رحلة الهجرة وواقع المهاجرين اليوم

شريف أيمن
"أي ضرورة قاهرة تجعل المرء يخرج من وطنه ويذهب إلى رحلة موت؟!"- الأناضول
"أي ضرورة قاهرة تجعل المرء يخرج من وطنه ويذهب إلى رحلة موت؟!"- الأناضول
شارك الخبر
يحتفل المسلمون في بقاع الأرض بالذكرى الثامنة والأربعين بعد الأربعمئة والألف من الهجرة النبوية المباركة، ويتدارسون كل عام وقائع الهجرة ومعجزات الرحلة، ويعرف المسلمون جيداً أن لسادتهم من المسلمين الأوائل رحلتي هجرة إلى الحبشة في العام الخامس من البعثة النبوية، قبل رحلة القرار والاستقرار في يثرب المباركة.

فالتنقُّل حق طبيعي لا يختلف عن الحق في الحياة والتعبير والتملُّك، لكن الحق في التنقل بات مقيداً اليوم في بقاع الأرض؛ سواء الدول الأوروبية التي عسكرت حدودها، وشملت عسكرة الحدود دولَ جنوب البحر الأبيض المتوسط، أي دول الشمال الأفريقي، أم الدول العربية التي تحيا على ذكرى الهجرة كل عام، وفي الوقت نفسه ترفض المهاجرين!

يعني الوطن في نَفْسِ الإنسان مشاعر ارتباط، وَصِلات مع الأهل والأصدقاء، ومساحة من الاطمئنان بدرجة ما إلى وجود ما يمكن الاتِّكاء عليه وقت الضيق، ومن الأمور البديهية أن الإنسان لا يترك هذا كله إلى مكان آخر لا يُكِنّ له مشاعر، ولا يرتبط فيه بصِلَة مع أحد أو مع بضعة أشخاص فقط، ويعيش في مجهول لا يعرفه فيه أحد، لا يفعل الإنسان هذا إلا إذا كان مضطراً، ووَجَدَ ما أفقَدَه الأمان أو ضاق عليه الرزق، أو أي شيء من الكوارث الكبرى التي تجعل المرء يهدم حياته وينتقل إلى حياة أخرى، فإذا وقع الإنسان في حال الالتجاء والاضطرار، فكيف لمن يحمل في نفسه أي معنى قِيَمِيّ أن يَرُدَّ هذا المضطر ويعيده إلى مصدر الخطر!

الإنسان لا يترك هذا كله إلى مكان آخر لا يُكِنّ له مشاعر، ولا يرتبط فيه بصِلَة مع أحد أو مع بضعة أشخاص فقط، ويعيش في مجهول لا يعرفه فيه أحد، لا يفعل الإنسان هذا إلا إذا كان مضطراً

والأخطر من هذا أننا نجد في التقارير الدولية حوادث عنف تبلغ القتل والاغتصاب والسرقة لسالكي سُبُل الهجرة غير النظامية، ورغم ذلك فإن الناس لا يتوقفون عن سلوك هذا السبيل، فأي ضرورة قاهرة تجعل المرء يخرج من وطنه ويذهب إلى رحلة موت؟! وأي قسوة وغياب للقيم والأخلاق والدين والإنسانية تجعل أحداً يَرُدُّ سالك سبيل الموت؟!

بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد بلغ عدد اللاجئين حتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2025 نحو 41.6 مليون لاجئ، و9 ملايين طالب لجوء، و68.7 مليون نازح داخليّاً جراء النزاعات أو العنف داخل بلدانهم، كما يوجد نحو 4.5 مليون شخص من المحرومين من الجنسية ويفتقرون إلى الحقوق الأساسية كالحق في التعليم والرعاية الصحية والعمل وحرية التنقل. وبلغ عدد النازحين قسراً في جميع أنحاء العالم 117.8 مليون شخص، وذلك نتيجة الاضطهاد أو النزاعات أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الأحداث التي تُخلّ بالنظام العام على نحوٍ خطير. ووفقاً للإحصائيات فإنه يُجبر أكثر من شخص واحد من بين كل 70 شخصاً على وجه الأرض على الفرار.

على المستوى العربي، فإن تقرير حالة الهجرة الدولية في المنطقة العربية لعام 2025 الصادر عن الإسكوا بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، فقد جاءت الأرقام كالتالي:

* في عام 2024 أصبحت المنطقة العربية موطنا لـ44.5 مليون مهاجر ولاجئ (15 في المئة من الرقم العالمي)، في حين بلغ عدد المهاجرين واللاجئين من الدول العربية نحو 37.2 مليون شخص.

* الهجرة بين بلدان المنطقة هي توجه سائد، فنصف المهاجرين من البلدان العربية يبقون داخل المنطقة.

* شكَّل المهاجرون 9 في المئة من إجمالي السكان في المنطقة العربية في عام 2024.

* تعاني المنطقة العربية من نزوح داخلي كبير، إذ بلغ عدد النازحين داخليّاً 28 مليون نازح في عام 2023.

* من بين 37.2 مليون مهاجر ولاجئ من البلدان العربية، هاجر 18.1 مليون داخل المنطقة في عام 2024.

وفيما يتعلق باللاجئين، استضافت البلدان العربية، في عام 2023 نحو 3.26 مليون لاجئ مسجل لدى مفوضية شؤون اللاجئين، 64 في المئة منهم جاءوا من بلدان عربية أخرى. وفي الوقت نفسه، كانت البلدان العربية منشأً لـ9.2 مليون لاجئ مسجل لدى المفوضية، 23 في المئة منهم بقوا في المنطقة. وبشكل منفصل، تظهر أحدث الأرقام الصادرة عن الأونروا أن ما يقرب من 6 ملايين لاجئ من دولة فلسطين وحدها استضيفوا في المنطقة في عام 2023.

وأول 10 ممرات تنقُّل داخل المنطقة تنطلق من مصر وفلسطين والسودان وسوريا واليمن، وتساهم مصر في ثلاثة من هذه الممرات، وتساهم فلسطين والسودان وسوريا في ممرين، ونتيجة العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية، كان أهم ممر عام 2024 الذي تكوَّن من فلسطين والأردن واستخدمه 2.379 مليون مهاجر.

في عام 2024 ظلت أوروبا الوجهة الرئيسية للمهاجرين واللاجئين الوافدين من المنطقة العربية (لأولئك الذين ينتقلون إلى خارج المنطقة العربية)، إذ تخطّت نسبتهم 37 في المئة (أو 13.8 مليون مهاجر). وتعد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الوجهة الثانية الأكثر شيوعاً، إذ تستقطب نسبة 8 في المئة من المهاجرين واللاجئين الوافدين من المنطقة العربية. وتعد أمريكا الشمالية ثالث أكثر الوجهات شيوعا، إذ تمثل 4 في المئة من المهاجرين من المنطقة العربية.

هذه الأرقام تتداخل مع رقم شديد الأهمية، إذ تبلغ إجمالي التحويلات الواردة من الخارج إلى الدول العربية 66,249 مليار دولار، سواء من مواطني الدول العربية (المهاجرين أو اللاجئين أو المتنقلين بشكل عام لظروف الدراسة أو العمل أو غيرها) أو غير المواطنين، وذلك وفقاً لبيانات البنك الدولي نهاية عام 2021، وتنال مصر وحدها 31,487 مليار دولار من التحويلات الخارجية، ما يعني أن حركة التنقُّل عموماً تدر دخلاً مهمّاً للدول المأزومة اقتصاديّاً.

إن الهجرة -في ذكراها العطرة- فعل اضطراري، يجسده قول النبي الكريم لوطنه مكة: "واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ ولولا أن أَهْلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ"، ومرارة الألم في حبه للأرض وإجباره على تركها، وهكذا كل مهاجر يترك أرضه، فقد تكون أحبُّ البقاع إليه، لكن عَرَضَ عارض اضطره لترك الأرض وما يجمعه بها، وواجب الإنسانية والأخلاق والدين إيواء المضطر لا إبعاده ونفيه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)