إسرائيل تعربد في فلسطين والعرب يتقاتلون على باب المندب

شريف أيمن
إن نهضة المنطقة، إن كانت في بال حكامها العرب وإيران، مرهونة بالتصدي لعربدة العدو الصهيوني، لا التصدي للمكونات الطبيعية في المنطقة.. الأناضول
إن نهضة المنطقة، إن كانت في بال حكامها العرب وإيران، مرهونة بالتصدي لعربدة العدو الصهيوني، لا التصدي للمكونات الطبيعية في المنطقة.. الأناضول
شارك الخبر
في المقال السابق، تحدَّث كاتب هذه السطور عن خطورة الاقتتال بين الحوثيين والسعودية، واليوم أصبحت الأمة أمام مواجهة عربية-عربية، أطرافها في السعودية واليمن والعراق، وبِتْنا نقترب خطوة أخرى من القتال الطائفي، والتورط في مواجهة خليجية - إيرانية، وبالطبع ستُحشَد لها خطابات عن "الشيعة الروافض" و"السُّنة النواصب"، وسيقف مجرم الحرب نتنياهو مستمتعًا ومشاهدًا لنتيجة دعواته التحريضية ضد مكونات هذه الأمة منذ عام 1996.

لا يمكن تصديق أن إيران لم تدفع أذرعَها في العراق للمشاركة في تخفيف الضغط على الحوثيين، وبدلًا من سعي الأطراف إلى احتواء الأزمة، باتت الخطوات تتسارع لتعميقها، ودحرجة كرة من النار لا من الثلج، وربما تتعامل بعض الأطراف بمنطق ترامب؛ "الدفع إلى حافة الهاوية"، لكن هذه الأطراف ليست بقوة الولايات المتحدة التي (قد) تستطيع السيطرة على الأحداث
منذ أسبوعين، كتبتُ: "ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون أن تشتعل المنطقة وتندلع الخلافات بين أطرافها، وإذا وُجِد طرف يمثل خطرًا على المشروع الصهيو-أمريكي، فمن الأفضل أن يكون القتال الطويل بأيدي أبناء المنطقة لا بأيديهم، وهذا ما نراه في تشكيل عصابات في غزة، وإمداد السلطة الفلسطينية بالسلاح لقمع الفلسطينيين في الضفة، وغزة من قبل، وكذلك في دفع الحكومة اللبنانية إلى مواجهة حزب الله، ومحاولة دفع الدول العربية إلى خوض مواجهة عسكرية مع إيران وأذرعها في المنطقة. نتيجة الإنهاك الاقتصادي والعسكري في أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، فمن الأفضل أن يؤدي مكوّن عربي الدور المتمثِّل في مهاجمة الحوثيين وفتح جبهة تشغلهم عن الانخراط في مواجهة مع الاحتلال إذا تجدد القتال مع إيران أو توسَّعت العمليات العسكرية في لبنان أو قطاع غزة، وبالتالي سيكون أي دور ضد الحوثيين خادمًا للاحتلال الصهيوني، لا المصالح العربية التي تتعارض أحيانًا مع المصالح الإيرانية".

لا يمكن تصديق أن إيران لم تدفع أذرعَها في العراق للمشاركة في تخفيف الضغط على الحوثيين، وبدلًا من سعي الأطراف إلى احتواء الأزمة، باتت الخطوات تتسارع لتعميقها، ودحرجة كرة من النار لا من الثلج، وربما تتعامل بعض الأطراف بمنطق ترامب؛ "الدفع إلى حافة الهاوية"، لكن هذه الأطراف ليست بقوة الولايات المتحدة التي (قد) تستطيع السيطرة على الأحداث، معتمدة على أن توقفها عن العدوان سيتبعه توقف الطرف المقابل عن الهجوم، تجنبًا للقوة العسكرية الأمريكية الفتَّاكة، أمَّا حالة الاقتتال الإقليمي هذه، فلا يوجد فيها طرف يستطيع التحكم بالأحداث إذا خرجت عن السيطرة، وانتقل طرف من حافة الهاوية إلى الانزلاق فيها.

إذا كان المقال السابق ركَّز الخطاب على السعودية باعتبارها الطرف الأقوى، فإن وضع الاقتتال يجعل الخطاب للأطراف كلها؛ الحوثيين والسعودية وإيران، فكل طرف من الثلاثة مسؤول عن وقف التصعيد، وليست البطولة اليوم فيمن يقول إنه قادر على لَجْمِ "أخيه" المعتدي، فالسعودية مطالَبَة بوقف الهجمات وفتح قناة اتصال، والحوثيون مطالبون كذلك، حتى وإن كانوا يرون أنهم الطرف صاحب رد الفعل لا الفعل نفسه، والإيرانيون مطالبون كذلك بالدخول على خط التفاهم وتهدئة الأطراف المؤيدة لها في المنطقة.

ليس منطقيًّا أن ينشب الكيان الصهيوني مخالبه في جسد المنطقة، ونجد أطرافًا تتعرض للهجوم، أو مستهدَفةً مع الزمن، وتستمر في الاقتتال بينها، والعدو الرئيسي منخرط في القتال.

ويجدر التنبيه إلى أن الأمريكيين قد يكونون يربطون امتيازات ومصالح لأطراف في المنطقة، كالسماح ببناء مفاعل نووي، مقابل الانصياع لمطالبهم، ومهما كانت المغريات، فإن الأمريكان لا يفعلون شيئًا لصالح المنطقة وأبنائها، بل يفعلون ما يفيدهم وحدهم، كما أنهم سادة التراجع عن الوعود والاتفاقيات مع الأطراف الأضعف منهم، استنادًا إلى فارق القوة.

ليس منطقيًّا أن ينشب الكيان الصهيوني مخالبه في جسد المنطقة، ونجد أطرافًا تتعرض للهجوم، أو مستهدَفةً مع الزمن، وتستمر في الاقتتال بينها، والعدو الرئيسي منخرط في القتال.
هذه الأزمة لن يتحمل طرف واحد تبعاتها، بل المنطقة بأسرها، فإغلاق باب المندب نتيجة الصراع، وتدمير أصول إنتاج الثروة الإستراتيجية الخليجية النفطية، وتأجيج الصراع الطائفي بين الشعوب، والاقتتال العربي-العربي، أو الاقتتال الإقليمي، ذلك كله ليس في مصلحة أحد داخل المنطقة، سوى الاحتلال الصهيوني، وأمريكا المهووسة بقتل الضعفاء في فيتنام والعراق وأفغانستان والصومال، وكل بقعة تطالها يدها المخرِّبة.

وبالتالي ينبغي التوقف عن الانجراف في القتال لخدمة مصالح عدو للمنطقة وتاريخها وثقافتها وهويتها الحضارية والاجتماعية، وعلى أحد الأطراف أن يكون أكثر شجاعة بتقبُّلِ ضربة عسكرية دون رد حقنًا لمزيد من الدماء، وذلك -وحقِّ الله- ليس ضعفًا أو انهزامًا، بل هو قمة الوفاء للأمة التي تعاني من هجوم عسكري شرس، بعد هجمات ثقافية منذ نحو قرنين.

كذلك، يجدر التنبيه بأن هذا القتال الداخلي يحدث في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من الإجرام الصهيوني في كل بقعة من وطنهم المغتَصَب، خاصة في غزة التي فقدت نحو 70 في المئة من مساحتها، بعد التحريك الأخير لحدود ما يُسمى الخط الأصفر، والضفة الغربية التي تفقد كل يوم قطعة جغرافية من أرضها، ويعربد الاحتلال في كل بقاعها، دون ردع من السلطة الفلسطينية "المسلَّحة" نظريًّا، أو الدول العربية التي تكتفي ببيانات الشجب والتنديد، وتستمر في توثيق علاقتها بالعدو التاريخي للأمة، الذي لا يتورَّع عن إعلان نواياه في احتلال أراضٍ عربية تحت عنوان "إسرائيل الكبرى".

في السياق ذاته، تدور أحاديث عن احتمالية مشاركة سوريا في قتال ضد حزب الله اللبناني، ويقف النظام السوري الجديد بالمرصاد أمام خطوط إمداد حزب الله، وأيًّا كان العداء السابق بين شخوص هذا النظام الجديد وتنظيم حزب الله، فالعداء مع الكيان الصهيوني يجب أن يسبق أي عداوة أخرى، خاصة أن أي منطقة في العالم حدثت فيها نزاعات مسلحة بين أطرافها، وبعد سنوات من القتال أيقنت الأطراف المتحاربة خطورة الاستمرار في الاقتتال الإقليمي، ونشأت تحالفات وثيقة، أبرزها الاتحاد الأوروبي الذي تحاربت الدول الأعضاء فيه، وأسقطوا عشرات الملايين من القتلى والجرحى، ثم أدركوا خطورة ذلك، فبنوا نموذجًا للتعايش السلمي، وربما يكون نموذجًا معدوم الخلاف، إذ تنصب أغلب الخلافات على الأمور الثانوية لا الأساسية.

هذه الحالة توضح للأطراف المتقاتلة إمكانية التعايش بعد عداء، ولا بد من الاستفادة من تجارب الغير، وتجربة أوروبا معاصرة وليست تاريخية، ومن الحمق إغفالها واختيار السير على المسار نفسه بتحريض من العدو الصهيو-أمريكي.

إن نهضة المنطقة، إن كانت في بال حكامها العرب وإيران، مرهونة بالتصدي لعربدة العدو الصهيوني، لا التصدي للمكونات الطبيعية في المنطقة، إذ يجب التكامل بين هذه الأطراف، وهذه ليست نظرة حالمة، بل نظرة واقعية لمخاطر تحيط بنا، وبحاضرنا ومستقبلنا، وليس مقبولًا أن تعلو النزعة القومية على المصير المشترَك.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)