احتمالية تجدد القتال في اليمن.. مَن المستفيد؟

شريف أيمن
"من المناسب فتح قنوات اتصال مع الأطراف اليمنية بما فيها الحوثيون"- الأناضول
"من المناسب فتح قنوات اتصال مع الأطراف اليمنية بما فيها الحوثيون"- الأناضول
شارك الخبر
في 25 آذار/مارس 2015، أُطلق تحالفٌ عسكري من عشر دول تقوده السعودية يُعرف بـ"التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن" مستهدفا ما سماه التحالف "معاقل الحوثيين"، ثم بعد سنوات، في نيسان/أبريل 2023، أكد عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن محمد البخيتي توصل الحوثيين إلى تفاهم مع السعودية لوقف الحرب اليمنية، فتوقفت المواجهة المسلحة التي لا تفيد أي طرف عربي.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من وقف القتال، أعلنت، أمس 13 تموز/يوليو، وزارة الدفاع اليمنية التابعة للحكومة المعترَف بها دوليّاً والمدعومة من السعودية، أن القوات المسلحة اليمنية استهدفت مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط في الأرض اليمنية، وردَّ الحوثيون بقصف مطار أبها جنوب السعودية، بذريعة أن الهجمات كانت سعودية، وبالتالي بِتْنا على بوابة تجدد القتال العربي-العربي.

وأيّاً كان الموقف من الحوثيين وأدائهم السياسي، فلا بد من نزع فتيل القتال المسلح وعدم الانجرار وراءه، ومحاولة التوصل إلى تفاهمات عبر وسائل غير قتالية، لكن ما المطلوب من المملكة في هذا الوضع؟

ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون أن تشتعل المنطقة وتندلع الخلافات بين أطرافها، وإذا وُجِد طرف يمثل خطراً على المشروع الصهيو-أمريكي، فمن الأفضل أن يكون القتال الطويل بأيدي أبناء المنطقة لا بأيديهم

الحقيقة أن موقف المملكة منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة عام 2023 حمل جوانب عروبية كثيرة كانت محل ثناء، فكانت الداعية إلى مؤتمر الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكذلك ساهمت في تشكيل التحالف الثُّماني الإسلامي الذي أخذ عدة مواقف تساند الشعب الفلسطيني. ورغم بقاء انتقادات حادة لضعف الدور العربي وعجزه عن إيقاف حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، فإن مقارنة الدور السعودي بالإماراتي مثلاً يشير إلى فوارق جوهرية ومهمة في الرؤية والممارسة، ما يدل على تغير في السياسة الخارجية السعودية، وهذا التغيُّر يدفع إلى التفاعل مع السلوك السعودي الإيجابي والسلبي على السواء، بمحبة الناصح لا حقد الناقم.

ما يمكن قوله في التصعيد المحدود -حتى الآن- للطرف السعودي، باعتباره الطرف الأكثر تسليحاً والأقوى عسكريّاً، إن القوة تفرض المسؤوليات، وبالتالي إذا وُجدت معطيات ورَّطت المملكة في شن هذا الهجوم بنفسها، فإن تراجعها في استمرار المواجهة المسلحة لن يُعد نقيصة، ولن يمثِّل مؤشراً على ضعفها، بل سيكون وقف التصعيد محل اعتبار لدى المراقبين الحريصين على الصف العربي والإسلامي، أما إذا كان الهجوم يمنيّاً خالصاً دون تدخل سعودي فسيكون من المناسب فتح قنوات اتصال مع الأطراف اليمنية بما فيها الحوثيون، لإيضاح الموقف السعودي، ومطالبة الأطراف بالتوقف عن الاقتتال الداخلي، خاصة في ظل احتمالية تجدد القتال الإقليمي.

ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون أن تشتعل المنطقة وتندلع الخلافات بين أطرافها، وإذا وُجِد طرف يمثل خطراً على المشروع الصهيو-أمريكي، فمن الأفضل أن يكون القتال الطويل بأيدي أبناء المنطقة لا بأيديهم، وهذا ما نراه في تشكيل عصابات في غزة، وإمداد السلطة الفلسطينية بالسلاح لقمع الفلسطينيين في الضفة، وغزة من قبل، وكذلك في دفع الحكومة اللبنانية إلى مواجهة حزب الله، ومحاولة دفع الدول العربية إلى خوض مواجهة عسكرية مع إيران وأذرعها في المنطقة.

نتيجة الإنهاك الاقتصادي والعسكري في أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، فمن الأفضل أن يؤدي مكوّن عربي الدور المتمثِّل في مهاجمة الحوثيين وفتح جبهة تشغلهم عن الانخراط في مواجهة مع الاحتلال إذا تجدد القتال مع إيران أو توسَّعت العمليات العسكرية في لبنان أو قطاع غزة، وبالتالي سيكون أي دور ضد الحوثيين خادماً للاحتلال الصهيوني، لا المصالح العربية التي تتعارض أحياناً مع المصالح الإيرانية، لكن الفارق الأساسي أن المصالح الإيرانية لا تزال في الإطار السياسي، ولم تدخل في نطاق إعلان الرغبة في احتلال أراضٍ عربية، بينما يريد العدو الصهيوني إنشاء ما تُسمى "إسرائيل الكبرى"، وسبق أن دعا مسؤولون صهاينة إلى ترحيل الفلسطينيين إلى المملكة السعودية، وهي مطامع جغرافية واضحة وشديدة العدائية.

السعودية باتت تمثِّل مركز ثقل عربي مهم الآن، والقوة تلقي بمسؤوليات أكبر، ولا تمنح صاحبها تحلُّلاً من القيود التي تراعي المصالح المحلية أو الإقليمية، وعلى رأسها عدم الانزلاق إلى المواجهات المسلحة

ينبغي أن تقوم العلاقات الإقليمية على التكامل والتعاون، وإذا عمدت دولة إلى تعزيز مصالحها الإقليمية على حساب الغير، تتحول العلاقة إلى تنافس، أما إذا انتقلت إلى تهديد الأمن أو الدعوة إلى الاحتلال فإنها تنتقل إلى العداوة، ورغم الهجمات الإيرانية على الدول العربية، فلا يزال ممكناً وصف العلاقات معها في إطار التنافس أو حتى الخصومة، بما يسمح -بعد هدوء الأوضاع- بإمكانية استكمال العلاقات.

بل إن موقف الدول الخليجية يدور في هذا السياق حتى اليوم، فالموقف الدبلوماسي لم يتغير كثيراً من إيران، واكتفت دول خليجية بطرد الملحق العسكري وأفراد من السفارة الإيرانية، لكن لم تأخذ قراراً بطرد البعثة كاملة، وهذا يدل على أن الموقف الخليجي يدور في السياق المذكور.

بخلاف الموقف من إيران فإن الاحتلال الصهيوني عدو يقتل يوميّاً أهلنا في فلسطين ولبنان، ويعربد في سوريا وتونس وإيران، وإن وجد المجال للعربدة في أرض أخرى فلن يتوانى، وبالتالي تقوم العلاقة معه على أساس العداوة، فهو عدو اغتصب الأرض، وقتل أكثر من 140 ألف فلسطيني، أكثر من نصفهم في أقل من الثلاث السنوات الأخيرة، وسبق له احتلال سيناء المصرية، ويحتل اليوم الجولان السوري، وكامل فلسطين تقريباً، والجنوب اللبناني.

إن الحوثيين جماعة تابعة لإيران لا ريب في ذلك، لكن دورها خلال العدوان الذي تعرض له قطاع غزة، وباقي المحاور التابعة لإيران، وإيران نفسها، كان دوراً أكثر تقديراً من أدوار دول عربية أخرى تواطأت أو تقاعست عن القيام بدورها، ما يعني أنه توجد أرض مشتركة يمكن لأطراف الإقليم أن يقفوا عليها، وهي القضية الفلسطينية، وبالتالي علينا أن نبحث عن سُبُل التكامل في إطار من التنافس أو حتى الخلاف غير المسلح.

والسعودية باتت تمثِّل مركز ثقل عربي مهم الآن، والقوة تلقي بمسؤوليات أكبر، ولا تمنح صاحبها تحلُّلاً من القيود التي تراعي المصالح المحلية أو الإقليمية، وعلى رأسها عدم الانزلاق إلى المواجهات المسلحة، وحل الخلافات بالطرق السلمية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)