يشهد النظام
الدولي المعاصر تحولات متسارعة. فعلى مدى عقود، صاغت الشراكة بين الولايات المتحدة
وإسرائيل البنية الأمنية الأساسية لمنطقة الشرق الأوسط، ومع ذلك، فإن الصراع الذي
اندلع في 28 شباط/ فبراير 2026 كشف عن الحدود الهيكلية لهذا التحالف. إن ما بدأ
كحملة للهيمنة العسكرية المطلقة تحول بمرور الوقت إلى مسعى للمقاومة السياسية
والبقاء.
وتسلط التسريبات
الأخيرة التي كشفت عن مكالمة هاتفية متوترة بين دونالد
ترامب وبنيامين
نتنياهو
بشأن التصعيدات الإقليمية الضوء على هذا الاحتكاك المتنامي؛ إذ يشعر البيت الأبيض
بإحباط متزايد من أن التحركات العسكرية المستقلة تهدد المسارات الدبلوماسية
الحساسة. وقد وعدت التصريحات الأولية الصادرة من واشنطن وتل أبيب بتغيير شامل في
ميزان القوى الإقليمي. ولكن، فرض الواقع تراجعاً حاداً عَنْ تلك الأهداف الطموحة.
ويكشف إطار السلام الناشئ، الذي جرى تمريره عبر القنوات الدبلوماسية في إسلام
آباد، عن حقيقة جيوسياسية مريرة: لا يمكن للقوى العظمى أن تتجاهل الحسابات الصارمة
للاقتصاد العالمي. وتخلف إعادة التموضع الاستراتيجي تداعيات عميقة في المنطقة؛ إذ
إن سعي دونالد ترامب الحثيث وراء مخرج دبلوماسي يضحي بشكل مباشر بكل ما بناه بنيامين
نتنياهو من نفوذ سياسي، مؤذن بأفول نجمه.
سقوط "الحد الأقصى"
من الطموحات
تظل الجغرافيا التكنولوجيا المهيمنة في الحروب الحديثة، ويتعين على المخططين العسكريين الآن إعادة تقييم اعتمادهم على القوة الجوية وحدها
في بداية الصراع،
كانت لغة البيت الأبيض حاسمة ومطلقة؛ إذ طالب صانعو السياسة في الولايات المتحدة
باستسلام كامل من طهران، وناقشوا علناً فرض تغيير سياسي وتفكيك مطلق لشبكات
المقاومة الإقليمية. وبدت هذه الأهداف قابلة للتحقيق بعد النجاحات العسكرية
الأولية فائقة التكنولوجيا والاضطرابات الكبيرة في القيادة داخل
إيران. بيد أن ثلاثة أشهر من الصراع
المستمر أثبتت أن التفوق العسكري التكتيكي لا يترجم تلقائياً إلى انتصارات
دبلوماسية دائمة، فلم ينهر جهاز الدولة الإيراني؛ بل وجدت الإدارة في واشنطن نفسها
محاصرة في
حرب استنزاف بلا نهاية واضحة. وصاحب ذلك ضغوط داخلية هائلة على الرئاسة
الأمريكية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فالجمهور الأمريكي لم يعد
يملك الصبر لتمويل حملة عسكرية مطولة أخرى في غرب آسيا. وبناءً على ذلك، خفض البيت
الأبيض سقف مطالبهِ بشكل منهجي، واستُبدل الإصرار السابق على إسقاط النظام
بمفاوضات براغماتية، وأصبحت واشنطن مستعدة لقبول ضمانات محددة بشأن مخزونات
اليورانيوم والأمن البحري، مما يمثل تراجعاً كبيراً في الطموحات الجيوسياسية
الأمريكية.
جغرافيا
الاستنزاف
إن الدافع الرئيسي
وراء هذا التراجع الدبلوماسي ليس تحولاً في الأيديولوجيا السياسية، بل هو الواقع
المجرد للجغرافيا البحرية. فقد كان إغلاق إيران لمضيق هرمز بمثابة سلاح اقتصادي
عجزت القوات العسكرية عالية التكنولوجيا عن تحييده، وأدى هذا الحصار فعلياً إلى
وقف 20 في المئة من إمدادات النفط الخام العالمية، وتعطيل 30 في المئة من التجارة
الدولية في الأسمدة الكيماوية.
وجاءت التداعيات
الاقتصادية فورية وقاسية؛ إذ قفزت أسعار البنزين المحلية في الولايات المتحدة بشكل
حاد، وبدأت الضغوط التضخمية تهدد الاستقرار المالي الغربي. وأنفقت الحملة الجوية
الأمريكية مليارات الدولارات في محاولة لتأمين الممر المائي، ومع ذلك، لم تتمكن
أنظمة الدفاع البحري المتقدمة من التغلب على التضاريس الأساسية للخليج. فقد وفر
الساحل الشمالي الجبلي لإيران حماية هيكلية لترسانتها الصاروخية غير المتناظرة،
وأدرك الجيش الأمريكي أن إعادة فتح ممرات الشحن بالقوة تتطلب حرباً برية واسعة
النطاق. وأمام المفاضلة بين الانهيار الاقتصادي في الداخل أو الغزو البري المطول
في الخارج، اختارت واشنطن الدبلوماسية، وتحولت الأولويات من تحقيق نصر عسكري شامل
إلى تثبيت استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويسلط هذا القرار
الضوء على درس بليغ: تظل الجغرافيا التكنولوجيا المهيمنة في الحروب الحديثة،
ويتعين على المخططين العسكريين الآن إعادة تقييم اعتمادهم على القوة الجوية وحدها.
مأزق الردع
لنتنياهو
لقد ترك هذا
التحول الاستراتيجي من جانب الولايات المتحدة الحكومة الإسرائيلية في موقف مكشوف
وهش للغاية. فعلى مدى عقود، بنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علامته السياسية على
وعد أساسي واحد، مؤكداً للجمهور الإسرائيلي أن الردع العسكري المطلق هو الضامن
للأمن على المدى الطويل. وجرى تصوير الضربات العسكرية في شباط/ فبراير على أنها
الضربة القاضية ضد الخصم الإقليمي الرئيسي لإسرائيل.
والآن، يهدد
اتفاق السلام الناشئ بتحطيم ذلك الإرث السياسي تماماً، فإبرام اتفاق يترك هيكل
الدولة الإيرانية الأساسي فعالاً يُنظر إليه داخلياً كفشل استراتيجي. ويشعر الشارع
الإسرائيلي بخيبة أمل عميقة، إذ تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعاً حاداً في
دعم الائتلاف الحاكم، ويعبر الناخبون عن غضبهم لأن صراعاً شديد التدمير لم يسفر عن
حسم نهائي. وقد منحت حالة عدم الرضا هذه قوة دفع للمعارضة الداخلية؛ حيث يستغل
التحالف السياسي الجديد "بيحاد" (معاً)، بقيادة نفتالي بينيت ويائير
لابيد، هذا الغضب الشعبي بنشاط.
ولمواجهة هذه
الهشاشة الداخلية، ضاعف نتنياهو من موقفه المتشدد عبر توسيع العمليات في مسارح
مجاورة مثل لبنان. ومع ذلك، فقد أثار هذا التحدي غضباً علنياً من واشنطن؛ إذ يرى ترامب
في هذه العمليات تهديداً مباشراً لهدفه الرئيس المتمثل في تأمين اتفاق مستقر يحفظ
ماء الوجه مع طهران. ويجد نتنياهو نفسه اليوم محاصراً في فخ سياسي خطير؛ فهو عاجز
عن كبح الزخم الدبلوماسي الأمريكي، ولا يمكنه في الوقت ذاته قبول اتفاق السلام دون
مواجهة انهيار سياسي في الداخل. لقد تحطمت عقيدته القائمة على "النصر العسكري
المطلق" أمام صخرة الواقع، وبات المشهد الداخلي في إسرائيل يشهد تحولاً
جذرياً.
التصدع الهيكلي
في التحالف
لقد كشف هذا
الصراع عن تباين جوهري في المصالح بين واشنطن وتل أبيب. فالتاريخ يظهر أن الولايات
المتحدة كانت ترى في إسرائيل ذخراً استراتيجياً حيوياً في المنطقة، أما اليوم، فإن
هذا الافتراض يواجه مراجعة صارمة من جانب المحللين العسكريين والسياسيين.
أرسل دونالد ترامب إشارة واضحة على حدود القوة الأمريكية. وبفعله هذا، قوض دون قصد المسيرة السياسية لأقرب حلفائه الإقليميين
إن الأولويات
العالمية للولايات المتحدة آخذة في التغير؛ إذ يتعين على واشنطن إدارة التضخم
الداخلي، وتأمين إمدادات الطاقة، وتوجيه اهتمامها الاستراتيجي طويل المدى نحو
الصعود الصيني، فالصراع المطول في غرب آسيا يستنزف الموارد الأمريكية الثمينة
ويعزل واشنطن عن حلفائها الأوروبيين. وتجسد المكالمة الهاتفية الغاضبة الأخيرة من
ترامب إلى نتنياهو هذا الانهيار تماماً؛ فبينما ترى واشنطن أن خفض التصعيد
الإقليمي أمر جوهري للاستقرار الاقتصادي العالمي، تنظر تل أبيب إلى أي إطار سلام
قبل أوانه على أنه هزيمة وجودية.
هذا الفارق
العميق في الأولويات يحول التحالف التقليدي إلى عبء استراتيجي على الولايات
المتحدة. وعندما أصبحت التكاليف الاقتصادية العالمية لدعم المبادرات العسكرية
الإسرائيلية باهظة ولا يمكن تحملها، اختارت واشنطن حماية مصالحها الوطنية الحيوية
أولاً، وهو واقع لا يمكن لأي إدارة مستقبلية أن تتغاضى عنه.
إن هذه الدروس
ستعيد تشكيل السياسة العالمية لسنوات قادمة. ويثبت اتفاق السلام الوشيك أن أكثر
الدول نفوذاً يجب أن تنصاع للواقعية الاقتصادية السياسية، فللتفوق العسكري عالي
التكنولوجيا حدود واضحة عندما يصطدم بالمضائق الجغرافية واندماج الأسواق العالمية.
ومن خلال تقديم الاستقرار الاقتصادي الداخلي على الانتصارات الأيديولوجية
الإقليمية، أرسل دونالد ترامب إشارة واضحة على حدود القوة الأمريكية. وبفعله هذا،
قوض دون قصد المسيرة السياسية لأقرب حلفائه الإقليميين. إن التصدع الواضح في
النظام المالي الغربي وصمود الخصوم الإقليميين يشيران بوضوح إلى أن عهد الهيمنة
العالمية أحادية القطب قد شارف على الانتهاء.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.