عاد التصعيد العسكري مجددا إلى إقليم الشرق
الأوسط، مع تجدد الضربات الأمريكية على
إيران لليلة التاسعة على التوالي مساء
الأحد، ورد طهران باستهداف المصالح والمنشآت والقواعد العسكرية الأمريكية بالخليج
العربي، والتي طالت بالأيام الماضية أراضي الكويت، والبحرين، والأردن.
التصعيد الجديد، طالت آثاره
مصر بشكل فوري
ومباشر، حيث أنه وبعد إعلان مجموعة "ميرسك" الدنماركية 13 تموز/يوليو الجاري،
عودة خدمة الشحن (WAF6) للمرور عبر قناة
السويس، أعلنت إيران استهداف
مسار النفط والتجارة العالمية ردا على أي استهداف أمريكي محتمل لمنشآت الطاقة والكهرباء
لديها، وطلبت من جماعة "الحوثي" باليمن الاستعداد لإغلاق مضيق
باب المندب،
ما يؤثر على حركة المرور بقناة السويس.
غياب عن أزمة الحليف
وأثارت زيارة رئيس الإمارات محمد بن زايد،
لمصر، ولقائه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بمدينة العلمين 13 تموز/ يوليو الجاري وسط
التصعيد العسكري الجديد، التكهنات حول احتمال استعانة الحليف الإماراتي والممول
الأكبر لحكومة القاهرة، بالقدرات العسكرية
المصرية، وعدم الاكتفاء بوجود مفرزة مقاتلات جوية مصرية بأراضيه كشف عنها لقائه بالسيسي،
في أبوظبي 7 أيار/مايو الماضي.
وفي السياق ذاته، جاءت زيارة السيسي، البحرين،
الثلاثاء الماضي، ولقاء الملك حمد بن عيسى، وسط استهداف إيراني لـ"قاعدة الشيخ
عيسى الجوية" بالبحرين، ما دفع للتساؤل عن غياب القاهرة عن دعم داعميها
الخليجيين منذ 2013، وخاصة السعودية والإمارات والكويت وقطر الدائنة لها بودائع بقيمة
20.4 مليار دولار ، والمالكة لصناديق سيادية وشركات هي الأكثر استثمارا لديها.
وإزاء التصعيد الإيراني مع دول الخليج، وإعلان
الحرس الثوري، أنه لن تمر قطرة واحدة من النفط أو الغاز أو الأسمدة الكيميائية عبر
مضيق "هرمز" دون تنسيق أو تصريح منهم، وتعرض إحدى محطات توليد الكهرباء وتحلية
المياه بالكويت لهجوم إيراني؛ لم تعلن القاهرة عن أية تحرك داعم للخليج.
اظهار أخبار متعلقة
تقوم القاهرة في المقابل، باتصالات مكثفة مع جانبي
الأزمة (واشنطن وطهران)، وتواصل الدعوة لعدم توسيع الصراع، فيما تُبقي وفق مراقبين،
على حالة التوازن مع إيران، وتقوم بالتواصل مع الحوثيين باليمن لتدارك أي تصعيد محتمل
بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
غياب مصري وحضور باكستاني
وذلك بخلاف باكستان، التي قادت مسار التفاوض (الأمريكي-الإيراني)
الشهور الماضية ومازالت تواصل ذات المسار، وفي الوقت ذاته أدخلت رسميا "اتفاقية
الدفاع" الموقعة أيلول/سبتمبر 2025، مع السعودية حيز التنفيذ في 11 نيسان/ أبريل
الماضي، ودفعت بقوة عسكرية باكستانية تضم طائرات مقاتلة ومساندة لـ"قاعدة الملك
عبدالعزيز" بالمنطقة الشرقية.
وفيما يراه البعض استفادة من الأزمة وحضور بديل
عن مصر، أجرت إسلام أباد مع الكويت، والبحرين، والأردن محادثات الشهر الجاري، لعقد
شراكات عسكرية واتفاقيات دفاعية، تتضمن تقديم دعم عسكري وتدريب، مقابل استثمارات وتعاون
بمجال الطاقة، وهو القطاع الذي يمثل لمصر أزمة مزمنة.
وفي حين رحب خبراء ومحللون بوجود تقارب (مصري،
تركي، سعودي، باكستاني) وتنسيق رباعي بالتزامن مع أزمة الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية)
على إيران التي اندلعت 28 شباط/فبراير الماضي، وتجددت الشهر الجاري، إلا أن
المردود من ذلك التحالف وفق رؤيتهم، لم يحقق المتوقع رغم ما للدول الأربعة من
إمكانيات مالية ومادية وعسكرية.
وبينما شهدت حرب الـ50 يوما بين أمريكا
ودولة
الاحتلال وإيران والتي توقفت بهدنة الشهر الماضي، انتقادات خليجية واسعة لغياب مصر
عن دعم الخليج، قادها مؤثرون ونشطاء إماراتيين وكويتيين وسعوديين، لم يشهد التصعيد
الجديد انتقادات مماثلة للقاهرة.
وتحدث خبراء ومحللون لـ"عربي21"، حول
أسباب خروج مصر المشهد والاكتفاء بلعب دور المراقب، وعدم إعلان نيتها التدخل
لحماية الخليج العربي رغم تكرار زيارة رئيس الإمارات لها وزيارة السيسي، لأبوظبي،
والمنامة والدوحة الأسبوع الماضي، ومن قبلهم مسقط أيار/مايو الماضي، وتقاربه مع
الرياض، وإعلانه الشهير "مسافة السكة" عام 2014.
اختلال إدارة القدرات
ويرى السياسي المصري عمرو عادل، أن "أزمة
مصر في الاختلاف الكبير بين القدرات الجيوسياسية والدبلوماسية من جهة، وبين قدرات النظام
المصري لإدارة هذه القوة من جهة ثانية"، مؤكدا لـ"عربي21"، أن "الوضع
بالمنطقة في غاية الخطورة وتأثيره سيكون كارثي على الأمن القومي المصري وليس فقط الاقتصاد".
وقال رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري
المصري، إنه "لا يمكن لأي نظام سياسي أن يشترك بمعركة واسعة النطاق كتلك المتوقعة
بالمنطقة وهو يدرك تماما أنه يمثل طبقة حاكمة مستبدة مستغلة ويحكم بالحديد والنار؛
لأنه يدرك تماما حجم قوته الحقيقية، فالجيوش تتحول إلى قوات حماية النظام وتفقد قدرتها
على المعارك الحقيقية مهما كان حجم الخطر، وتبقى المشاهد المسرحية هي المسيطرة".
ضابط الجيش المصري السابق، لفت إلى أن "أحداث
العقد السابق أكدت أنه مهما كان حجم المخاطر على مصر فلم تتحرك القوات سنتيمترا واحدا لحماية مصر، والنظام
العربي الخليجي يعلم ذلك جيدا ولا يستخدم النظام السياسي والعسكري المصري إلا لعرض
مسرحي ما"، مبينا أن "إغلاق مضيق باب المندب كليا أو جزئيا، مع توقف سلاسل
الإمداد، وتراجع السياحة، سيكون له تأثيره السيء للغاية على مصر".
وذهب للقول: "لكن هذه نهاية متوقعة لنظام
تحول إلى طبقة حاكمة منفصلة عن المجتمع، ونهاية متوقعة أيضا لقوى سياسية ارتضت الصمت
والتوقف عن النضال الحقيقي، لم يضيعها هي فقط، ولكنه في طريقه لتدمير المجتمع بأكلمه".
غياب الظهور لا يعني غياب الدور
من جانبه، أكد استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور
محمد زويل، أن "هذا الوضع يثير تساؤلات حول موقع مصر في التحولات الإقليمية، لكنه
ينطلق من فرضية مفادها أن غياب الظهور العسكري أو الإعلامي يعني غياب الدور، وهي فرضية
ليست بالضرورة صحيحة في العلاقات الدولية".
وقال لـ"عربي21": "أولا، لا توجد
دولة بحجم مصر لا يفترض أن تتحرك في أزمات بهذا التعقيد بمنطق ردود الأفعال أو تسجيل
المواقف الإعلامية، بل مفروض وفق حسابات تتعلق بالأمن القومي، والقدرات، والكلفة والعائد،
والالتزامات الإقليمية والدولية".
ولفت إلى أن "الربط بين الزيارات المتبادلة
وبين توقع تدخل عسكري أو أمني مباشر يبقى استنتاجا لا تؤيده أدلة معلنة حتى الآن؛ فاللقاءات
بين القادة قد تتناول ملفات متعددة، وليس من المنهج العلمي افتراض مضمونها دون قرائن
موثقة".
ويرى أنه "من الطبيعي أن تكون مصر معنية بأمن
الخليج والبحر الأحمر وحرية الملاحة، لكن هذا لا يعني بالضرورة الانخراط المباشر بأي
مواجهة عسكرية، فقد يكون تحقيق المصالح الوطنية عبر الدبلوماسية، والتنسيق الأمني،
ورفع الجاهزية، أكثر اتساقاً مع أولويات الدولة بمرحلة تتسم بحساسية اقتصادية وإقليمية".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد "أن أي اضطراب في مضيقي هرمز وباب المندب
ينعكس سلباً على اقتصاد مصر، بتراجع إيرادات قناة السويس، وارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين
والشحن، واضطراب سلاسل الإمداد، وهذه مخاطر ينبغي التعامل معها عبر سياسات اقتصادية
وأمنية واستراتيجية، وليس فقط عبر المقاربة العسكرية، وقد تكون المناورات المشتركة
الأخيرة مع تركيا في إطار الاستعداد الاستراتيجي".
وخلص للقول إن "تقييم دور مصر ينبغي أن يستند
لمعلومات موثقة عن التحركات السياسية والدبلوماسية والعسكرية، لا إلى حجم الظهور الإعلامي؛
ففي إدارة الأزمات كثير من الأدوار الفاعلة تتم بعيدا عن الأضواء، كما أن اختيار عدم
الانخراط العسكري قد يكون ببعض الأحيان قراراً استراتيجياً يعكس تقديراً للمصلحة الوطنية،
لا دليلاً على الغياب أو العجز".
قيود "كامب ديفيد"
أستاذ التاريخ والمؤرخ المصري الدكتور عاصم الدسوقي،
وفي إجابته على تساؤلات "عربي21"، قال إن "العالم العربي أصبح ضحية
مشروع (الشرق الأوسط الكبير) أو العظيم الذى يقسم بلاد العرب الــ 22 إلى 73 كيانا
طائفيا على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية".
وأوضح أنه "تمت صياغة هذا المشروع عام
1981، بعد اتفاقية (كامب ديفيد) 1979، والتي تحذر مصر من التدخل في سياسات إسرائيل
تجاه أية دولة عربية"، مبينا أنه "ولتدعيم هذه السياسة جاء التطبيع الذى
يجعل المطبعين عبيدا لأمريكا والصهيونية العالمية، وجاءت الثورة الإيرانية (الشيعية)
في هذا الإطار فزادت الفتنة".
وخلص للقول: "لكن في النهاية لا يمكن لمصر
الاستغناء عن قناة السويس، طالما ظلت مصر في قيود (كامب ديفيد)".
وضع ضعيف ومعقد
من جانبه، يظن الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى
الجمال، أن "العامل الأساسي في الموقف المصري الحالي هو حالة الاستدانة الشديدة،
والحالة المالية المتردية للميزانية المصرية، والتحسب من مخاطر انتفاضات اجتماعية نتيجة
لسياسات كثيرة".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أن
"النظام يرى أن هناك فرصة ممكنة لتكرار ما حدث أثناء حرب تحرير الكويت (إرسال
قوات مصرية عام 1991) وخفض دول (نادي باريس) ديون مصر بنسبة 50 بالمئة، ومحاولة لتسويق
دور مصر الاستراتيجي؛ لكن الذي حدث أن باكستان وتركيا سرقا هذا الدور المصري".
ويرى في الوقت نفسه أن "أوضاع مصر الاقتصادية
والاجتماعية لا تسمح لها بالدخول في مغامرات قد يكون نتيجة لها أن تنجذب نحو الخليج
فيتم مباغتتها من جهة أخرى، من إسرائيل أو الجنوب أو الغرب؛ لذا فالموقف المصري ضعيف
ومعقد، وأصبح لأول مرة لا مفر من أن يكون ثانوي في أزمات المنطقة".
تحولات التجارة والخسائر الاقتصادية
ويظل حجم خسائر مصر جراء حرب المضائق، وغلق مضيق
"هرمز" مجددا واحتمالات غلق مضيق "باب المندب"، وما يثيره من مخاوف
لدى الخليج العربي على مستقبل صادرات النفط، واحتمالات تحول مسارات التجارة بعيدا
عن قناة السويس، يبدو هناك تحركا مصريا بهذا الملف.
اظهار أخبار متعلقة
وفي 13 تموز/ يوليو الجاري، أعلن وزير النقل كامل
الوزير، تدشين "ممر التجارة العربي الشمالي" لربط أوروبا بالمشرق العربي،
عبر الأردن والعراق وسوريا مرورا بممر (العريش-طابا)، و"ممر التجارة العربي الجنوبي"
لربط أوروبا بدول الخليج عبر الأراضي المصرية ومينائي سفاجا ونيوم السعودي وباقي دول
الخليج.
لكن يبقى الحديث عن الخسائر الاقتصادية حاضرا،
فمع ما رصده محللون من تداعيات سلبية لحرب الـ10 أيام صيف 2025، ومواجهة الـ50
يوما على اقتصاد يعاني أزمات هيكلية وبنيوية خطيرة، يحذرون من تأثر: عائدات قناة
السويس التي فقدت 7 مليارات دولار بحرب غزة (2023-2025) وسجلت فقط 4.2 مليار دولار
العام الماضي، وتحويلات المصريين بالخارج التي بلغت 43.1 مليار دولار، بين يوليو/تموز
2025 إلى مايو/ أيار 2026.
وذلك بجانب احتمالات رفع أسعار الوقود الشهر المقبل،
في ظل تحرك سعر برميل البترول من 72 إلى 85 دولارا، ما يفاقم إلى جانب ارتفاع تكاليف
الشحن البحري بنحو 20 بالمئة، فاتورة تكلفة الواردات وخاصة المنتجات البترولية والغاز
الطبيعي، وبالتالي عجز الموازنة.