في
خضم الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة، وامتدادها الإرهابي إلى الضفة
الغربية ولبنان، لا تواجه
المقاومة الفلسطينية واللبنانية آلة الحرب والإبادة
الإسرائيلية فحسب، بل تجد نفسها في مواجهة موازية مع نخبها المحلية التي تتماهى
وتتعاون مع هذا العدو.
تاريخياً
كان رد الفعل الشعبي والنخبوي على الغزو الاستعماري والسيطرة الإمبريالية في معظم
أنحاء العالم يتخذ أشكالا ثلاثة: (1) مقاومة جذرية تقودها أغلبية من الفلاحين
والعمال الفقراء، وينخرط فيها قطاع واسع من الطبقة الوسطى المدينية؛ (2) تعاون
براغماتي مع المستعمر يتبناه القطاع الأكبر من الطبقات الثرية وبعض فئات الطبقة
الوسطى، مدفوعين بذريعة أن مهادنة المستعمر قد تثمر عن تنازلات سياسية، وتجنب
المجتمع مواجهة مباشرة غير متكافئة يكون المستعمَر فيها هو الخاسر الأكبر؛ (3)
خضوع وتواطؤ تام يسلكه
قطاع آخر من النخب الثرية لكسب ودّ المستعمِر ونيل معاملة تفضيلية تميزه عن
منافسيه. وينطلق هذا السلوك من إدراك نفعي بأن استمرار الهيمنة الاستعمارية يضمن
بقاء هذه الطبقة في موقع "الوكيل المحلي" للمستعمِر.
وقد
سُجّلت هذه الاستجابات الثلاث في شتى أنحاء العالم المُستعمَر، وفي عالم ما بعد
الاستعمار، من آسيا إلى أفريقيا. وليس العالم العربي، ولا الفلسطينيون، استثناءً
لهذه القاعدة. فقد استجاب المجتمع الفلسطيني للاستعمار البريطاني والاستيطان
الصهيوني قبل النكبة متبعاً هذه الأنماط تماماً، وهو ذات المسار الذي أعاد إنتاج
نفسه في عصر ما بعد النكبة.
منذ
أوائل عشرينيات القرن العشرين، وعلى الرغم من الانقسامات التي نشبت بين الطبقات
الفلسطينية الثرية فيما بينها، إلا أنها اتفقت عموماً على رؤية مهادنة؛ مفادها أن
مقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني تتطلب "التعاون" مع سلطات الانتداب
البريطاني. وقادت هذا النهج "اللجنة التنفيذية العربية" و"المجلس
الإسلامي الأعلى"، وهما الهيئتان اللتان هيمنت عليهما عائلات مقدسية ويافاوية ثرية
بارزة. وفي المقابل، عارضت هذا المعسكر عائلات أخرى منافِسة (وعائلات استثنيت من
تلك الهيئات)، إلا أن معارضتها لم تكن بدافع المقاومة، بل ذهبت نحو التواطؤ الكامل
مع البريطانيين والصهاينة نكاية بغريمتها (اللجنة التنفيذية العربية). وأسست هذه
العائلات المتواطئة، بدعم وتمويل صهيوني وبريطاني مباشر، كيانات مثل "الحزب
الزراعي"، و"الجمعية الإسلامية الوطنية"، و"الحزب
الوطني" لاحقاً. وفي خضم هذا التكالب النخبوي، انحازت غالبية الفلاحين
والعمال للمقاومة الجذرية، وحظيت بدعم قطاع واسع من الطبقة الوسطى المدينية.
بدل أن تنصرف الجهود كلها إلى مواجهة المستعمِر، وهي المهمة التي تواصل قوى المقاومة الاضطلاع بها دون انقطاع، يجد الشعب الفلسطيني نفسه مضطراً إلى خوض معركة موازية ضد سلطة فلسطينية كرّست نفسها بالكامل لخدمة العدو وتحقيق مصالحه وتنفيذ إملاءاته
ونتيجة
لهذا الواقع أصيب مثقفو الطبقة الوسطى بخيبة أمل عارمة من أداء النخبة الفلسطينية الثرية
بشقيها: النخبة الصغرى المتواطئة علناً مع الاستعمار، والنخبة الأكبر التي تكتفي بـ"التعاون"
والمساومة مع البريطانيين. ودفع هذا الإحباط هؤلاء المثقفين إلى تأسيس حزبهم السياسي "حزب
الاستقلال" عام 1932، ليكون ظهيرا لمقاومة الفلاحين والعمال، ومطلقاً لحركة
حقوق مدنية تجلت في المظاهرات الشعبية. كان قادة الحزب الشباب وعناصره، مثل حمدي
الحسيني من غزة (لا تربطه صلة قرابة بعائلة الحسيني المقدسية) على اطلاع دقيق
بالنضالات المناهضة للاستعمار حول العالم، وخاصة الأحداث المتزامنة في الهند، حيث
شكّلت أنشطة غاندي مصدر إلهام لهم. ودعت قيادة الحزب الشابة، ومن بينهم الحسيني،
والمعلم والناشر الوطني عزة دروزة، والمدرس النابلسي الشاب أكرم زعيتر، والمحامي
عوني عبد الهادي (الذي شغل منصب سكرتير اللجنة التنفيذية العربية بعد عام 1928)،
إلى مقاطعة شاملة للحكام البريطانيين، اقتداءً بـ"مسيرة الملح" وبأساليب
العصيان المدني والمقاطعة التي قادها غاندي في الهند في آذار/مارس 1930. ولم
يمضِ وقت طويل على التأسيس حتى بدأ قادة "حزب الاستقلال" بمهاجمة النخبة
الطبقية الفلسطينية علناً، وفضح تواطئها مع الحكم البريطاني. ففي أول اجتماع
جماهيري للحزب بمنتصف كانون الأول/ديسمبر 1932، صدحت الأصوات مطالبة بالاستقلال
التام، والتنديد ببريطانيا والصهيونية، والدعوة للتحالف مع مصر والسعودية والعراق
المستقل حديثاً آنذاك.
كما
اتهم الحزبُ "اللجنةَ التنفيذية" بالتقاعس والعجز، مطالباً قادتها بقطع
كل أشكال التعاون مع الانتداب. وفي العام التالي (1933)، بلغت القدرة التعبوية
للحزب ذروتها تزامناً مع وصول القمع البريطاني، وسياسات الفصل العنصري الصهيوني،
وتهجير الفلاحين من أراضيهم، وتدفق الهجرات اليهودية، إلى مستويات غير مسبوقة وضعت
المجتمع الفلسطيني بأسره على حافة الانفجار.
وبعد فشل "حزب الاستقلال" في
إقناع اللجنة التنفيذية بتبني سياسة عدم التعاون مع سلطات الانتداب، أخذ الحزب
زمام المبادرة وحشد المظاهرات في تشرين الأول/أكتوبر 1933، تنديداً بالسياسات
البريطانية وتصاعد الهجرة والاستيطان اليهودي. وأمام هذا الضغط الشعبي رضخت
"اللجنة التنفيذية" في نهاية المطاف، ودعمت دعوات التظاهر، على الرغم من
"معارضة" النخب الثرية من الفصيل المتواطئ. وتدفقت الحشود بالآلاف في
مختلف أنحاء فلسطين، إذ شهدت يافا وحدها خروج نحو 8000 متظاهر، كان من بينهم 600 فلسطيني
هُجّروا قسراً من أراضيهم في منطقة وادي الحوارث، قبل ذلك بأشهر قليلة (في حزيران/يونيو)
على يد المستوطنين الصهاينة. وقد واجهت الشرطة البريطانية هذه المسيرات بحملة قمع
وحشية، مما أسفر عن مقتل 26 متظاهراً أعزل في يافا وحيفا، وإصابة العشرات.
وإثر ذلك، التقت مصالح المندوب السامي
البريطاني والنخب الثرية والحركة الصهيونية على هدف واحد هو تصفية "حزب
الاستقلال". ونجحت جهودهم المشتركة في تفكيك الحزب والقضاء عليه فعلياً بحلول
عامي 1934-1935، رغم أنه كان القوة السياسية الأكثر شعبية وجذرية في مناهضة
الاستعمار آنذاك.
ومع ذلك، لم تنطفئ جذوة الحراك؛ إذ تولى
النشطاء الشباب -ومن ضمنهم كوادر سابقة من الاستقلاليين ومؤتمر الشباب- قيادة
الشارع، وصعّدوا من ضغوطهم على النخب التقليدية للتخلي عن ارتهانها العقيم للوعود
البريطانية، وتبني استراتيجية العصيان المدني الشامل.
وبحلول عام 1936، انطلقت إضرابات متعددة
عارضتها القيادات الفلسطينية من الطبقات الثرية، ما عمّق الفجوة بينهم وبين الحركة
الشبابية، وبقايا حزب الاستقلال، وأنصاره من الطبقة العاملة.
وبينما كان الزعماء التقليديون الأثرياء
من النخبة يواصلون محادثاتهم العقيمة مع المندوب السامي البريطاني حول إنشاء
"مجلس تشريعي"، كانت القيادات الشابة -بقيادة استقلاليين مثل حمدي الحسيني
وبإسناد من عمال المدن- تنظم صفوفها، التي توجت بإضراب عام كبير أُعلن في 19 نيسان/أبريل
1936. استمر هذا الإضراب ستة أشهر متواصلة، مسجّلاً أطول إضراب عام في حينه. ومع
صعود الجماهير المنظمة -بقيادة الاستقلاليين وجماعات شبابية، من بينها جمعية الشبان
المسلمين- إلى واجهة المشهد السياسي، اضطر السياسيون التقليديون النخبويون (بمن
فيهم المفتي أمين الحسيني الذي عارض الإضراب في البداية) إلى ركوب الموجة الشعبية،
فأسسوا "اللجنة العربية العليا" بعد أسبوع واحد كائتلاف بديل للجنة
التنفيذية العربية التي انحلت في آب/أغسطس 1934 جراء الصراعات العائلية والفصائلية
المصلحية.
ورغم أن اللجنة العليا سعت جاهدة لتخفيف
حدة العصيان المدني، إلا أن المندوب السامي البريطاني سارع إلى تذكير هذه القيادات
التقليدية بالدور المناط بها، وهو كبح جماح الجماهير وضبط الشارع. واستمر تردد
المفتي أمين الحسيني في دعم الإضراب والثورة المسلحة الأوسع نطاقاً حتى صيف عام
1936. وفي تلك الأثناء، تفرغت النخب الفلسطينية لتأسيس أحزاب سياسية تتنافس على
استرضاء المستعمر البريطاني، بل إن الفصيل المتواطئ منها أسس علناً "حزب
الدفاع الوطني" لخطب ودّ الصهاينة وتأمين مصالحه الطبقية.
وفي نهاية المطاف، ووسط التزام الفلاحين
والعمال وشباب الطبقة الوسطى والمثقفين بالمقاومة، واستمرار تعاون النخبة وتواطؤ
جزءٍ منها، اندلعت "الثورة الفلسطينية الكبرى" واستمرت في النضال، وقد
أيدتها متأخرة بعض النخب من الأثرياء، ولم يتمكن التحالف البريطاني الصهيوني من
هزيمة الثورة في عام 1939 إلا بعد ممارسة سحق وحشي ممنهج، راح ضحيته أكثر من 9000
فلسطيني. وقد
قدم لهم الفصيل المتواطئ من عائلات النخبة الفلسطينية العون المباشر عبر تشكيل
عصابات عميلة عُرفت بـ"فصائل السلام"، والتي تولت مهمة طعن الثورة في
الظهر واستهداف وقتل الثوار. وهي الهزيمة الكارثية التي مهدت الأرض تماماً، بعد
تسع سنوات، لتمزيق المجتمع الفلسطيني ووقوع نكبة عام 1948.
وفي فترة ما بعد النكبة، شهدنا تكراراً
لهذه الديناميات. فمع انطلاق مد وطني فلسطيني سياسي منظّم جديد في أواخر
الخمسينيات من القرن الماضي، يقوده أبناء الفلاحين والعمال الفلسطينيين المهجرين،
وبعض أفراد الطبقة الوسطى، نضالاً تحول إلى حركة مقاومة مسلحة بحلول أواخر
الستينيات، سارعت النخب الفلسطينية الثرية إلى احتواء هذا الصعود واعتلاء الموجة
تحت ذريعة مساعدتها على اكتساب "شرعية دولية". وتوّجت هذه المساعي
بانتزاع اعتراف الأنظمة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 باعتبارها
"الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني".
وسرعان ما لعب المال السياسي المقدم من
الأنظمة العربية دورا حاسماً في ترويض منظمة التحرير الفلسطينية، التي سارت على
خطى النخب الفلسطينية من الطبقات الثرية ما قبل النكبة، فاتجهت إلى استرضاء
الولايات المتحدة والأوروبيين عبر "عقلنة" و"تخفيف" مطالبها
الوطنية. وسرعان ما فُتحت قنوات حوار سرية مع واشنطن وأخرى علنية مع أوروبا، لم
تُفضِ إلا إلى تقليص برنامج منظمة التحرير الفلسطينية السابق المتمثل في التحرير
الكامل إلى السعي وراء وهم "حل الدولتين".
وإذا كانت منظمة التحرير بعد عام 1974 قد
استنسخت دور "اللجنة التنفيذية" في العشرينيات عبر المراهنة على خطب ود
المستعمر لنيل التنازلات، فإن منعطف عام 1993 وتوقيع "اتفاقية أوسلو"
أحدثا تحولاً كيفياً؛ إذ انتقلت قيادة المنظمة لتلعب دور ذلك الجزء الآخر المتواطئ
علناً قبل النكبة، والمتمثل في "الحزب الزراعي" و"حزب الدفاع
الوطني" الذي ارتمى في أحضان الصهاينة والبريطانيين. وغدت السلطة الفلسطينية
الناشئة، بنسختها الحالية، صورة طبق الأصل من تلك القوى الوكيلة.
وخلال هذه المسيرة، سعت المنظمة بقيادة
عرفات ثم السلطة الوطنية من بعدها إلى إخماد أي محاولة لإحياء الإرث الكفاحي لـ"حزب
الاستقلال" والوارثين الشرعيين لثورة الفلاحين؛ وهي الجذوة التي حافظت عليها
تاريخياً قوى "جبهة الرفض" داخل المنظمة التي قاومت التسوية الإمبريالية
منذ السبعينيات، ثم حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وما تبقى
من اليسار المشتبك منذ أواخر الثمانينيات. وبلغت استراتيجية الإخماد هذه ذروتها في
الانقلاب الأمني والسياسي ضد حكومة حماس المنتخبة عام 2007، وهو الانقلاب الذي
هندسته الولايات المتحدة وإسرائيل بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، في إعادة إنتاج
دقيقة للمؤامرة الثلاثية ضد "حزب الاستقلال" في الثلاثينيات، حيث
استعارت أجهزة السلطة الأمنية عقيدة "فصائل السلام" البائدة في ملاحقة
المقاومين واغتيال ظهيرهم الشعبي.
أثبت التاريخ الفلسطيني مراراً أن سياسات الاحتواء والتدجين، مهما تنوعت أدواتها، لم تنجح في كسر الإرادة الوطنية أو تصفية مشروع المقاومة
هذا هو النفق
المظلم الذي زُجَّ فيه الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية منذ عام 1993؛ فبدل أن
تنصرف الجهود كلها إلى مواجهة المستعمِر، وهي المهمة التي تواصل قوى المقاومة
الاضطلاع بها دون انقطاع، يجد الشعب الفلسطيني نفسه مضطراً إلى خوض معركة موازية
ضد سلطة فلسطينية كرّست نفسها بالكامل لخدمة العدو وتحقيق مصالحه وتنفيذ إملاءاته.
وما الإبادة الجماعية المستمرة في غزة اليوم إلا الرد الإسرائيلي، المدعوم من
حلفائه الغربيين، على صمود المقاومة الفلسطينية واستمرارها. وفي الوقت الذي تواصل
فيه السلطة الفلسطينية حملات القمع والملاحقة ضد قوى المقاومة في مناطق الضفة
الغربية، تتواصل حرب الإبادة في غزة بلا هوادة. ويجري ذلك كله بدعم من جيش
الاحتلال الإسرائيلي ومستوطِنوه المسلحون.
غير أن هذه المواجهة المركبة ليست جديدة
على التاريخ الفلسطيني؛ فكما أخفقت النخب الإقطاعية والبرجوازية الثرية التي
تعاونت مع الإدارة البريطانية أو تواطأت مع المشروع الصهيوني خلال النصف الأول من
القرن العشرين في القضاء على روح المقاومة الشعبية، يواصل المتواطئون اليوم، ومعهم
الشرائح الاقتصادية المستفيدة من البنية السياسية القائمة، الإخفاق في تحقيق الهدف
ذاته. فقد أثبت التاريخ الفلسطيني مراراً أن سياسات الاحتواء والتدجين، مهما تنوعت
أدواتها، لم تنجح في كسر الإرادة الوطنية أو تصفية مشروع المقاومة.
وبعد أكثر من قرن من التنافس بين نهج
المساومة ونهج المقاومة، ومع استمرار إسرائيل في حربها التدميرية ورفضها إنهاء
الإبادة الجماعية، لا تزال الوقائع التاريخية تشير إلى أن المقاومة، رغم الكلفة
الباهظة التي تدفعها، تظل التعبير الأصدق عن الإرادة الفلسطينية وعن التطلع
المستمر إلى التحرر وإنهاء الاستعمار الاستيطاني.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.