حقائق وقف إطلاق النار وآثارها من لبنان إلى الهند

حازم عيّاد
جيتي
جيتي
شارك الخبر
لم يبتعد وقف إطلاق النار المعلن فجر الخميس في لبنان عن كونه تثبيت قواعد الاشتباك القائمة بين المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله والاحتلال الإسرائيلي، إذ لم يتضمن وقفا حقيقا لإطلاق النار بين الجانبين، بل ترسيخا لقواعد الاشتباك والردع التي أرساها حزب الله في الأشهر الثلاثة الماضية وإيران في الأيام القليلة الفائتة؛ التي أعقبت تهديدات الأخيرة في حال قصف العاصمة اللبنانية بيروت من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

الإعلان الأمريكي مساء الأربعاء لم يقف عائقا أمام مقتل جندي من قوات اليونفيل جنوب لبنان وتواصل المعارك، لكنه أخرج العاصمة اللبنانية بيروت والبنى التحتية الأساسية للدولة اللبنانية من دائرة الاستهداف الإسرائيلي إلى حين التوافق على نهاية للحرب ما بين واشنطن وطهران.

لم يقتصر خفض التصعيد وتثبيت قواعد الاشتباك على الجبهة اللبنانية، كونه بدأ في منطقة الخليج العربي. فالاشتباكات والتوترات التي طالت مملكة البحرين ودولة الكويت والإمارات العربية المتحدة، قابلتها أمريكا ببيانات بررت فيها التوتر بالاحتكاك الناجم عن جهود واشنطن لمحاصرة إيران وإغلاق مضيق هرمز، كاشفة عن نزوع أمريكي لتجنب التصعيد والتمسك بمسار المفاوضات؛ أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقا في تصريح نقلته صحيفة نيويورك بوست قال فيه، إن المفاوضات مع إيران تشهد تقدما كاشفا رغبته لقاء مجتبى خامنئي المرشد الأعلى في إيران.

الخشية من توسع الحرب إلى باب المندب دفعت إدارة ترامب نحو تثبيت قواعد الاشتباك في لبنان، بعد تحذيرات جاءت من الحرس الثوري الإيراني وأخرى يمنية على لسان عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله الحوثية، محمد الفرح، أطلقها من على منبر قناة المسيرة يوم الثلاثاء الفائت، هدد فيها بانخراط صنعاء بالمواجهة عبر رد شامل على الاعتداءات الإسرائيلية.

آخر ما تبحث عنه إدارة ترامب تصعيد يغرقها في حرب استنزاف طويلة تفكك نفوذها وتفاقم من أزمة العلاقة مع حلفائها وشركائها في العالم والإقليم، كالهند وكوريا الجنوبية واليابان التي تدفع أثمانا باهظة دون مردود سياسي أو اقتصادي. فعجز الهند عن توفير الوقود لاقتصادها والسماد للمزارعين بات واضحا في سلوك الناخب الهندي، إذ أفقد حزب "بهاراتا جاناتا" الهندوسي المتطرف، الذي يقوده رئيس الوزراء ناريندرا مودي، أصوات الناخبين في عدد من البلديات والمقاطعات، كما هدد باحتجاحات اقتصادية واجتماعية واسعة تُسقط حكومته وحزبه، ما دفع أمريكا لإسعافه بنفط فنزويلا ووعود حَمَلتها القائمه بأعمال الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز التي زارت الهند نهاية الأسبوع الحالي.

مجددا تؤكد الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة الرئيس ترامب من خلال موقفها السياسي والعسكري أن أمن الخليج واستقرار دوله العربية لا يعد أولوية للولايات المتحدة الأمريكية، بل ورقة للتفاوض وساحة تتبادل فيه الرسائل مع طهران على حساب أمن الدول واستقرارها. فما دام التصعيد لا يفضي إلى تورط أمريكي واسع وكثيف فإن الاحتكاكات والمواجهات ستبقى تحت سقف وقف إطلاق النار والتفاوض الأمريكي مع طهران، خاصة بعد أن وضعت إدارة ترامب قاعدة تشترط فيها العودة للحرب فقط حال سقوط جنود أمريكان في المناوشات البحرية والجوية.

أخيرا، فإن تمكّن حزب الله اللبناني من التعافي من هجوم البيجر في أقل من 15 شهرا ليعود فاعلا سياسيا وعسكريا فاجأ الأعداء والأصدقاء، فالتعافي جاء في مدى زمني قصير وظروف صعبة لا تكاد تتوافر لدول بمؤسسات ومقدرات ضخمة. تعافي حزب الله متغير أعاد رسم ملامح ميزان القوة الذي اتسع نطاقه من هدنة الخليج العربي ليشمل مظلة الردع الإيرانية الممتدة نحو الضاحية الجنوبية والعاصمة الهندية دلهي، حيث تدير أمريكا شراكاتها بعيدا عن دول الخليج ومصالحها الاقتصادية.

ختاما.. معادلة الحرب والتفاوض وقواعد الاشتباك والردع لا زالت تتشكل في بيئة من الاستنزاف والفوضى التي أنتجها التدخل الأمريكي في إيران والخليج العربي، وامتد أثرها إلى بنية الاقتصاد الدولي ومنظومته السياسية التي لا يتوقع أن تنتهي تفاعلاتها قبل أن تحدث تحولات جذرية في الملف الفلسطيني وبنية وهندسة التوازنات والتحالفات في إقليم غرب آسيا والعالم العربي برمته، وهو أمر يمكن رصده وملاحظته بسهلة في بيئتنا العربية القريبة كلبنان أو البعيدة في الهند وباكستان.

x.com/hma36


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)