حرب الإرادة والعزائم

هشام الحمامي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
إذا كان لنا أن نضع عنوانا لهذه الحرب، فهي حرب إرادة وعزم بامتياز، وها نحن في المنطقة العربية نتلقى الدرس الثاني في هذا العنوان!..

كان الدرس الأول في "طوفان الأقصى" وقدمت فيه المقاومة وأهل العزائم والأنوار في غزة درسا عظيما لهذا المعنى "الإرادة والعزم"، وهي بذلك تدخل في نطاق المواجهات التاريخية الكبرى، التي تأتي نتائجها بالتراكم، جيلا بعد جيل، وقد صدق من قال إن التغيرات "الكمية" تأتى في وقت ما وتتحول فيه الى تغيرات "نوعية".

والخطوة الأولى هنا هي الأهم، ولا يُحسب فيها حساب لأي شيء غير "الإيمان بأن الواقع القائم لن يستمر، ولن نقبل به، ولن نستسلم له"..

* * *

وها هي إيران وحزب الله في لبنان، يقدمان لنا الدرس الثاني في ذلك، والنتيجة المترتبة على ما يحدث نتيجة كبيرة للغاية.. بالنظر إلى أن العدو هو أمريكا وإسرائيل، وما كان لهذه الأحداث كلها أن تحدث لولا وجود إسرائيل في المشرق الإسلامي، وهو الوجود الذي راهن عليه الغرب رهانا ثقيلا في أن تكون المنطقة العربية كلها عاجزة مقسمة مضطربة..

خاضت أمريكا وإسرائيل هذه الحرب وحدهما!! دون مساعدة أو تأييد من أوروبا، وعلينا هنا أن ننتبه إلى أن هذا التفكيك خطير للغاية على المستوى التاريخي وعلى المنظور البعيد

ولأمر ما، خاضت أمريكا وإسرائيل هذه الحرب وحدهما!! دون مساعدة أو تأييد من أوروبا، وعلينا هنا أن ننتبه إلى أن هذا التفكيك خطير للغاية على المستوى التاريخي وعلى المنظور البعيد.

* * *

وإلى يومنا هذا تصر بريطانيا، وهي من هي في صراع الشرق والغرب القديم الجديد، تصر على أن تعلن أن هذه الحرب ليست حربها، وأنها اتخذت القرار الصحيح بعدم الانجرار لهذه الحرب.

وإذا تذكرنا ما حدث في غزو العراق 2003م لوجدنا أن هناك تطورا كبيرا في مكونات هذا الصراع، وأن هناك تغييرا كبيرا في المنظور الأوروبي، آت من بنية العقل الأوروبي، التي تتطور وتتجدد، ويحدث فيها ما لا نراه من تغييرات مفاجئة، لكنه يحدث، وتأتي من الأحداث ما يظهر لنا ملامحه الجديدة شيئا فشيئا.

* * *

بعد "طوفان الأقصى" كان الغرب الأوروبي وأمريكا في تل أبيب فورا.. لإظهار الدعم والمساندة للدولة الصهيونية، لكن الموقف في أوروبا بعدها تراجع بشكل ملحوظ بسبب الوحشية والهمجية القصوى في الحرب الإسرائيلية على غزة والإبادة الجماعية بمختلف السبل؛ لشعب أعزل أظهر من الصمود والصبر ما عجز العقل الغربي وقتها عن فهمه وطرح حوله آلاف الأسئلة.

* * *

الأمر نفسه يتكرر الآن في إيران وفي لبنان..

لبنان بالذات تقدم لنا نموذجا مكتمل الروعة، في أن "المقاومة" تنمو وتتجدد وتتطور بمرور السنين، لقد تصورنا أن الحزب انتهي تماما بعد الضربات التي تلقاها في العامين الماضيين، وإذا به يقوم من تلك الضربات أقوى عشرات المرات مما كان عليه قبلا، وهو يقوم الآن بعمليات استنزاف حقيقية وحرفية لجيش الاحتلال، ويضعه في أحرج المواقف استراتيجيا، يعترف فيها بعجزه عن مواجهة عمليات الحزب، وهو ما سنراه إن شاء الله في غزة التي أخذت من الحزب ما قدمته له..! نعم..

فالمقاومة في غزة قدمت المبادرة بالفعل "ادخلوا عليهم الباب".. وقد فعلها حزب الله فورا بمجرد أن لاحت له الفرصة.. والحزب بدوره قدم للمقاومة في غزة معنى النهوض والقيام من الضربات..

فقدت المقاومة في الجانبين قياداتها التاريخية الكبرى.. لكن هذا لا يحسب له حساب في المفهوم الإسلامي للصراع، ولا يدري أحد أو يعلم شيئا عن القيادات التي تقود المقاومة في لبنان الآن.. ونتوقع بكل الثقة واليقين أن يكون الأمر نفسه في غزة..

* * *       

وهو نفس ما حدث في إيران التي فقدت في الأيام الأولى للحرب كل القيادات الكبرى وعلى رأسها المرشد الروحي.. لكنها نفضت عن نفسها غبار الألم، وقامت وصمدت وأحدثت من الألم في الدولة الصهيونية ولدى أمريكا ما يؤلمهم كذلك. وطوال الشهرين الماضيين، تقف مرفوعة الرأس، تنزف وتتألم ولكنها لا تنكسر ولا تخضع، وهذا هو درس الدروس، الذي كان يحتاجه تاريخ الشرق بعد طول خضوع وانصياع..

والأمر لن يحدث تأثيره في الواقع القائم بين يوم وليلة، لكنه التراكم الكمي الذي يتحول في يوم ما إلى تغيير نوعي كما سبق، وهذا حديث التاريخ، حين تكون أحداث التاريخ جادة وصادقة لا مسرحيات هزلية.

* * *
هزيمة استراتيجية لأمريكا تنتظرها من هذا الصمود والعزم في إيران، وهي هزيمة ستتردد أصداؤها لعقود، ودليل واضح على إخفاقاتها التاريخية كما حدث في فيتنام وأفغانستان.. وهو نفس ما سيحدث في إسرائيل، التي ستضطر إلى الانكفاء على خيباتها تمهيدا لنهايتها

الرأي العام في دول الخليج يتهامس قائلا: لماذا ندفع ثمن حرب تبدو مدفوعة بسياسات إسرائيلية توسعية؟ وهو سؤال صعب ونافذ، وستكون إجابته ملحة وضرورية، وتحمل من التغيير الكثير والكثير. أمريكا أتت من آخر الدنيا لتحارب إيران في محيطها الجغرافي، ولم تهتم إطلاقا بالتأثير الذي سيقع على هذا المحيط وهو بالفعل قد وقع..

والعبرة ليست فقط بضربات من هنا وضربات من هناك.. لكن وهو الأهم بالسؤال عما هذا الذي يحدث لنا ومن حولنا؟

والجغرافيا والتاريخ دائرة واحدة تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ، ولا مجال لتغيير هذه المعادلة.. وعاجلا أو أجلا سيكون الجوار في حضن الجوار.. لكن المسافة ستزداد بعدا بعيدا عن السبب والمسبب في كل هذه الاضطرابات، أمريكا كانت أو إسرائيل..

* * *

هزيمة استراتيجية لأمريكا تنتظرها من هذا الصمود والعزم في إيران، وهي هزيمة ستتردد أصداؤها لعقود، ودليل واضح على إخفاقاتها التاريخية كما حدث في فيتنام وأفغانستان.. وهو نفس ما سيحدث في إسرائيل، التي ستضطر إلى الانكفاء على خيباتها تمهيدا لنهايتها.

لكن الأمر في الشرق الإسلامي سيختلف كثيرا.. ستكون غزة ولبنان وإيران، علامات كبرى تهتدى بها الأجيال وراء الأجيال.. وهي تردد قول شوقي رحمه الله:

رجال الشرق هٌزّوٌه لعل به من    الليالي جمود اليائس السالي

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)