دلالات إعلان الحوثيين إغلاق باب المندب.. هل يملكون القدرة على تنفيذه؟

الحوثيون أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية ولوحوا بإغلاق باب المندب- جيتي
الحوثيون أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية ولوحوا بإغلاق باب المندب- جيتي
شارك الخبر
أعلنت جماعة أنصار الله "الحوثيين"، الاثنين، فرض ما وصفته بـ"الحظر البحري" على السفن المرتبطة بالسعودية، ملوحة بإغلاق مضيق باب المندب، في خطوة أعادت واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم إلى واجهة الصراع الإقليمي.

ويأتي الإعلان في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد أشهر من المواجهات التي شهدت استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في المنطقة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الخطوة الحوثية، وما إذا كانت تمثل قدرة فعلية على تعطيل الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

ورغم أن الإعلان الحوثي جاء في سياق الحديث عن السعودية، فإن باب المندب لا يمثل ممراً سعودياً خاصاً، بل يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل بوابة رئيسية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

ولهذا فإن أي تهديد لحركة الملاحة في المضيق لا يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشرة، بل يمتد إلى شركات الشحن والأسواق العالمية.

ويتمتع الحوثيون بموقع جغرافي استراتيجي قريب جداً من مضيق باب المندب، حيث تسيطر قواتهم على شريط ساحلي واسع على الساحل الغربي لليمن، وتبعد أبرز نقاط سيطرتهم (مثل المخا ومناطق في الحديدة) ما بين 20 إلى 50 كيلومتراً فقط عن الممر الرئيسي للمضيق.

لماذا أعلن الحوثيون هذه الخطوة؟

يربط المحلل السياسي الأردني خالد شنيكات، في تصريح لـ"عربي21"، توقيت الإعلان بالتطورات المتسارعة في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الخطوة جاءت في ظل تصاعد احتمالات اتساع المواجهة بين الطرفين.

وقال شنيكات إن إغلاق إيران لمضيق هرمز، في حال حدوثه، قد يجعل تحرك الحوثيين في باب المندب "مساندة غير مباشرة لإيران"، مشيراً إلى أن طهران وحلفاءها قد يستخدمون الممرات البحرية كورقة ضغط في مواجهة واشنطن وحلفائها.

وأضاف أن الإعلان الحوثي يمكن قراءته ضمن حسابات تفاوضية ومقايضة سياسية محتملة، مبنياً على فكرة مقايضة الحظر الذي تفرضه السعودية بحظر يفرضه الحوثيون، بحيث يُطرح رفع الحظر عن السعودية مقابل رفع الحظر عنهم كجزء من عملية تبادل ومساومة.

وأوضح أن التهديد بالملاحة لا يحتاج بالضرورة إلى تنفيذ إغلاق كامل حتى يحقق أهدافه، موضحاً أن ارتفاع المخاطر الأمنية وحده قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والنقل، ويدفع بعض الشركات إلى تغيير مساراتها.

وأشار شنيكات إلى أن قدرة الحوثيين لا ترتبط فقط بمنع السفن من العبور، بل بقدرتهم على تحويل المضيق إلى منطقة عالية المخاطر، وهو ما يمنحهم تأثيراً يتجاوز حجم قدراتهم البحرية التقليدية، لافتاً في هذا السياق إلى أن هذه التطورات تعكس أيضاً تماسك جبهة "محور المقاومة" الذي يضم إيران والجماعات المسلحة في العراق واليمن وصولاً إلى حزب الله وحركة حماس.

في المقابل، أكد قائد قوات الدفاع الساحلي التابعة لـ"الحوثي"، اللواء محمد علي القادري أن قرار حظر الملاحة على السفن المرتبطة بالسعودية دخل حيز التنفيذ فور صدور بيان المتحدث العسكري العميد يحيى سريع، مشيراً إلى أن "القوات اليمنية باتت تمتلك من القدرات البحرية ما يمكّنها من تنفيذ هذا القرار".

وطرح القادري على الرياض خيارين لا ثالث لهما: إما رفع الحصار المفروض على اليمن والتوقف عن التدخل في شؤونه، وإما الاستمرار في مسار التصعيد، مؤكداً أن الجماعة "جاهزة لتطبيق معادلة الحصار بالحصار والموانئ بالموانئ"، ومحذراً من أن اثني عشر عاماً من الصراع لم تُضعف القدرة العسكرية اليمنية، بل دفعت نحو تطويرها وإعادة تشكيل معادلات الردع.

رسالة للسعودية أم للعالم؟

ورغم أن الحوثيين أعلنوا استهداف السفن المرتبطة بالسعودية، فإن اختيار باب المندب يحمل دلالات تتجاوز الرياض، بسبب أهمية المضيق في حركة التجارة العالمية.

فالمضيق الذي يفصل بين اليمن وجيبوتي يعد ممراً رئيسياً للسفن القادمة من المحيط الهندي باتجاه البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعله جزءاً أساسياً من الطريق البحري الذي يربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية.

وتظهر تجربة الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر خلال الفترة الماضية أن التأثير لا يحتاج إلى توقف كامل للملاحة، إذ إن مجرد وجود تهديد أمني دفع شركات شحن عالمية إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، رغم ما يعنيه ذلك من زيادة في الوقت والتكاليف.

وتبرز الأهمية الاستراتيجية لباب المندب بحجم حركة النفط التي تمر عبره، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية EIA أن نحو 4.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية تمر من خلاله.

فيما تُشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن مضيق هرمز وحده يمرر ما يعادل نحو 20 بالمئة من استهلاك العالم للنفط. وفي حال تزامن الضغط على الممرين، فإن العالم سيكون أمام اضطراب غير مسبوق في شرايين الطاقة والتجارة معاً.

اظهار أخبار متعلقة



هل يستطيع الحوثيون إغلاقه فعلياً؟

يرى العميد السعودي المتقاعد فيصل الحمد، في تصريحات لقناة "العربية"، أن فرض إغلاق كامل لمضيق باب المندب يواجه تحديات كبيرة، لأن المضيق ممر دولي تتداخل فيه مصالح قوى إقليمية ودولية عديدة.

وقال الحمد إن المنطقة تشهد وجود قوات بحرية متعددة، من بينها القوة المشتركة "CTF-153"، والعملية الأوروبية "أسبيدس"، إضافة إلى التحالفات البحرية التي تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب القدرات البحرية للدول المطلة على البحر الأحمر.

وأضاف أن هذا الانتشار يجعل السيطرة الكاملة على المضيق أمراً بالغ الصعوبة، لأن أي محاولة لإغلاقه ستواجه بردود فعل عسكرية دولية لا يمكن للحوثيين تحمل تبعاتها بشكل كامل.


لكن دانيال ديفيس، المقدم المتقاعد في الجيش الأمريكي، أشار في تحليلات نشرها عبر قناته في "يوتيوب" إلى أن التجربة السابقة في مواجهة الحوثيين أظهرت صعوبة تحقيق نتائج حاسمة عبر القوة العسكرية وحدها.

وقال ديفيس إن الحملات الجوية ضد الحوثيين لم تؤد إلى القضاء على قدراتهم الصاروخية، وإن الجماعة تمكنت خلال السنوات الماضية من تطوير وسائلها الهجومية والاستمرار في تهديد الملاحة.

وأضاف أن تكلفة محاولة ردع الحوثيين قد تكون مرتفعة مقارنة بالنتائج، في إشارة إلى أن امتلاك جماعة غير حكومية قدرة على تهديد سفن متطورة يخلق معادلة مختلفة عن المواجهات التقليدية.

كيف يمكن إغلاق باب المندب دون إغلاقه؟

تكمن أهمية تهديد باب المندب في أن تعطيل الملاحة لا يحتاج بالضرورة إلى إقامة حصار عسكري شامل.

ففي قطاع الشحن، يكفي أحياناً ارتفاع مستوى المخاطر حتى تبدأ النتائج الاقتصادية بالظهور، سواء عبر ارتفاع أقساط التأمين أو تغيير مسارات السفن أو زيادة تكاليف الحماية.

ولهذا فإن قدرة الحوثيين على استهداف سفينة واحدة أو بضع سفن أو تهديد حركة الملاحة بشكل متكرر قد تحقق جزءاً من الهدف، حتى من دون منع كل السفن من المرور.

وقال الضابط الأمريكي المتقاعد دانيل ديفيس، إن "قوة الحوثيين تكمن في قدرتهم على خلق حالة من "الرعب" تدفع شركات التأمين لرفع الأسعار والأطقم للهرب، وهو ما يحقق الإغلاق الفعلي للمضيق".

وذكر ديفيس أن البنتاغون وصل إلى قناعة بأن محاولة فتح المضيق عسكرياً "لا تستحق العناء"، لأن الخصم لا يحتاج للسيطرة على المضيق، بل يكفي جعله بيئة غير آمنة لاستنزاف الموارد الغربية في عمليات اعتراض مكلفة لصواريخ رخيصة.

باب المندب أم هرمز.. أيهما أكثر خطورة؟

غالباً ما تتم مقارنة باب المندب بمضيق هرمز، لكن طبيعة تأثير كل منهما مختلفة.
فمضيق هرمز يمثل شريان الطاقة الرئيسي في الخليج، ويمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب واسع فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وأسعار النفط.

أما باب المندب، فتتركز أهميته في التجارة العالمية، باعتباره حلقة أساسية بين المحيط الهندي وقناة السويس، ما يجعل تأثير تعطيله أكبر على حركة الحاويات وسلاسل الإمداد.

ويرى دانيال ديفيس أن طبيعة باب المندب الجغرافية تمنح أي طرف يمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة قدرة على تهديد الملاحة فيه، بسبب ضيق الممر وقرب مناطق إطلاق محتملة منه.

لكن ذلك لا يعني أن تداعياته مماثلة لمضيق هرمز؛ فالأخير يرتبط بصورة مباشرة بالطاقة، بينما يرتبط باب المندب بصورة أكبر بالتجارة العالمية.

اظهار أخبار متعلقة



أهمية إضافية للسعودية

تزداد أهمية باب المندب بالنسبة للسعودية بسبب ارتباطه بمسارات تصدير النفط البديلة.

ففي حال تعرض مضيق هرمز للخطر، تعتمد الرياض على خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يوفر منفذاً بديلاً عن الخليج.

لكن استمرار التهديد في باب المندب يضع هذا المسار أمام تحد إضافي، لأن وصول الصادرات عبر البحر الأحمر إلى الأسواق العالمية يعتمد على أمن الملاحة جنوباً باتجاه قناة السويس.


التعليقات (0)