الحملة الصهيونية العالمية ضد الاشتراكيين

جوزيف مسعد
"تحشد إسرائيل وحلفاؤها من اليمين والوسط الفرنسي كل إمكاناتهم لتقويض حملة ميلانشون الانتخابية القوية"
"تحشد إسرائيل وحلفاؤها من اليمين والوسط الفرنسي كل إمكاناتهم لتقويض حملة ميلانشون الانتخابية القوية"
شارك الخبر
لا أحد بمنأى عن الهجمة الصهيونية الحالية. تسعى القوى المؤيدة لإسرائيل جاهدة للقضاء على جميع القوى التقدمية في الدول الغربية، ولم تقتصر جهودها على مهاجمة النشطاء والجماعات، والجامعات ووسائل الإعلام، والمنظمات المجتمعية والفنانين، بل شملت أيضا السياسيين والحكومات. نجحت حملات الصهاينة في تقويض أي فرصة لفوز جيريمي كوربين (عندما كان رئيسا لحزب العمال) في الانتخابات البريطانية، واستهدفت السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز بتشويه سمعته وتمويل منافسيه، وهي الآن تلاحق المرشح الرئاسي الفرنسي التقدمي جان لوك ميلانشون، متهمة إياه بمعاداة السامية، إلى جانب اتهامات تشهيرية أخرى. كما استهدفت إسرائيل وأدواتها الحكومة الاشتراكية الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، من خلال دعم أحزاب المعارضة اليمينية، بما فيها حزب "فوكس" الإسباني المحافظ، وحشد العداء للحكومة الأيرلندية والسياسيين الأيرلنديين التقدميين في مراكز القوة في الولايات المتحدة.

ليست هذه تكتيكات صهيونية جديدة معادية للاشتراكيين، في الواقع، بما أن الحركة الصهيونية سوّقت نفسها لرعاتها الإمبرياليين حصنا منيعا ضد الاشتراكية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وبما أن رعاتها الإمبرياليين الغربيين قد تبنوها تحديدا أداة ضد الاشتراكية والشيوعية، فإن المناورات الصهيونية الأخيرة المناهضة للقوى السياسية التقدمية ليست سوى استمرار لهذا التاريخ الرجعي.

المناورات الصهيونية الأخيرة المناهضة للقوى السياسية التقدمية ليست سوى استمرار لهذا التاريخ الرجعي

وُلِدَ النشاط الصهيوني المناهض للاشتراكية مع الحركة نفسها. ففي محادثاته مع القيصر الألماني ووزرائه في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، أكد مؤسس المنظمة الصهيونية ثيودور هرتزل للألمان أن الصهيونية ستُبعد اليهود عن الاشتراكية: "من الحماقة أن ينضم اليهود إلى الحركة الاشتراكية، التي ستتخلص منهم قريبا". وأضاف أن القيصر "أُعجب عندما ذكرتُ حقيقة أننا في جامعة فيينا قد أبعدنا الطلاب عن الاشتراكية". كما أن الصهيونية ستُحفز اليهود على عدم الانضمام إلى المنظمات الثورية والمناهضة للقيصر: "كنا نُبعد اليهود عن الأحزاب الثورية".

في الواقع، كان العداء الصهيوني للشيوعية هو ما حسم التحالف مع بريطانيا المناهضة للبلشفية. ولم يكن توقيت وعد بلفور عام 1917 بدعم بريطانيا للصهيونية في سعيها لإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين -الذي صدر قبل خمسة أيام فقط من انتصار ثورة تشرين الأول/أكتوبر في روسيا- محض صدفة. فبناء على تقارير كاذبة من مخبرين صهاينة تفيد بأن معظم اليهود الروس كانوا من الصهاينة الذين قد يدعمون الاشتراكية لولا تعلقهم بالأهداف الصهيونية، ازداد قلق المسؤولين البريطانيين بعد ثورة شباط/فبراير بشأن دعم اليهود للحركة الاشتراكية. في نيسان/أبريل 1917، أرسل اللورد روبرت سيسيل، السكرتير البرلماني لوزارة الخارجية آنذاك، برقية إلى السفير البريطاني في بتروغراد يقول فيها: "نُصحنا بأن إحدى أفضل الطرق لمواجهة الدعاية اليهودية السلمية والاشتراكية في روسيا هي تقديم تشجيع واضح للتطلعات القومية اليهودية في فلسطين".

أدى انتصار الشيوعيين الروس إلى إزالة حافز رئيسي لهجرة يهود أوروبا الشرقية، مما عرّض الخطط البريطانية والصهيونية لفلسطين للخطر. وبتعهدها بتأمين "وطن قومي" لليهود في فلسطين، قدمت بريطانيا أيديولوجيا بديلة لثني اليهود الروس عن دعم الشيوعية. وردد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون نفس الآراء عند دعمه لوعد بلفور. ونبع دعمه من "قلق أمريكا إزاء انتشار الشيوعية بين يهود أوروبا الشرقية، وخاصة في بولندا، بعد ثورة أكتوبر في روسيا".

وتعزز الموقف الأمريكي في نهاية عام 1918، عندما ناقش بلفور قضية اليهود وفلسطين مع كبير مستشاري ويلسون، العقيد إدوارد إم. هاوس. وسجل هاوس في مذكراته أن بلفور "يميل إلى الاعتقاد بأن جميع أشكال البلشفية والفوضى تقريبا تُعزى مباشرة إلى اليهود. اقترحتُ توطينهم، أو على الأقل أفضل عناصرهم، في فلسطين، وتحميلهم مسؤولية السلوك المنظم لليهود في جميع أنحاء العالم. ورأى بلفور أن الخطة واعدة".

وقد تجلى هذا العداء الغربي للشيوعية، الذي كان في جوهره معاداة للسامية، في وصف الشيوعيين الروس والحكومة الثورية السوفيتية بـ"البلاشفة اليهود". أدركت الأممية الشيوعية، التي أنشأها السوفييت، هذه الديناميكية، فقد وصف مؤتمر الأممية الشيوعية الثاني والثالث في تموز/يوليو عامي 1920 و1921 الصهيونية بأنها حركة تهدف إلى "صرف انتباه الجماهير العاملة اليهودية [الأوروبية] عن الصراع الطبقي، وأنها ليست سوى يوتوبيا برجوازية صغيرة معادية للثورة".

ورغم أن الادعاء المعادي للسامية القائل إن الشيوعية والبلشفية ليستا سوى "مؤامرة يهودية" يُربط غالبا بالأيديولوجيا النازية، المستمدة بدورها من الدعاية الروسية البيضاء القيصرية، إلا أن هذه الأفكار كانت متداولة في بريطانيا والأمريكيتين أيضا، وانتشرت على نطاق واسع في أوروبا الغربية، بما في ذلك في أوساط الصهاينة أنفسهم، قبل ظهور النازية بوقت طويل. وقد عُرضت هذه التصورات داخل دوائر الحكم البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، حين أبلغ رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج اللجنةَ الشرقية التابعة لمجلس الوزراء بتحذير نقله الجنرال تشارلز ماكدونو عن مسؤول صهيوني، مفاده أنه "إذا لم يحصل الشعب اليهودي على ما يطالب به في فلسطين، فسوف يتحول اليهود بأكملهم إلى بلاشفة وسيدعمون البلشفية في جميع البلدان الأخرى كما فعلوا في روسيا".

وكان ونستون تشرشل من أوائل من عبّروا علنا عن هذه الأفكار المعادية للسامية، واصفا الشيوعية بأنها "مؤامرة يهودية" للهيمنة على العالم، وذلك على النقيض من الصهيونية التي تواطأت مع الإمبريالية ومعاداة السامية والبرجوازية اليهودية في أوروبا الغربية، وروّجت لحل استيطاني استعماري لـ"المسألة اليهودية". وفي مقال نُشر في شباط/فبراير 1920 بعنوان "الصهيونية مقابل البلشفية" في صحيفة "صنداي هيرالد"، أعلن تشرشل دعمه لليهود المندمجين الموالين لبلدانهم الأصلية، لكنه استبعدهم سياسيا باعتبارهم غير ذي صلة بما اعتبره الصراع المحوري بين الصهيونية والشيوعية، والذي يمثله ما أسماهم "اليهود العالميين" الذين يتآمرون لإسقاط الحضارة المسيحية الغربية:

"تطرح الصهيونية خيارا ثالثا للتصورات السياسية للعرق اليهودي. وعلى النقيض التام من الشيوعية الأممية، فإنها تمنح اليهودي فكرة قومية ذات طابع مهيمن. وقد وقع على عاتق الحكومة البريطانية، نتيجة لغزو فلسطين، فرصة ومسؤولية تأمين وطن ومركز للحياة القومية للعرق اليهودي في جميع أنحاء العالم.. لقد غدت الصهيونية بالفعل عاملا مؤثرا في الاضطرابات السياسية في روسيا، بوصفها قوة منافسة فاعلة داخل الأوساط البلشفية للنظام الشيوعي العالمي. ولا شيء يُضاهي في دلالته الشراسة التي هاجم بها تروتسكي الصهاينة عموما، والدكتور [حاييم] وايزمان على وجه الخصوص".

في أوائل كانون الأول/ديسمبر 1922، التقى حاييم وايزمان في القدس، الخاضعة للاحتلال البريطاني، بالمندوب السامي البريطاني اليهودي الصهيوني هربرت صموئيل، ورئيس الشرطة البريطانية، وعدد من المسؤولين الاستعماريين الآخرين، وحثهم على قمع المستوطنين اليهود الشيوعيين في فلسطين ومنع هجرة الشيوعيين اليهود إلى فلسطين مستقبلا. وأعاد وايزمان تأكيد ما كان المسؤولون البريطانيون مقتنعين به أصلا، وهو أن "الصهاينة والبلاشفة أعداء لدودون؛ إذ اضطهد البلاشفة الصهاينة، والبلشفية تتناقض تناقضا تاما مع الصهيونية".

يعمل اليمين والوسط الفرنسيان اليوم، بما في ذلك المعسكر المؤيد لإسرائيل، على تشويه صورة جون-لوك ميلانشون، المرشح اليساري الفرنسي وحزبه "فرنسا الأبية"، عبر وصمهما بـ"البلشفيين-الإسلاميين"!

استمرت هذه السياسات بعد تأسيس إسرائيل عام 1948. ورغم أن القيادة الصهيونية لإسرائيل بعد عام 1948 أعلنت التزامها بـ"الاشتراكية" للمستوطنين اليهود، أو بتعبير أدق، باشتراكية العرق اليهودي المتفوق، إلا أن معاداة الشيوعية هي التي ألهمت جميع تحالفاتها مع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة المعادية للسوفييت. وقد تزامنت هجماتها على الدول العربية الاشتراكية، بما في ذلك سوريا ومصر، مع جهودها الدعائية الكبرى بعد عام 1967 لتصوير الاتحاد السوفييتي، الدولة التي اتخذت الموقف الأكثر صرامة ضد معاداة السامية (وهذا هو السبب الذي دفع الدول الغربية المعادية للسامية بوصف الاتحاد السوفييتي بنظام "بلشفي-يهودي")، على أنها "معادية للسامية".

وفي أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان الدعم العسكري الإسرائيلي للدكتاتورية اليمينية المتطرفة التي ارتكبت إبادة جماعية في غواتيمالا، بالإضافة إلى الدكتاتوريات الإرهابية اليمينية في السلفادور، ونيكاراغوا بقيادة سوموزا، وتشيلي بقيادة بينوشيه، والجنرالات اليمينيين في الأرجنتين، متوافقا تماما مع جهود إسرائيل المعادية للاشتراكية في جميع أنحاء العالم، ناهيك عن تحالفها مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

ويعمل اليمين والوسط الفرنسيان اليوم، بما في ذلك المعسكر المؤيد لإسرائيل، على تشويه صورة جون-لوك ميلانشون، المرشح اليساري الفرنسي وحزبه "فرنسا الأبية"، عبر وصمهما بـ"البلشفيين-الإسلاميين"! وتحشد إسرائيل وحلفاؤها من اليمين والوسط الفرنسي كل إمكاناتهم لتقويض حملة ميلانشون الانتخابية القوية. ولا تمثل الحملة الصهيونية في فرنسا سوى جبهة من جبهات متعددة تخوض عبرها إسرائيل وحلفاؤها مواجهة عالمية ضد القوى الاشتراكية والتقدمية التي أصرت، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي ظل الإبادة الجماعية المتواصلة بحق الفلسطينيين، على الدفاع عن حقوق هذا الشعب الواقع تحت الاستعمار. ولهذا، فإن حجم الغضب الذي يثيره هؤلاء الاشتراكيون لدى إسرائيل وحلفائها يعني أن إسرائيل لن تهدأ حتى تُلحق بهم هزيمة نكراء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)