تواجه الحكومة البريطانية انتقادات حقوقية
وقانونية متزايدة بعد تأكيدها المضي في تنفيذ عمليات
ترحيل طالبي لجوء إلى
فرنسا،
رغم صدور حكم عن المحكمة العليا اعتبر أن سياسة تقليص الحماية الممنوحة لبعض طالبي
اللجوء الذين قد يكونون ضحايا للاتجار بالبشر مخالفة للقانون.
ويأتي القرار الحكومي في وقت تستعد فيه
وزارة الداخلية البريطانية لمواصلة الرحلات الجوية الأسبوعية التي تنقل طالبي لجوء
وصلوا إلى البلاد عبر القوارب الصغيرة في بحر المانش، ضمن اتفاق "واحد مقابل
واحد" مع فرنسا، وهو الاتفاق الذي يهدف إلى إعادة بعض المهاجرين إلى الأراضي
الفرنسية مقابل استقبال آخرين عبر مسارات قانونية.
وكان القاضي في المحكمة العليا البريطانية،
السيد شيلدون، قد أصدر الجمعة الماضية حكماً قضى بعدم قانونية سياسة اعتمدتها
وزارة الداخلية، تقضي بعدم إعادة النظر في قرارات أولية سلبية بشأن ادعاءات التعرض
للاتجار بالبشر بالنسبة لفئة من طالبي اللجوء المهددين بالترحيل إلى فرنسا.
ورغم الحكم القضائي، قالت مصادر في وزارة
الداخلية البريطانية إن العمليات التنفيذية ستستمر، مشيرة إلى أن الحكومة تعتزم
المضي في إجراءات الإبعاد، بينما أكدت الوزارة أنها ستطعن في القرار أمام المحاكم.
ترحيلات مستمرة رغم الحكم القضائي
ووفق تقرير لصحيفة "الغارديان"
البريطانية، تستأجر وزارة الداخلية رحلة جوية خاصة واحدة على الأقل أسبوعياً لنقل
عشرات طالبي اللجوء قسراً إلى فرنسا، على أن تغادر رحلة جديدة الخميس المقبل.
ويواجه عدد من الأشخاص المحتجزين تمهيداً
لترحيلهم مصيراً غامضاً، بعدما قالوا إنهم أبلغوا السلطات البريطانية بأنهم تعرضوا
للاتجار بالبشر أو الاستغلال، لكن هذه الادعاءات لم تؤخذ بعين الاعتبار قبل اتخاذ
قرارات الإبعاد.
ونقلت صحيفة "الغارديان" عن بعض
طالبي اللجوء المحتجزين قولهم إن السلطات "لا تستمع إليهم عندما يحاولون
إخبارها بأنهم ضحايا للاتجار بالبشر"، مضيفين أن الإجراءات تنتهي بترحيلهم
إلى فرنسا بغض النظر عن طبيعة الادعاءات التي يقدمونها.
وتثير هذه الحالات تساؤلات حول مصير مئات
الأشخاص الذين قد يكونون مشمولين بالحكم القضائي، سواء ممن يقبعون حالياً في مراكز
الاحتجاز تمهيداً لترحيلهم، أو ممن سبق إعادتهم إلى فرنسا بموجب الاتفاق.
المحكمة: حرمان الضحايا من إعادة النظر غير
قانوني
ويعود الجدل إلى تعديل أجرته وزارة الداخلية
البريطانية في أيلول/سبتمبر الماضي على الإرشادات المتعلقة بآليات التعرف على
ضحايا الاتجار بالبشر.
وبموجب التعديل، حُرم بعض طالبي اللجوء
المشمولين ببرنامج الإعادة إلى فرنسا من إمكانية طلب مراجعة القرارات الأولية
السلبية المتعلقة بادعاءات تعرضهم للاستغلال، بحجة أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي
إلى تأخير عمليات الترحيل لمدة لا تقل عن 30 يوماً.
لكن المحكمة العليا اعتبرت أن هذا الإجراء
يخالف الإطار القانوني المعمول به منذ عام 2013، والذي يهدف إلى ضمان حصول الأشخاص
الذين قد يكونون ضحايا للعبودية الحديثة أو الاتجار بالبشر على فرصة عادلة لإعادة
تقييم ملفاتهم.
وكشفت المعطيات المقدمة خلال القضية
القضائية أن نسبة كبيرة من القرارات الأولية السلبية بشأن طلبات الاعتراف بضحايا
الاتجار بالبشر يتم تغييرها بعد إعادة النظر.
ووفق البيانات الواردة في ملف القضية، فإن
نحو 80 بالمئة من الأشخاص الذين تلقوا قرارات رفض أولية بشأن طلباتهم خلال عام
2025 حصلوا لاحقاً على الاعتراف بهم كضحايا محتملين بعد مراجعة ملفاتهم، وهو ما
شمل 1525 شخصاً.
مخاوف من إعادة أشخاص يحتاجون للحماية
وترى منظمات حقوقية أن الحكم القضائي يسلط
الضوء على مخاطر التعامل مع قضايا الاتجار بالبشر باعتبارها عقبة إجرائية أمام
الترحيل، بدلاً من النظر إليها باعتبارها ملفات إنسانية وقانونية تحتاج إلى تقييم
مستقل.
وقالت إيما غين، مديرة منظمة "ميديكال
جاستس" التي تقدم الدعم القانوني والطبي للمحتجزين في قضايا الهجرة، إن عدداً
من طالبي اللجوء المشمولين باتفاق "واحد مقابل واحد" مع فرنسا هم من
الضحايا المحتملين للاتجار بالبشر.
وأضافت أن المطلوب بعد الحكم القضائي هو
ضمان تمكين هؤلاء الأشخاص من طلب مراجعة القرارات السلبية الأولية، والنظر بشكل
جدي في الأدلة الطبية المستقلة التي تقدمها المنظمات المختصة.
وأشارت إلى أن التعامل مع ادعاءات الاتجار
بالبشر باعتبارها مجرد محاولات لتأخير الترحيل قد يؤدي إلى إعادة أشخاص يحتاجون
إلى الحماية إلى ظروف لا تضمن حقوقهم الأساسية.
الحكومة: لن نسمح باستغلال قوانين الحماية
في المقابل، دافعت وزارة الداخلية
البريطانية عن سياستها، وقال متحدث باسمها إن "ادعاءات العبودية الحديثة التي
تقدم في اللحظات الأخيرة لا ينبغي أن تستخدم لإحباط عمليات ترحيل المهاجرين غير
النظاميين".
وأضاف أن الحكومة تعمل على إصلاح القوانين
"لوقف الادعاءات غير الموثوقة في اللحظات الأخيرة"، مع التأكيد على
تعزيز الحماية للأشخاص الذين يحتاجون إليها.
وأكدت الوزارة أن وزيرة الداخلية ستواصل
الدفاع عن موقف الحكومة أمام القضاء، وأنها ستتقدم بطعن ضد الحكم الصادر عن
المحكمة العليا.
وترى الحكومة البريطانية أن نظام الحماية
الخاص بضحايا الاتجار بالبشر أصبح يستخدم في بعض الحالات كوسيلة لتعطيل عمليات
الترحيل، خصوصاً ضمن سياسة التعامل مع طالبي اللجوء الذين يصلون عبر القوارب
الصغيرة من فرنسا.
اتفاق بريطانيا وفرنسا يواجه اختباراً
جديداً
ويأتي النزاع القضائي في ظل استمرار الجدل
السياسي في بريطانيا حول ملف الهجرة غير النظامية عبر بحر المانش، الذي أصبح أحد
أبرز الملفات الداخلية خلال السنوات الأخيرة.
وتسعى الحكومات البريطانية المتعاقبة إلى
الحد من وصول المهاجرين عبر القوارب الصغيرة، معتبرة أن هذه الرحلات تشكل ضغطاً
على نظام اللجوء وتفتح الباب أمام شبكات التهريب.
وفي المقابل، تواجه هذه السياسات انتقادات
منظمات حقوق الإنسان التي ترى أن الإجراءات الرادعة يجب ألا تأتي على حساب
الالتزامات القانونية تجاه طالبي الحماية والضحايا المحتملين للاستغلال.
وكان اتفاق "واحد مقابل واحد" مع
فرنسا قد جاء ضمن مساعي لندن وباريس لإعادة تنظيم حركة العبور عبر القناة
الإنجليزية، من خلال إعادة بعض الأشخاص الذين يصلون بطريقة غير نظامية إلى فرنسا،
مقابل استقبال آخرين عبر قنوات قانونية.
إلا أن التطبيق العملي للاتفاق بات يواجه
تحديات قانونية، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد من يحق لهم الترحيل ومن ينبغي أن يحصلوا
على حماية إضافية بسبب ظروفهم الإنسانية.
مواجهة مفتوحة بين الحكومة والقضاء
ويضع الحكم الأخير الحكومة البريطانية أمام
اختبار جديد بشأن مدى التزامها بالأحكام القضائية في ملف الهجرة، في وقت تصر فيه
على تشديد إجراءات ضبط الحدود.
وبينما تؤكد وزارة الداخلية أن الأولوية هي
منع إساءة استخدام نظام الحماية، تحذر المنظمات الحقوقية من أن السرعة في تنفيذ
عمليات الإبعاد قد تؤدي إلى تجاهل حالات حقيقية لضحايا الاتجار بالبشر.
ومع استمرار الطعون القانونية، يبقى مصير
مئات طالبي اللجوء الذين قد تشملهم تداعيات الحكم مرتبطاً بمسار المواجهة بين
الحكومة والمحاكم، وبقدرة السلطات البريطانية على الموازنة بين سياسات الهجرة
المشددة والالتزامات القانونية والإنسانية.
اظهار أخبار متعلقة