أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار
بن غفير، الأسبوع الماضي، عن خطة لاستخدام "تماسيح النيل" حراساً لسجن
الأسرى السياسيين
الفلسطينيين، على أن يبدأ تطبيق هذا البرنامج في سجن
"كتسيعوت"، (المعروف فلسطينياً بمعسكر "أنصار 3")، وهو أكبر
السجون الإسرائيلية القابعة في صحراء النقب، والذي أُقيم سابقاً كمعسكر اعتقال
لآلاف الفلسطينيين خلال الانتفاضة الأولى بين عامي 1988 و1995.
ولتسهيل تنفيذ المشروع، أعلنت وزيرة حماية
البيئة، عيديت سيلمان، إعادة تصنيف تمساح النيل من حيوان بري إلى "حيوان بري
مُستزرع". وبموجب هذا التصنيف الجديد، سيتم إطلاق هذه التماسيح في خنادق
مائية تحيط بالمعتقلات الإسرائيلية التي يُحتجز فيها الفلسطينيون ويُعاملون فيها
معاملة لا ترقى إلى معاملة
الحيوانات.
لطالما وظّفت إسرائيل الحيوانات ضمن استراتيجياتها للسيطرة على الفلسطينيين وقمعهم، فضلاً عن محاولات "إعادة تشكيل" أرض فلسطين وفق رؤية توراتية متخيلة. ورغم أن القادة الصهاينة والإسرائيليين دأبوا على تشبيه الفلسطينيين بالحيوانات، فإن هذه "الحرب الحيوانية" تجاوزت المجاز والاستعارات اللفظية لتتحول إلى استخدام حيوانات حقيقية في عمليات القمع والتعذيب.
وقد استلهم بن غفير هذه الفكرة من مركز
احتجاز المهاجرين في فلوريدا بالولايات المتحدة المعروف باسم "سجن تماسيح
آلكاتراس" (نسبة إلى سجن آلكاتراس التاريخي الشهير الذي أقيم على جزيرة قبالة
ساحل مدينة سان فرانسيسكو بين عامي 1934 و1963 لمنع هروب المساجين)، إذ يقع هذا
السجن المروع، الذي زاره دونالد ترامب العام الماضي، وسط منطقة مائية شاسعة ذات
مناخ شبه استوائي تعج بالتماسيح الأمريكية (الأليغاتور) والتماسيح العادية
والثعابين الضخمة (البايثون). ويمكن تصنيف
مشروع بن غفير هذا بوصفه نموذجا على تبادل الخبرات القمعية بين الكيانات
الاستعمارية؛ حيث تستلهم مستعمرةٌ استيطانية أساليب الهيمنة والسيطرة من مستعمرةٍ
استيطانية أخرى.
لطالما وظّفت إسرائيل الحيوانات ضمن
استراتيجياتها للسيطرة على الفلسطينيين وقمعهم، فضلاً عن محاولات "إعادة
تشكيل" أرض فلسطين وفق رؤية توراتية متخيلة. ورغم أن القادة الصهاينة
والإسرائيليين دأبوا على تشبيه الفلسطينيين بالحيوانات، فإن هذه "الحرب
الحيوانية" تجاوزت المجاز والاستعارات اللفظية لتتحول إلى
استخدام حيوانات
حقيقية في عمليات القمع والتعذيب.
وفيما يتعلق بالتشبيهات، فقد دأب القادة
الصهاينة والإسرائيليون ـ على مدى عقود ـ على وصف الفلسطينيين بـ
"الحيوانات" بشكل عام، وإن كانوا يشبّهونهم أحياناً بأنواع محددة منها.
فعلى سبيل المثال، ولتبرير الإبادة الجماعية المستمرة، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي
يوآف غالانت الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية". وفي المقابل، احتار
وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان ـ في الستينيات وأوائل السبعينيات ـ في تحديد
الفصيلة الحيوانية، من الحشرات أو الثدييات، المناسبة أكثر لوصف للفلسطينيين،
فوصفهم بـ "الدبابير" تارة وبـ"الكلاب" تارة أخرى؛ من باب عدم
التمييز بين الأنواع.
وبحلول الثمانينيات، رفع رئيس الوزراء
الإسرائيلي مناحيم بيغن تصنيفهم إلى "وحوش تمشي على قدمين"، بينما خفّض
رئيس الأركان الإسرائيلي السابق رافائيل إيتان تصنيفهم مجدداً إلى
"صراصير". أما رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير فقد فضّل المملكة
الحشرية، واصفاً الفلسطينيين بأنهم "جنادب". من المفارقات أن رئيس
الوزراء إيهود باراك كان قد وصف الفلسطينيين في عام 2000 بأنهم
"تماسيح"؛ ويبدو أن خطة بن غفير الحالية ليست أكثر من جعل تماسيح حقيقية
تحرس تماسيح مجازية.
بعيداً عن التشبيهات والبلاغة، لا تُعدُّ
خطة بن غفير تدشيناً لسياسة جديدة؛ إذ تمتلك إسرائيل تاريخاً طويلاً في توظيف
الحيوانات لترهيب الفلسطينيين وإذلالهم. وفي الوقت الذي تسحق فيه آلة القتل
الإسرائيلية البشر وحيواناتهم دون تمييز، يواصل المستوطنون نهب الثروة الحيوانية
الفلسطينية؛ بل إن هذا التجريد قد امتد حتى للرموز البيئية حين استولت إسرائيل عام
2018 على الأفعى الفلسطينية المسماة "أفعى فلسطين" وأعلنتها
"الأفعى الوطنية" لإسرائيل.
يعود الاهتمام الصهيوني بالحيوانات - ولا
سيما الثعابين - إلى مؤسس المنظمة الصهيونية، ثيودور هرتزل، الذي رسم في يومياته
خططًا للتعامل مع السكان الأصليين وحيواناتهم. فبعد مناقشة كيفية طرد الفلسطينيين
واستبدالهم بمستوطنين يهود أوروبيين، كتب هرتزل: "إذا انتقلنا إلى منطقة توجد
فيها حيوانات برية لم يعتد عليها اليهود - كالثعابين الكبيرة وما إلى ذلك -
فسأستخدم السكان الأصليين، قبل نقلهم وتوظيفهم في الدول المجاورة، للقضاء على هذه
الحيوانات. و[سيقدم اليهود] مكافآت مجزية مقابل جلود الثعابين وبيضها". واليوم،
وبعد مرور ما يقارب من قرن ونصف على الاستعمار-الاستيطاني الصهيوني وعمليات الطرد
والتهجير، لا يزال الفلسطينيون - ومعهم ثعابينهم - موجودين في البلاد، وهو ما يمثل
أسوأ كوابيس إسرائيل ومستوطنيها اليهود.
خلال فترة الانتداب البريطاني، استقدم
المستعمرون البريطانيون الساديون كلاباً عنصرية مدربة جلبوها من جنوب أفريقيا
وأطلقوها على الثوار الفلسطينيين المناهضين للاستعمار داخل المعتقلات البريطانية
في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين؛ إذ كانوا يعمدون إلى تجويع الكلاب وإثارتها قبل
إطلاقها لتنهش لحوم السجناء.
ومنذ عام 1967، طوّر الإسرائيليون أساليب
مبتكرة في الحرب الفعلية على الفلسطينيين باستخدام الحيوانات. فقبل وقت طويل من
مشروع "الحراسة بالتماسيح"، استخدموا الكلاب والخنازير البرية والأغنام
والأبقار والغزلان والحمير البرية والطيور كأدوات للقمع، وما انفكوا يفعلون ذلك.
لقد أدت الأوهام التوراتية التي راودت
الجنرال في الجيش الإسرائيلي "أبراهام يوفي"ـ الذي أصبح لاحقاً أول رئيس
لـ "سلطة الطبيعة والحدائق" في إسرائيل- إلى إطلاق ما أسماه
الإسرائيليون "عودة" أو "إعادة توطين" أنواع حيوانية جاء
ذكرها في التوراة. وقد أُعيد اثنان من هذه الحيوانات إلى إسرائيل (على غرار
"عودة" اليهود) من إيران، حيث كانت فصيلتهما لا تزال حية هناك: وهما
الأيل الأسمر الفارسي والحمار البري الآسيوي. أُدخل الحمار البري إلى منطقة صحراء
النقب بين عامي 1982 و1987، وكان هدية لإسرائيل من حديقة حيوان الشاه في طهران قبل
سقوط نظامه؛ في حين جرى اختطاف أربعة من الأيائل السمراء بجرأة من بيئتها الطبيعية
و"إنقاذها" من إيران قبيل اندلاع الثورة الإسلامية، وبذلك تم
"تخليصها" من النظام الجديد.
أما الحمير البرية ـ التي ورد ذكرها في
"سفر أيوب" في التوراة- التي "أُعيد" توطينها في النقب، فقد
بدأت تتعدى على موائل جمال البدو الفلسطينيين. وقد أدت هذه الهندسة البيئية إلى
التضييق على البدو الفلسطينيين؛ إذ أصبحت الحمير البرية "العائدة" تتعدى
على مصادر مياه جمال البدو، وفرضت إسرائيل غرامات باهظة على الفلسطينيين بدعوى
"تعدي" مواشيهم على موائل تلك الحيوانات التوراتية. وفي الفترة ما بين
عامي 2018 و2019 وحدهما، فرضت إسرائيل غرامات على البدو الفلسطينيين تجاوزت 160
ألف دولار بسبب " تعدي" جمالهم على المناطق الجديدة التي تشغلها الحمير
البرية.
وفيما يخص الغزلان البرية، فقد اقترن مشروع
"إعادة توطينها" عام 2005 بتصفية أعداد كبيرة من الكلاب البرية في تلال
القدس؛ إذ عمدت السلطات الإسرائيلية إلى إعادة تصنيف هذه الكلاب من
"برية" إلى "شاردة/ضالة" لشرعنة إعدامها قانونياً بذريعة
حماية الغزلان. والمفارقة أن إعدام الكلاب وطرد الجمال الفلسطينية من موائلها
الأصلية ليس نهجاً منبتّاً في سياسات القمع الإسرائيلية، بل يحاكي بدقة المصير
ذاته الذي فرضته إسرائيل على الشعب الفلسطيني؛ وهو سلوكٌ يستهدف ـ كما تجادل
أستاذة القانون والمحامية البيئية إيروس برافرمان ـ إضفاء طابعٍ توراتي على الأرض
و"تهويدها" بيئياً وثقافياً. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى
تجريم الممارسة الشعبية المتمثلة في تربية طائر "الحسون" ـ وهو عصفور
يحظى بمكانة خاصة في فلسطين والمنطقة لجمال ألوانه وعذوبة تغريده ـ عبر تصنيفه
طائراً برياً يُحظر اقتناؤه.
حرب إسرائيل الحيوانية قد تجاوزت بكثير قصة الغزلان والحمير البرية وطيور الحسون؛ فمنذ عام 2009 ـ إن لم يكن قبل ذلك ـ بدأ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في استخدام الخنازير البرية كسلاح ضد الفلسطينيين عبر إطلاقها في التجمعات الريفية الفلسطينية بالضفة الغربية.
لكن حرب إسرائيل الحيوانية قد تجاوزت بكثير
قصة الغزلان والحمير البرية وطيور الحسون؛ فمنذ عام 2009 ـ إن لم يكن قبل ذلك ـ بدأ
المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في استخدام الخنازير البرية كسلاح ضد الفلسطينيين
عبر إطلاقها في التجمعات الريفية الفلسطينية بالضفة الغربية. وقد تكررت هذه
الجرائم في عامي 2014 و2022؛ حيث كان المستوطنون اليهود ينقلون هذه الخنازير في
شاحنات ويطلقونها بالقرب من البلدات الفلسطينية التي ـ بخلاف المستوطنات
الإسرائيلية غير القانونية والمحاطة بالأسوار ـ تظل مفتوحة ومعرضة لاجتياح
الخنازير.
وقد هاجمت الخنازير السكان والماشية وتسببت
في إصابات وتدمير للمحاصيل، في حين تحظر إسرائيل على الفلسطينيين قتلها باعتبارها
حيوانات محمية.
وتتواصل سياسة استخدام الحيوانات كسلاح رسمي
لدولة إسرائيل؛ ففي نيسان/أبريل 2025، أطلق الجيش الإسرائيلي 18 خنزيراً برياً في
قرية "إكتابا" الفلسطينية المحاصرة بالضفة الغربية، بالقرب من مخيم نور
شمس للاجئين. وكانت إسرائيل قد طردت سكان المخيم وبدأت في تدميره، وكان الهدف من
إطلاق الخنازير هو ترويع الفلسطينيين الساعين للعودة إلى ديارهم.
وإلى جانب مساعيها لإنقاذ الأيل الأسمر من
براثن ما سيصبح "الجمهورية الإسلامية" في إيران عام 1978، سعت إسرائيل
أيضاً لإنقاذ الحمير الفلسطينية في غزة من "عبودية" الفلسطينيين، وذلك
في الوقت الذي كانت ترتكب فيه إبادة جماعية بحق الفلسطينيين أنفسهم. يعتمد
الفلسطينيون في غزة على الحمير والخيول في التنقل، ونقل المياه، وجمع الحطب،
والزراعة، ونقل الصحفيين وفرق الإغاثة؛ مما يجعل سرقة الحمير جزءاً من جهود
الإبادة الجماعية الإسرائيلية. وقد سُرقت واختُطفت بضع مئات فقط من الحمير
الناجية، حيث أُبيدت أكثر من 97% من الثروة الحيوانية في غزة ـ بما في ذلك الأبقار
والأغنام والماعز والخيول والبغال والحمير ـ منذ بدء الإبادة الجماعية (عدا عن
تدمير 84% من الغطاء النباتي في القطاع).
في الضفة الغربية أيضاً، يشن المستوطنون
هجمات منتظمة تتضمن سرقة وقتل الماشية الفلسطينية. ويوثق تقرير صادر عن منظمة
العفو الدولية تفاصيل هذه "الحرب الحيوانية" التي تستهدف الماشية، بما
في ذلك استيلاء إسرائيل على أراضي الرعي الفلسطينية.
وفي حين قُتلت الكلاب الفلسطينية
"الضالة" لإفساح المجال أمام غزلان الأيل الفارسي الأسمر لتعزيز الطابع
"اليهودي" لإسرائيل، يجري استيراد كلاب أوروبية لمهاجمة الفلسطينيين، بل
واغتصابهم في الآونة الأخيرة. وتُعد هولندا -التي تُعتبر عدواً للشعب الفلسطيني
منذ عام 1948- مورداً رئيساً لهذه الكلاب الهجومية العنصرية. كما تستورد
"وحدة عوقتص" الإسرائيلية كلاباً من موردين أوروبيين آخرين وتدربها على
ترويع المدنيين؛ وقد وقعت أكثر من 146 هجمة من كلاب عوقتص بين تشرين الأول/أكتوبر
2023 وعام 2025، مما أسفر عن مقتل طفل فلسطيني مصاب بالتوحد داخل منزله وإصابة
العشرات. وقد كشفت جماعات حقوق الإنسان الكثير من التفاصيل عن هذه الحرب
"الكلبية" ضد الفلسطينيين.
والأكثر بشاعة هو أن إسرائيل دربت هذه
الكلاب العنصرية على اغتصاب الأسرى الفلسطينيين، وهو أمر كُشف عنه خلال العام
الماضي. حتى صحيفة "نيويورك تايمز" تكرمت أخيراً بنشر تقرير عن الكلاب
المغتِصبة التي دربتها إسرائيل، نظراً لحجم الفظاعات المرتكبة.
وحتى لا ننسى "إنسانية" القانون
الإسرائيلي تجاه الحيوانات البرية ـ على النقيض من تعامله مع الحيوانات والبشر
الفلسطينيين ـ تجدر الإشارة إلى أن القضاة "ذوي القلوب الرحيمة" في
المحكمة العليا الإسرائيلية كانوا من أوائل من حظروا إنتاج "فوا غرا"
(كبد الإوز المسمن) في عام 2003، وذلك لحماية الإوز والبط المدجّن من التعذيب
الناجم عن التغذية القسرية. وفي المقابل، تبيح المحكمة العليا الإسرائيلية تعذيب
"الحيوانات البشرية" الفلسطينية؛ وللمفارقة، في عام 2015، شرعنت إسرائيل
التغذية القسرية للأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام في معتقلاتها، وهي ممارسة
مدانة دولياً وتُصنف كنوع من التعذيب.
بناءً على مل سبق، فإن مشروع بن غفير
لاستخدام تماسيح النيل لحراسة "التماسيح البشرية" ليس أمراً غير مستهجن
فحسب، بل إنه يبرهن على حب إسرائيل "الإنساني" لكل أنواع الحيوانات
باستثناء "الحيوانات البشرية" الفلسطينية التي تصر على إبادتها ـ هذه
المرة عن طريق إطعامها لتماسيح النيل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.