بكين في المركز: كيف تصبح الصين قوة الجاذبية الجديدة للدبلوماسية العالمية

ألطاف موتي
"رسالة الصين بسيطة: الاستقرار يخلق التنمية، والتنمية تخلق النفوذ"- الأناضول
"رسالة الصين بسيطة: الاستقرار يخلق التنمية، والتنمية تخلق النفوذ"- الأناضول
شارك الخبر
على مدى عقود، كانت الدبلوماسية العالمية تدور في فلك واشنطن. إذ كانت الأزمات الكبرى، ومفاوضات السلام، وأنظمة العقوبات، والتحالفات الاستراتيجية، تُصاغ في الغالب من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. واليوم، يتغير ذلك المشهد الجيوسياسي بسرعة؛ حيث تبرز قوة جذب دبلوماسية جديدة، يقع مركزها بشكل متزايد في بكين.

لم تعد الصين تعمل بمجرد كونها "مصنع العالم" أو أكبر دولة تجارية؛ بل إنها تضع نفسها كقوة دبلوماسية قادرة على التحدث في آن واحد مع الخصوم، والأنداد، والكتل المتنافسة. ومن الخليج إلى أفريقيا، ومن أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، تتجه الحكومات بشكل متزايد نحو بكين، ليس فقط من أجل الاستثمار، بل أيضا من أجل الوساطة، وتحقيق التوازن الاستراتيجي، والمشاركة السياسية.

لم يحدث هذا التحول بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة استراتيجية طويلة الأمد وضعها الرئيس الصيني شي جين بينغ لإعادة تشكيل دور الصين العالمي، وتقديم بكين كمركز بديل للنفوذ الدولي.

وتوضح الأحداث الأخيرة هذا التحول بوضوح؛ ففي غضون أيام، استضافت بكين مشاركات رفيعة المستوى مع كل من الولايات المتحدة وروسيا، مما وضع الصين في قلب أهم مثلث جيوسياسي في العالم.

أصبح الشرق الأوسط أحد أوضح الأمثلة على صعود الصين الدبلوماسي، فوساطة بكين بين المملكة العربية السعودية وإيران في عام 2023 لم تكن مجرد اختراق إقليمي، بل كانت رسالة عالمية مفادها أن الصين قادرة على تحقيق ما فشلت واشنطن في إنجازه لسنوات

لقد كانت الرمزية قوية؛ فبينما تظل واشنطن منخرطة بعمق في الأزمات العسكرية من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، تقدم الصين نفسها بشكل متزايد كفاعل يتحدث لغة الاستقرار، والحوار، والربط الاقتصادي.

لقد أصبح الشرق الأوسط أحد أوضح الأمثلة على صعود الصين الدبلوماسي، فوساطة بكين بين المملكة العربية السعودية وإيران في عام 2023 لم تكن مجرد اختراق إقليمي، بل كانت رسالة عالمية مفادها أن الصين قادرة على تحقيق ما فشلت واشنطن في إنجازه لسنوات: إعادة خصمين رئيسيين إلى طاولة المفاوضات. وقد غيّر ذلك الاتفاق التصورات حول الدبلوماسية الصينية في جميع أنحاء العالم العربي، حيث بدأت بكين تُرى فجأة ليس فقط كشريك اقتصادي، بل كفاعل سياسي قادر على التأثير في الأمن الإقليمي.

ومنذ اندلاع الحرب في إيران، سرعت الصين من هذا التموضع الدبلوماسي، حيث دعت بكين مرارا وتكرارا إلى وقف إطلاق النار، وحماية طرق الطاقة، والحوار السياسي بدلا من التصعيد العسكري.

لقد كانت الدبلوماسية الصينية خلال الأزمة مدروسة بعناية؛ حيث تجنبت بكين التدخل العسكري المباشر مع الحفاظ على التواصل مع إيران، ودول الخليج، وروسيا، وأوروبا، والولايات المتحدة في وقت واحد. وأصبحت هذه القدرة على التعامل مع جميع الأطراف واحدة من أقوى المزايا الدبلوماسية للصين.

وعلى عكس الولايات المتحدة، نادرا ما تؤطر الصين سياستها الخارجية حول الأيديولوجيا، أو تعزيز الديمقراطية، أو التحالفات العسكرية. وبدلا من ذلك، تروج بكين لمبادئ مثل السيادة، وعدم التدخل، والتنمية الاقتصادية. وبالنسبة للعديد من دول "الجنوب العالمي"، يبدو هذا النهج أقل تصادمية وأكثر براغماتية.

رسالة الصين بسيطة: الاستقرار يخلق التنمية، والتنمية تخلق النفوذ. هذه الاستراتيجية جذابة بشكل خاص للدول التي أنهكتها الحروب والعقوبات والاستقطاب الجيوسياسي. وتنظر العديد من الدول الآن إلى بكين كقوة توازن في عالم يزداد عدم استقرار.

يعد توسع مجموعة "بريكس" (BRICS) علامة أخرى على تنامي الثقل الدبلوماسي للصين. فبعد أن كانت تكتلا اقتصاديا في الأصل، أصبحت "بريكس" بشكل متزايد منصة سياسية للدول التي تسعى للحصول على بدائل للمؤسسات التي يقودها الغرب. وقد استخدمت الصين المنظمة لتعميق العلاقات مع القوى الناشئة وتضخيم صوت "الجنوب العالمي".

في الوقت نفسه، خلقت مبادرة "الحزام والطريق" الصينية شبكة دبلوماسية واسعة تمتد عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ولم تعد مشاريع البنية التحتية مجرد استثمارات اقتصادية، بل أصبحت الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والشبكات الرقمية أدوات للنفوذ السياسي. تحسب العديد من الحكومات الآن سياستها الخارجية واضعة الصين في الاعتبار، لأن بكين مرتبطة بعمق بمستقبلها الاقتصادي.

كما عززت سياسات الطاقة من النفوذ الدبلوماسي للصين؛ فهي أكبر مشترٍ لصادرات الطاقة الخليجية وشريك رئيسي لإيران والسعودية وقوى إقليمية أخرى. وخلال التوترات الأخيرة المحيطة في مضيق هرمز، أكدت بكين على ضرورة إبقاء طرق الطاقة العالمية مفتوحة ودفعت نحو خفض التصعيد. وهذا يمنح الصين شيئا بالغ القيمة في الدبلوماسية: الأهمية لكل الأطراف.

صعود الصين كمركز دبلوماسي لا يخلو من التناقضات؛ فبكين لا تزال تتجنب تحمل أعباء أمنية كبرى تضاهي تلك التي تتحملها الولايات المتحدة، وتفضل الوساطة دون التزامات عسكرية

ومع ذلك، فإن صعود الصين كمركز دبلوماسي لا يخلو من التناقضات؛ فبكين لا تزال تتجنب تحمل أعباء أمنية كبرى تضاهي تلك التي تتحملها الولايات المتحدة، وتفضل الوساطة دون التزامات عسكرية. ويرى النقاد أن الصين تستفيد من عدم الاستقرار العالمي بينما تتجنب تكاليف إدارته، ويتساءل آخرون عما إذا كان بإمكان الصين أن تصبح حقا قائدا دبلوماسيا عالميا مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع روسيا وإيران. وتظل الحكومات الأوروبية، على وجه الخصوص، حذرة بشأن نوايا بكين الاستراتيجية.

وهناك أيضا تحدٍ هيكلي أعمق؛ فالنفوذ الدبلوماسي يعتمد في نهاية المطاف على الثقة. وفي حين ترحب العديد من الدول بالاستثمار والوساطة الصينية، إلا أنها لا تزال غير متأكدة من مستقبل نظام دولي تهيمن عليه بكين.

ومع ذلك، أصبح من الصعب تجاهل هذا الاتجاه العالمي. إن العالم يدخل فترة من القوة المتشرذمة، حيث لا يمكن لدولة واحدة أن تهيمن على السياسة الدولية بمفردها. وفي هذا النظام متعدد الأقطاب الناشئ، تضع الصين نفسها ليس بالضرورة كبديل للولايات المتحدة، بل كمركز اتصال يربط القوى والاقتصادات والأقاليم المتنافسة.

وهذا هو ما يجعل بكين تشبه بشكل متزايد مركز جاذبية؛ حيث يتم سحب الدول ذات الأيديولوجيات والتحالفات والصراعات المختلفة إلى المدار الدبلوماسي للصين بسبب التجارة، والاعتماد على الطاقة، والاستثمار، والتكنولوجيا، أو الضرورة الجيوسياسية.

في العقود السابقة، كان القادة العالميون يسافرون إلى واشنطن لطلب الشرعية، أو ضمانات أمنية، أو اختراقات دبلوماسية. واليوم، يقوم الكثيرون بشكل متزايد بنفس الرحلة إلى بكين. قد يصبح هذا التحول واحدا من التحولات الجيوسياسية الحاسمة في القرن الحادي والعشرين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)