العرب ممثلون بنظامهم الرسمي لا زالوا عاكفين على استراتيجيتهم العتيقة
المسمّاة السلام الاستراتيجي مع الكيان
الإسرائيلي وسيلة لتحقيق الاستقرار وتسكين
الصراعات في الإقليم، مقيدين بخيار عفا عليه الزمن بدون بدائل أو أدوت جديدة، ما عقّم
قدرتهم على المناورة لدرجة بلغت حد الانكفاء الداخلي والتكيف السلبي مع ضغوط
البيئة المتغيرة؛ استراتيجية لا بدائل لها ولا خيارات متاحة للعرب بدلا عنها، رغم
أن الإقليم والعالم تغير وعلى نحو جذري خلال السنوات العشر الأخيرة، الأمر الذي لم
يعد مقتصرا على إيران وباكستان بل وعلى أقرب حلفاء الناتو وشركائه وعلى رأسهم
تركيا.
أحادية الخيار الاستراتيجي العربي قابله تنوع في الخيارات والأدوات
والتحالفات لدى القوى الإقليمية الصاعدة؛ إيران وباكستان وتركيا، إذ برزت تركيا في
الأيام القليلة الماضية من خلال تبنيها أسطول الصمود وإظهارها جرأة في تحدى الولايات
المتحدة الأمريكية برفضها المطالب الأمريكية إعاقة انطلاق الأسطول من ميناء
مرمريس التركي، وتحديها العقوبات وقوائم حظر الخزانة الأمريكية، والأهم إدانة وزير
خارجيتها هاكان فيدان استهداف الأسطول في أعالي البحار من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
أحادية الخيار الاستراتيجي العربي قابله تنوع في الخيارات والأدوات والتحالفات لدى القوى الإقليمية الصاعدة؛ إيران وباكستان وتركيا، إذ برزت تركيا في الأيام القليلة الماضية من خلال تبنيها أسطول الصمود
الإدانات انضمت إليها كوريا الجنوبية وإسبانيا على نحو نشط من أقصى شرق آسيا
إلى أقصى غرب أوروبا، في حين صمتت الدول العربية وامتنعت عن الإدانة كحد أدنى، فضلا
عن تقديم الدعم والمساعدة للأسطول الدولي الإنساني، إذ تبنى بعضها الرواية الأمريكية
التي فرضت عقوبات على الأسطول بحجة تهديده مشروع الرئيس الأمريكي ترامب الذي جعل من
مهمة حصار غزة وشرعنة القمع والتجويع والقتل وظيفة لمجلس السلام الذي يتصدره اليوم
المندوب السامي نيكولاي ملادينوف.
حالة التكلس في التعامل مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عبر التمسك
بالخيار الاستراتيجي قاد العرب إلى تكيّف سلبي؛ بلغ حد تبني الخطاب السياسي الأمريكي
والإسرائيلي لمواجهة الأسئلة الوجودية الداخلية بشكل هدد مفهوم الدولة الوطنية
وسيادتها والهوية والأمن الاستقرار الخاص بكل دولة، بانكفاء داخلي خلافا لتطورات
البيئة الدولية والإقليمية المتشابكة ثقافيا وفكريا واستراتيجيا، كما اتضح في موقف
كوريا الجنوبية وإسبانيا التي التحقت بها أوروبا قاطبة عقب استعراض وزير الأمن
القومي الإسرائيلي الهمجي لمختطفي أسطول الصمود.
لم تمنع مشاركة تركيا في مجلس السلام من دعم أسطول الصمود وتوفير الدعم
بكافة أشكاله لوجستيا وإعلاميا وسياسيا، فكانت
مبادرة جريئة لم تخشَ غضب ترامب
وتهديدات وزير الخزانة سكوت بسينت، واضعة نفسها على الخارطة السياسية الإقليمية
وناقلة خط التماس والمواجهة من غزة والجولان إلى شرق المتوسط فميناء مرمريس.
في الشكل والمضمون، لم تحاصر تركيا نفسها بخيارات استراتيجية تعيق حركتها لتراكم
المزيد من عناصر القوة والتاثير، وفي الآن ذاته إجادة توظيف المواجهة بما يخدم
قضية الفلسطينيين في غزة والضفة، وخدمت مصالحها في مواجهة اليونان وقبرص؛ إذ تزامن
الاشتباك البحري مع رسم حدود للتحالفات الجديدة وشكل المواجهات المستقبلية شرق
المتوسط.
على المقلب الآخر، وقفت إيران التي مكنتها المواجهة الأخيرة من إضافة عناصر
قوة جديدة عبر تفعيل سيطرتها على مضيق هرمز وتفعيل شراكاتها الاقتصادية السياسية
مع كل من الصين وروسيا؛ متحولة إلى لبنة أساسية ونقطة ارتكاز محورية في إعادة
هندسة الإقليم والمنظومة الدولية التي تقع في صلبها المواجهة الأمريكية الصينية. فإيران
كرست نفسها كفاعل مؤثر لايمكن التخلي عنه في الصراع الدولي الذي يتخذ طابعا
اقتصاديا وجيوسياسيا ممتدا من بحر الصين الجنوبي إلى أوكرانيا، وصولا إلى بحر
البلطيق والدائرة القطبية الشمالية ككتلة جغرافية واحدة.
في المنتصف، وقفت باكستان التي لم تنتظر طويلا لملء التحالف الهندي الإسرائيلي
الفراغ الذي خلفه تفكك المنظومة العربية، لصالح منظومة التطبيع ذات الخيار الأحادي
الذي عزز نفوذ الاحتلال الإسرائيلي الاقتصادي والسياسي والأمني في منطقة الخليج مهددا
أمن باكستان واستقراراها، فانتقلت إلى المبادرة واقتحمت الأزمة لتنهي بإنزال قواتها
على الضفة الغربية للخليج العربي بعد أن كان الاحتلال الإسرائيلي على وشك التسلل
إلى حدودها الغربية في بلوشستان وشرق إيران، فضلا عن كشمير عبر الهند مدعومة بالشراكة
المتجذرة بين نتنياهو ورئيس وزرائها المتطرف مودي.
تبقى المنظومة العربية في حالة تكلس شديد في إقليم ديناميكي سريع الحركة والتغير، ولم يعد فيه مكان للمترددين وللمراهنين على معادلات عتيقة تستند إلى مركزية أوروبا وأمريكا في تقرير مصير المنطقة
الخيارات الأحادية قوضت أمن الدول العربية وأفقدتها ثقتها بخطابها السياسي
وقدرتها على الصمود، لتنزع نحو تكيف سلبي شجع الاحتلال الإسرائيلي على المضي قدما
في عدوانه على الضفة الغربية وقطاع غزة، وذهب بعيدا في محاولات التوسع على حساب
الدول العربية بفرض مناطق حدودية عازلة كأمر واقع في عمق الجغرافيا العربية، وعمل
على اختراق منظومتها ليصبح جزءا رئيسا من الصراعات السياسية والمناكفات الداخلية
العربية، وكأن العلاقة مع الاحتلال وجهة نظر سياسية بعد أن كانت تهديدا استراتيجيا
ووجوديا.
في وسط هذه الفوضى امتلكت الدول الإقليمية خيارات ومساحات للتحرك، وغابت الدول
العربية التي بدأ بعضها بالتململ، والمبادرة بما يمكن تأكيده لدى المملكة العربية
السعودية في تعاملها مع الحرب الأخيرة في الخليج العربي ودعوتها لاتفاق هلسنكي
عربي إيراني تركي باكستاني لمنع الاعتداء واحترام الحدود السياسية للدول.
رغم حالة التململ والنزعة المبادرة للسعودية، تبقى المنظومة العربية في
حالة تكلس شديد في إقليم ديناميكي سريع الحركة والتغير، ولم يعد فيه مكان
للمترددين وللمراهنين على معادلات عتيقة تستند إلى مركزية أوروبا وأمريكا في تقرير
مصير المنطقة، علما أنها فقدت شرعيتها الاقتصادية والأخلاقية وتعاني عجزا في الحفاظ
على شرعيتها عبر القوة الفتاكة التي أصبحت عبئا على باقي الشرعيات وسببا في
انهيارها.
ختاما.. افتقاد النظام الرسمي العربي للمرونة والخيارات، وتردده وتمسكه
بالمرجعيات الغربية الأوروبية الأمريكية وبقرارات وزارة الخزانة الأمريكية؛ يهدد
بانهيار الخطاب السياسي العربي ونقل الأزمة وتعيمقها داخليا وعلى نحو يضعف مناعته
الداخلية في بيئة سريعة التغير، وهو أمر يمكن رصده في سلوك وخطاب وممارسات الدول
العربية التي لا زالت تدور حول نفسها في حلقة مفرغة، في حين انفتحت تركيا وباكستان
ومن قبلُ إيران على خيارات جديدة، كاشفة أزمة النظام العربي الذي يعاني من معضلة
وخرافة الخيار الاستراتيجي.
x.com/hma36
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.