج جزءا من شبكة أوراسية أوسع للاقتصاد والتكنولوجيا،
شبكة تعمل بالتوازي مع الهياكل الخاضعة للسيطرة الغربية، وفي بعض الأحيان خارج نطاقها
تماما.
هذا التوجه يمهد لولادة
عالم ثنائي النظام: نظام يرتكز على الريادة التكنولوجية الأمريكية، وآخر يُبنى عبر
الزخم الصناعي الصيني وشبكات الترابط الممتدة.
الاستراتيجية الخليجية:
تعظيم الخيارات في عالم متشرذم
بالنسبة لدول الخليج،
لا يمثل هذا التنافس مجرد خيار ثنائي بسيط، بل ينطوي على فرصة ثمينة ومخاطرة جسيمة
في آن واحد.
فمن جهة، لا تزال
هذه الدول تعتمد على الضمانات الأمنية الأمريكية والأنظمة المالية الغربية، ومن جهة
أخرى، تبرز الصين كأكبر مشترٍ للطاقة، فضلا عن أن استراتيجيات التنويع الاقتصادي طويل
المدى لدول الخليج باتت تتطلب وبشكل متزايد التكامل مع المنظومات الصناعية والتكنولوجية
الآسيوية.
وقد أفرز هذا الواقع
استراتيجية متميزة يمكن تسميتها بـ"عدم الانحياز الهيكلي"؛ حيث لا تتخلى
دول الخليج عن قوة عظمى لصالح أخرى، بل تسعى إلى تعظيم مرونتها الاستراتيجية عبر التعاون
مع واشنطن في مجالي الأمن والتمويل، بالتزامن مع تعميق العلاقات مع بكين في مجالات
التجارة، والبنية التحتية، والتكنولوجيات الناشئة.
وفي عصر "سلام
السيليكا"، يزداد هذا الاصطفاف المزدوج تعقيدا؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرا على عقود
النفط أو القواعد العسكرية، بل بات يرتكز على من يقوم ببناء والسيطرة على العمود الفقري
الرقمي للاقتصادات الخليجية: بدءا من الأنظمة السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي، وصولا
إلى أطر سيادة البيانات والاعتماد على أشباه الموصلات.
المنافسة الحقيقية:
السيطرة على القدرات الحوسبية
يكمن التحول الأكثر
عمقا في إعادة تعريف مفهوم القوة بحد ذاته. ففي عصر النفط، كانت القوة تقاس بالبراميل
والاحتياطيات، والمضائق البحرية الاستراتيجية. أما في عصر الذكاء الاصطناعي الناشئ،
فقد باتت تُقاس باطراد بالقدرة الحوسبية، والكفاءة الخوارزمية، والسيطرة على الأنظمة
البيئية للبيانات.
وهذا التحول يغير
جوهر مفهوم التبعية؛ فبينما كانت التبعية الطاقية تعني في السابق الاعتماد على واردات
النفط، أصبحت التبعية الرقمية اليوم تعني الارتهان لأنظمة الذكاء الاصطناعي الخارجية،
والبنية التحتية السحابية، وسلاسل إمداد أشباه الموصلات.
ويقع الخليج مباشرة
في قلب هذا التقاطع الاستراتيجي، فهو يمثل في آن واحد:
●موردا
رئيسا للطاقة للحضارة الصناعية الحديثة.
●مصدرا
ضخما لرؤوس الأموال عبر صناديق الثروة السيادية.
●مستثمرا
ناشئا قويا في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
●شريكا
استراتيجيا لكلا القوتين العظميين المتنافستين.
نظام عالمي متشرذم
لا يعد مصطلح "سلام السيليكا" مجرد شعار براق، بل هو إنذار مبكر؛ إذ إن ركائز القوة العالمية تنتقل متسارعة من السلع الملموسة والواضحة إلى هندسة الحوسبة الخفية والمستترة
إن النتيجة الحتمية
لهذا التحول ليست انتقالا سلسا ومنظما من نظام إلى آخر، بل هي حالة من التشظي والتشرذم.
وبدلا من وجود نظام أحادي موحد، يتحرك العالم نحو تكتلات تكنولوجية متداخلة تشمل:
●منظومة
بيئية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات تقودها الولايات المتحدة.
●شبكة
بديلة صناعية ورقمية تمثل الصين مركز ثقلها.
●منطقة
خليجية تحاول المناورة والعمل المشترك عبر كلا النظامين.
وهذا التشرذم لا يلغي
الاعتماد المتبادل، لكنه يجعله شحنة مسيسة وأكثر هشاشة من الناحية الاستراتيجية.
سياسات البنية التحتية
غير المرئية
إن الصراع الحاسم
الذي سيشكل العقود المقبلة قد لا يدور حول حقول النفط أو الهيمنة العسكرية التقليدية،
بل سيتمحور حول البنية التحتية غير المرئية: الخوارزميات، ومراكز البيانات، والرقائق،
والأنظمة السحابية.
وبهذا المعنى، لا
يعد مصطلح "سلام السيليكا" مجرد شعار براق، بل هو إنذار مبكر؛ إذ إن ركائز
القوة العالمية تنتقل متسارعة من السلع الملموسة والواضحة إلى هندسة الحوسبة الخفية
والمستترة.
وفي هذا المخاض الانتقالي،
لا تبدو دول الخليج والصين والولايات المتحدة مجرد أطراف متنافسة في سباق تكنولوجي
محموم، بل هم المهندسون الفعليون لرسم ملامح نظام عالمي جديد لا تزال قواعده قيد الصياغة
والكتابة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.