في الثامن
والعشرين من شباط/فبراير، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية "الغضب
الملحمي". استهدفت هذه الحملة العسكرية الضخمة البنية التحتية
الإيرانية، حيث
توقع المهاجمون نصرا خاطفا معتمدين على تفوقهم التكنولوجي التقليدي، بيد أن واقع
الميدان وجه صدمة قاسية للمخططين العسكريين الغربيين؛ فقد تمكنت إيران من استيعاب
الضربات، بل وردت بدقة غير مسبوقة، إذ تضرب الصواريخ الإيرانية الآن رادارات
الإنذار المبكر والقواعد العسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. هذه الدقة ليست
وليدة الصدفة، بل هي نتاج مباشر لواقع جيوسياسي جديد؛ فروسيا والصين تزودان إيران
بنشاط بالتكنولوجيا المتقدمة والمعلومات الاستخباراتية اللحظية، وتعمل هذه
المساعدة على تغيير ميزان القوى بشكل جذري، مُؤذنة بنهاية حقبة الهيمنة العسكرية
الأمريكية والإسرائيلية المطلقة في المنطقة.
لعقود من الزمن،
احتفظت الولايات المتحدة وإسرائيل بتفوق عسكري نوعي لا يُضاهى، حيث امتلكتا طائرات
شبحية متطورة، ورادارات حديثة، وذخائر دقيقة التوجيه؛ أتاح هذا التفوق لهما العمل
بحصانة شبه تامة، وضرب الأهداف مع البقاء خارج نطاق رصد الأنظمة الدفاعية القديمة.
لكن هذه المعادلة لم تعد قائمة، فقد تحولت موسكو وبكين من مجرد حليفين دبلوماسيين
إلى ركيزتين تكنولوجيتين لطهران. تدرك
الصين وروسيا أن هزيمة إيران ستتركهما عرضة
للضغوط الغربية؛ ونتيجة لذلك، فإنهما توفران الأدوات اللازمة لتعمية الدفاعات
الغربية، بالتزامن مع شحذ القدرات الهجومية الإيرانية. يكشف هذا التعاون عن ثغرة
حرجة في الآلة العسكرية الغربية، فالأنظمة التسليحية الباهظة الثمن تفقد قيمتها
إذا كان العدو قادرا على رصدها قبل وصولها.
يكشف هذا التعاون عن ثغرة حرجة في الآلة العسكرية الغربية، فالأنظمة التسليحية الباهظة الثمن تفقد قيمتها إذا كان العدو قادرا على رصدها قبل وصولها
تُركز
روسيا
حاليا بشكل مكثف على الاستخبارات اللحظية والرصد المتقدم، وتُشير التقارير إلى أن المسؤولين
الروس يشاركون الإحداثيات الدقيقة للسفن
الحربية والطائرات الأمريكية، مما يمنح
إيران القدرة على استهداف الأصول المتحركة بدقة متناهية. علاوة على ذلك، زودت
روسيا إيران بنظام الرادار "ريزونانس" (Rezonans)،
وهو رادار ما وراء الأفق قادر على تتبع الأهداف الشبحية، مما يُبطل تحديدا ميزة
المقاتلات الأمريكية. كما ساعد الفنيون الروس في إطلاق قمر التجسس
"خَيّام"، الذي يوفر لطهران صورا عالية الدقة للانتشار العسكري. لم تعد
إيران تقاتل بعيون معصوبة، بل باتت تراقب ساحة المعركة عبر العدسات المدارية الروسية.
فعندما تتحرك القوات الأمريكية أو الإسرائيلية، تعلم طهران بذلك فورا، وهو ما يمثل
انتكاسة استراتيجية فادحة لواشنطن.
من جانبها، اتخذت
الصين دورا أكثر هدوءا ولكنه مدمر بالقدر ذاته، حيث تُعطي بكين الأولوية لمرونة
أنظمة الملاحة والاتصالات. في صراعات سابقة، اعتادت الولايات المتحدة على التشويش
على إشارات الملاحة، مما يجعل صواريخ العدو تفتقر إلى الدقة، وردا على هذا
التكتيك، دمجت الصين إيران في شبكة أقمارها الصناعية، وهي شبكة تتمتع بمقاومة
عالية للتشويش الإلكتروني الغربي، وتوفر للصواريخ الإيرانية توجيها مستمرا وآمنا.
وتُظهر تقارير رُفعت عنها السرية أن الأسلحة الإيرانية التي تستخدم هذا النظام
تحافظ على معدل موثوقية في تحديد المواقع يقارب 98 في المائة؛ هذا التحول يجعل
تكتيكات الحرب الإلكترونية الغربية قد عفا عليها الزمن. كما تقوم شركات
الاستخبارات الصينية التجارية بتوفير صور الأقمار الصناعية؛ حيث تقوم شركات مثل
"ميزاري فيجن" (MizarVision) بتتبع تحركات القوات الأمريكية ومشاركة هذه
البيانات. وبالإضافة إلى ذلك، نشرت الصين سفينة مراقبة في الخليج لتوفير استخبارات
إشارية مستمرة للقادة الإيرانيين.
وبعيدا عن أنظمة
الملاحة، تُسهل الصين تطبيق عقيدة عسكرية تُعرف باسم "الإشباع
الصاروخي"، وهي استراتيجية تعتمد على الكم للتغلب على الكيف. تكلف الصواريخ
الاعتراضية الغربية ملايين الدولارات للصاروخ الواحد، كما أن أعدادها محدودة؛
تعتمد استراتيجية الإشباع على استخدام طائرات مسيرة رخيصة الثمن لإرهاق رادارات
الدفاع، مما يُجبر الأنظمة الدفاعية على استنفاد صواريخها الاعتراضية المكلفة.
وبمجرد إفراغ الدرع الدفاعي، تضرب الصواريخ الباليستية الإيرانية، الأكبر حجما
والأكثر دقة، أهدافها. وتوفر الصين المكونات الأساسية لهذه الأسلحة، مما يخلق
استنزافا اقتصاديا هائلا للولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تنفقان الملايين لاعتراض
أجهزة لا تكلف سوى بضعة آلاف من الدولارات. هذا التفاوت المالي غير قابل للاستدامة
بالنسبة للجيوش الغربية.
إن التداعيات
السياسية لهذا التحالف التكنولوجي عميقة للغاية، فرغم أن روسيا والصين لا تنشران
قوات قتالية في الشرق الأوسط، إلا أن دعمهما الفني يحقق الهدف الاستراتيجي ذاته:
منع انتصار غربي. كما أنهما تثبتان أن النظام العالمي المتعدد الأقطاب بات واقعا عسكريا،
فلم يعد بإمكان الولايات المتحدة إملاء شروطها عبر القوة النيرانية المجردة،
فخصومها يمتلكون الآن الوسائل لمواجهة أحدث أسلحتها. يُعد هذا الصراع بمثابة ساحة
اختبار للمواجهات العالمية المستقبلية؛ فإذا كانت التكنولوجيا الروسية والصينية
قادرة على حماية إيران، فإنها قادرة أيضا على حماية دول أخرى تقاوم الهيمنة
الغربية. هذا الإدراك يثير قلقا بالغا في العواصم الغربية، حيث تفقد أسلحتها
الرئيسية فعاليتها في ساحة المعركة الحديثة.
التداعيات السياسية لهذا التحالف التكنولوجي عميقة للغاية، فرغم أن روسيا والصين لا تنشران قوات قتالية في الشرق الأوسط، إلا أن دعمهما الفني يحقق الهدف الاستراتيجي ذاته: منع انتصار غربي
يُسلط الصراع
الحالي الضوء على تحول هائل في البنيات الأمنية العالمية، فقد صممت الولايات
المتحدة وإسرائيل استراتيجياتهما العسكرية حول مفهوم التفوق التكنولوجي، بافتراض
أن أعداءهما سيفتقرون دائما إلى المراقبة المتقدمة والتوجيه الدقيق، لقد محت روسيا
والصين هذا الافتراض تماما. فمن خلال تزويد إيران بالملاحة عبر الأقمار الصناعية، ورادارات
تتبع الطائرات الشبحية، والاستخبارات اللحظية، تم تغيير المعادلة؛ وبات الصيادون
مكشوفين لطرائدهم. هذا الواقع يفرض إعادة تقييم شاملة للتدخلات العسكرية الغربية،
إذ لم تعد حملات القصف مساعي منخفضة المخاطر، بل باتت تحمل تكلفة باهظة في المعدات
والأفراد. إن التحالف الفني بين موسكو وبكين وطهران يصوغ درعا متينا في وجه
التدخلات الغربية.
في نهاية المطاف،
حققت هذه الحرب عكس هدفها المنشود، فبدلا من عزل إيران وإضعافها، أدت إلى تسريع
اندماج التقنيات العسكرية الشرقية. سعت الدول الغربية لاستعراض قوتها، لكنها بدلا
من ذلك كشفت عن حدود قدراتها. تُشكل الأقمار الصناعية الروسية وشبكات الملاحة
الصينية اليوم حاجزا غير مرئي فوق سماء الشرق الأوسط؛ حاجزا يحمي السيادة
الإقليمية ويُفكك في الوقت ذاته وهم المناعة الغربية. يثبت هذا الصراع أن التفوق
التكنولوجي لم يعد امتيازا غربيا حصريا، ومع استمرار هذه الحرب، تتضح معالم
الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل بشكل متزايد، حيث تخوضان حربا
بافتراضات بالية ضد عدو مُجهز بأسلحة حروب المستقبل.
يتطلب هذا التحول
العميق اهتماما عالميا فوريا، فالمجتمع الدولي يشهد انتقالا تاريخيا. إن الشراكات
التكنولوجية اليوم تُبطل فعليا هيمنة الإمبراطوريات الكبرى، وهذا التحالف الدفاعي
سيشكل ملامح كافة المواجهات العسكرية المستقبلية. لقد انتهى عصر التدخل العسكري
بلا رادع، وحلّ توازن جديد متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط إلى الأبد.