أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجر الثلاثاء، تجدد العمليات العسكرية ضد
إيران، بعد أيام من اعتباره مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران بحكم "المنتهية"، متهماً إيران بخرق التفاهمات المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز.
ومع عودة المواجهة العسكرية، تجددت التساؤلات بشأن الأسباب التي دفعت إدارة ترامب إلى التخلي عن المسار الدبلوماسي، وسط تقارير أمريكية وتحليلات غربية تحدثت منذ أسابيع عن ضغوط إسرائيلية ومحاولات لتقويض الاتفاق، في وقت كانت تل أبيب تنظر إلى المذكرة باعتبارها تهديداً لاستراتيجيتها القائمة على مواصلة الضغط العسكري على إيران وحلفائها.
ويثير ذلك تساؤلات حول مدى تأثير حكومة
الاحتلال الإسرائيلي في قرار استئناف الحرب، لا سيما أن إيران نفت إخلالها بمذكرة التفاهم، متهمة واشنطن بمحاولة خلق واقع جديد في مضيق هرمز. بينما اتهمت واشنطن طهران بأنها تهاجم سفنا تجارية باستمرار، ما أدى إلى انهيار التفاهمات.
تنبيه أمريكي مبكّر
قبل أسابيع من انهيار المسار التفاوضي، كشفت صحيفة "
واشنطن بوست" في تقرير نشرته في 19 حزيران/ يونيو، أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية حذرت إدارة ترامب من أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "من المرجح أن يتخذ خطوات تقوض جهود الرئيس الأمريكي للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع إيران".
وبحسب الصحيفة، خلصت التقديرات الاستخباراتية الأمريكية إلى أن تل أبيب كانت مصممة على مواصلة العمليات العسكرية ضد حزب الله في لبنان، رغم أن ذلك قد يهدد أحد البنود الأساسية في الاتفاق الناشئ بين واشنطن وطهران، والقاضي بوقف الأعمال العدائية.
وأضاف التقرير أن الخلاف بين الطرفين لم يكن متعلقاً فقط بإدارة العمليات العسكرية، بل باختلاف في الرؤية؛ إذ كانت إدارة ترامب تسعى إلى تثبيت اتفاق يوقف التصعيد ويفتح الباب أمام تسوية أوسع، بينما كان نتنياهو يفضل استمرار الضغط العسكري على إيران وحلفائها.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في لبنان أو رفض الانسحاب منه قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق الهش، فيما حذر أحد المسؤولين من أن "استمرار احتلال جزء من لبنان وصفة لكارثة"، لأن عدم الانسحاب الكامل يجعل احتمال تجدد المواجهات بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله شبه مؤكد.
ضربات لبنان.. هل مهدت لإفشال الاتفاق؟
ولم تقتصر المخاوف الأمريكية، وفق "واشنطن بوست"، على التقديرات الاستخباراتية، بل استندت أيضاً إلى تطورات ميدانية سبقت توقيع مذكرة التفاهم.
وأشار التقرير إلى أن نتنياهو أمر بشن ضربات جوية على بيروت في مناسبتين خلال فترة كانت فيها إدارة ترامب تحاول تثبيت الاتفاق، ما أدى إلى تصعيد مع إيران، قبل أن تتدخل واشنطن لاحتواء الموقف.
وأضاف أن مسؤولين إسرائيليين أصروا، حتى بعد توقيع المذكرة، على رفض الانسحاب من جنوب لبنان، مؤكدين أن القوات الإسرائيلية ستبقى هناك إلى حين نزع سلاح حزب الله، وهو ما اعتبره مسؤولون أمريكيون تهديداً مباشراً لاستمرار التهدئة.
هواجس نتنياهو
وربطت "واشنطن بوست" بين تشدد نتنياهو والاعتبارات الداخلية، مشيرة إلى أن تقديرات الاستخبارات الأمريكية رأت أن مستقبله السياسي بات مرتبطاً بإظهار أنه لن يتراجع عن المواجهة العسكرية أو يسحب القوات الإسرائيلية من لبنان، لأن أي انسحاب قد يفسره الرأي العام الإسرائيلي على أنه هزيمة.
وفي السياق نفسه، رأى تحليل نشره معهد "
تشاتام هاوس" في 1 تموز/ يوليو أن الحرب مع إيران كشفت اختلافاً جوهرياً بين رؤية ترامب ونتنياهو.
وبحسب التحليل، كان ترامب يبحث عن إنهاء سريع للصراع وتحقيق مكاسب سياسية من خلال التفاهمات، بينما كان نتنياهو يفضل استمرار الضغط العسكري على إيران وحزب الله.
واعتبر المعهد أن نتنياهو كان يراهن على أن يمنحه ترامب هامشاً واسعاً للتحرك العسكري في غزة ولبنان وإيران، إلا أن اتجاه الإدارة الأمريكية نحو تفاهمات مع إيران ولبنان حدّ من تلك الرهانات.
كما رأى التحليل أن نتنياهو قد يحاول استثمار الخلاف مع ترامب في الداخل الإسرائيلي، كما فعل خلال خلافه مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بشأن الاتفاق النووي الإيراني.
وأشار إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت أن شريحة واسعة من الإسرائيليين رأت أن سياسات ترامب باتت تضر بالمصالح الإسرائيلية، في حين صورت وسائل إعلام مؤيدة لنتنياهو الرئيس الأمريكي على أنه متردد وضعيف.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا أثار الاتفاق قلق إسرائيل؟
بحسب ما أوردته "واشنطن بوست" وتحليل "تشاتام هاوس"، تنظر دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية إلى أي اتفاق أمريكي مع إيران باعتباره قيداً على سياسة "الضغط الأقصى" ضد طهران، ويحد من هامش التحرك العسكري الإسرائيلي.
وفي المقابل، يرى محللون أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تخشى أن تؤدي العودة إلى المسار الدبلوماسي إلى تقليص المكاسب التي حققتها خلال فترة التصعيد.
وقال الباحث السياسي اللبناني بلال اللقيس، في تصريح خاص لـ"عربي21"، إن "هناك دوراً إسرائيلياً في الدفع نحو استمرار التصعيد، ولا يجب إنكار دور الجناح المتشدد داخل الإدارة الأمريكية أيضاً".
وأضاف أن بعض المسؤولين الأمريكيين يعتبرون بنود المذكرة "تراجعاً" عن الهيمنة الأمريكية، ولا يمكنهم القبول بها، مشيراً إلى أن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق باعتباره أسوأ من الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، لأنه جاء هذه المرة برعاية رئيس كانت تل أبيب تعول عليه.
وأوضح اللقيس أن "إسرائيل" تخشى التحولات المحتملة داخل الولايات المتحدة مستقبلاً، لذلك فهي معنية -بحسب تقديره- بدفع الأمور نحو مواجهة جديدة، خصوصاً في ظل هشاشة البيئة الإقليمية والدولية.
ويرى بلال اللقيس أن ترامب يعيش حالة من التناقض، فهو من جهة يواجه ضغوطاً من التيار المتشدد داخل إدارته ومن إسرائيل، لكنه من جهة أخرى يدرك أن أي تصعيد جديد قد يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية.
هل تستطيع تل أبيب جر واشنطن إلى الحرب؟
رغم النفوذ الإسرائيلي الواسع في السياسة الأمريكية، فإن قرار الحرب يبقى في نهاية المطاف رهناً بحسابات البيت الأبيض. ويرى الخبير الإيراني الأمريكي تريتا بارسي، أن استئناف الحرب لن يغير بالضرورة المعادلات الأساسية بين واشنطن وطهران، بل قد يعيد الطرفين في النهاية إلى طاولة المفاوضات.
وأشار بارسي في تحليل مطوّل أرسله إلى "عربي21"، إلى أن القيادة الإيرانية باتت مقتنعة خلال الأسابيع الأخيرة بأن واشنطن تتجه إلى استئناف الحرب، مستندة إلى تغير خطاب ترامب، والاتفاق الأمريكي الإسرائيلي اللبناني، وتسريب مطالب واشنطن خلال المفاوضات، وهو ما دفع طهران إلى الاعتقاد بأن المواجهة أصبحت مسألة وقت.
وقال إن الولايات المتحدة قد تتمكن عسكرياً من إضعاف قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، لكن ذلك سيستغرق وقتاً لا تملكه إدارة ترامب، في ظل ارتفاع الكلفة الاقتصادية واقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وتابع أن المخزونات النفطية العالمية أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب السابقة، وأن أي اضطراب جديد في إمدادات الطاقة قد يرفع أسعار الوقود ويزيد التضخم، ما قد ينعكس سلباً على شعبية ترامب.
وأضاف أن ترامب يواجه اليوم المعادلة نفسها التي واجهها في الحرب السابقة، لكنه بات يمتلك تجربة سابقة كان يفترض أن تساعده على تجنب تكرارها.