هل نهب الولايات المتحدة لموارد العالم الثالث "ابتكار ترامبيّ جديد" أم سياسة أمريكية ثابتة؟

جوزيف مسعد
"في إيران، لم تضعف شرعية النظام الثوري قط، رغم الجهود الجبارة التي بذلتها إسرائيل والولايات المتحدة للبحث عن قيادة بديلة"- جيتي
"في إيران، لم تضعف شرعية النظام الثوري قط، رغم الجهود الجبارة التي بذلتها إسرائيل والولايات المتحدة للبحث عن قيادة بديلة"- جيتي
شارك الخبر
منذ انطلاق الهجوم الأمريكي/الإسرائيلي المشترك على إيران قبل نحو شهرين، أطلق الرئيس دونالد ترامب تصريحات فجّة بشأن الاستيلاء على النفط الإيراني، قائلا: "لو كان الأمر بيدي، لأخذتُ النفط، واحتفظتُ به؛ فهو سيدرُّ أموالا طائلة"، مهدّدا، في حال تعذّر ذلك، بتدمير البنية التحتية النفطية لإيران.

وعلى أمل تكرار سيناريو اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وما تلاه من سرقة أمريكية مستمرة للنفط الفنزويلي، جاءت خطابية ترامب الاحتفالية والظافرة سابقة لأوانها. وقد رد المسؤولون الإيرانيون على تهديدات ترامب بتذكيره مرارا وتكرارا بأن إيران ليست فنزويلا، قائلين: "نقول للأمريكيين بوضوح: هذه ليست فنزويلا، حيث يمكنكم نهب الموارد"، ومؤكدين أن الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني "سيقفان بحزم ضد مثل هذه المحاولات". وإذا كان بمقدور الأمريكيين والبريطانيين نهب النفط الإيراني بعد أن أطاحوا برئيس وزراء إيران محمد مصدق -الذي أمّم النفط الإيراني في عام 1953- فإن احتمالية تكرار هذا السيناريو اليوم تبدو أضعف بكثير.

إن نهب الولايات المتحدة لموارد العالم الثالث ليس تطورا جديدا بأي حال من الأحوال، بل هو استمرار للسياسات الإمبريالية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، بل ومنذ فترة أسبق بكثير إذا ما تذكرنا نهبها لموارد أمريكا اللاتينية، ناهيك عن موارد السكان الأصليين داخل الولايات المتحدة نفسها. والواقع أن الولايات المتحدة والإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية السابقة قد تمسكت، بعد الحرب العالمية الثانية وبدء عصر إنهاء الاستعمار، بموقف راسخ مفاده أن نهاية الاستعمار المباشر الأوروبي والأمريكي لا تعني -على الإطلاق- منح السيادة الاقتصادية للدول التي تحررت من الاستعمار.

نهب الولايات المتحدة لموارد العالم الثالث ليس تطورا جديدا بأي حال من الأحوال، بل هو استمرار للسياسات الإمبريالية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، بل ومنذ فترة أسبق بكثير إذا ما تذكرنا نهبها لموارد أمريكا اللاتينية، ناهيك عن موارد السكان الأصليين داخل الولايات المتحدة نفسها

وهذا أمر أدركه جيدا الرئيس الغاني السابق كوامي نكروما، حين أوضح أن منح الاستقلال السياسي للدول التي كانت مستعمَرة سابقا، مع الإبقاء في الوقت ذاته على نفس الهيكل الاقتصادي العالمي الاستعماري القائم على نهب الموارد الاقتصادية للعالم الثالث، لم يُحدث سوى تغيير طفيف للغاية في الحياة الاقتصادية للشعوب المستعمَرة؛ مما حرمها في نهاية المطاف من السيادة الاقتصادية والاستقلال الحقيقي الجوهري.

وقد تجلى أول تحدٍ جماعي كبير من جانب الدول المستعمَرة سابقا في عام 1955، خلال "مؤتمر باندونغ" الآسيوي-الأفريقي الذي عُقد في إندونيسيا، والذي أكد على حق تقرير المصير للدول والشعوب التي كانت لا تزال ترزح تحت نير الاستعمار، أو تلك التي نالت استقلالها مؤخرا. وما حدث في باندونغ كان بمثابة تحول جذري يكسر هيمنة الإصرار الغربي على النهب الاقتصادي. في الواقع، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واصلت الدول الآسيوية والأفريقية نضالها داخل أروقة الأمم المتحدة من أجل إدراج مبدأ تقرير المصير بشقيه السياسي والاقتصادي. وبعد بضعة أشهر فقط على انعقاد مؤتمر "باندونغ" -وتحديدا في تشرين الثاني/نوفمبر 1955- اتفقت اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة على صياغة حق تقرير المصير، وهي الصياغة التي اعتُمدت لاحقا في قرار عام 1960 وفي الميثاقين الدوليين الصادرين عن الأمم المتحدة عام 1966. وكانت النقاشات داخل اللجنة الثالثة قد احتدمت منذ عام 1950، حيث أصرت الدول الاستعمارية على إدراج "شرط استثناء استعماري" ضمن القرار المرتقب.

وفي عام 1952، صوتت الولايات المتحدة ضد قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يُعلن حق تقرير المصير حقا من حقوق الإنسان، كما قاومت بشدة المطالبات التي تلزم القوى الاستعمارية بـ"تقديم تقارير حول مدى تقدم الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي نحو نيل حقها في الحكم الذاتي". وقد واجهت الدول الإمبريالية معارضة شرسة من قِبَل الوفود الآسيوية والأفريقية، وفي مقدمتها الوفود العربية من سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، التي لعبت دورا محوريا في إفشال الشرط الاستعماري والدفع باتجاه ترسيخ حق تقرير المصير كحق أصيل من حقوق الإنسان.

وجاء هذا التطور في أعقاب حملات واسعة من التحريض والمعارضة قادتها الولايات المتحدة والشركات الأمريكية ضد أي بادرة تشير إلى إقرار مبدأ حق تقرير المصير الاقتصادي داخل الأمم المتحدة؛ إذ أصرت تلك الجهات على أن يقتصر نطاق هذا الحق على تقرير المصير السياسي فحسب. وقد بلغ غضب الشركات الأمريكية ذروته عندما أقدم الرئيس الغواتيمالي "خاكوبو أربينس" على تطبيق إصلاح زراعي -مثّل تهديدا للمصالح التجارية الأمريكية- استند فيه إلى قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952 كان قد أيّد مبدأ تأميم الموارد الاقتصادية الوطنية.

وسعت تشيلي، شأنها شأن سائر دول أمريكا اللاتينية التي كانت تخضع للهيمنة الاقتصادية الإمبريالية الأمريكية، إلى تعديل مسودة مواثيق حقوق الإنسان في العام ذاته؛ بحيث تنص على أن "حق الشعوب في تقرير مصيرها يشمل الحق الاقتصادي في السيطرة على كافة مواردها الطبيعية، وألا تُحرم من استخدام تلك الموارد أو من وسائل عيشها بفعل تصرفات أي قوة خارجية". وقد بلغ استياء الأمريكيين من التحركات الرامية إلى ترسيخ الاستقلال الاقتصادي حدا دفعهم إلى وصف المحاولات السوفييتية ومحاولات دول العالم الثالث لترسيخ مبدأ "حق تقرير المصير الاقتصادي" للدول المستقلة، بأنها شكل من أشكال "خطاب الكراهية". وبحلول عام 1962، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب قرارها رقم 1803، مبدأ "السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية"، في خطوةٍ هدفت إلى تأكيد الحق في تقرير المصير الاقتصادي.

غير أن ذلك لم يثنِ الولايات المتحدة عن مواصلة نهجها؛ إذ دأبت على رعاية الانقلابات العسكرية للإطاحة بالقادة الملتزمين بتحقيق السيادة الاقتصادية، وعملت على إزاحتهم من سدة الحكم. ومن أبرز هؤلاء القادة: شكري القوتلي في سوريا عام 1949، ومحمد مصدق في إيران عام 1953، وأربينس في غواتيمالا عام 1954، وباتريس لومومبا في الكونغو عام 1961، وجواو غولارت في البرازيل عام 1964، وأحمد سوكارنو في إندونيسيا عام 1965، ونكروما في غانا عام 1966. كما استُهدف جمال عبد الناصر من قِبَل القوى الأوروبية وإسرائيل عبر "العدوان الثلاثي" عام 1956، وذلك عقب قيامه بتأميم شركة قناة السويس؛ ثم استُهدف مجددا من قِبَل إسرائيل والولايات المتحدة عام 1967، بهدف القضاء على "دولة الرفاه" المصرية وإنهاء تجربة عبد الناصر في تحقيق السيادة الاقتصادية. أما بالنسبة للرئيس التشيلي سلفادور أليندي، الذي أطاحت به الولايات المتحدة عام 1973، فقد جاء تبرير هنري كيسنجر الشهير لعملية الإطاحة به على النحو التالي: "لا أرى أي مبرر لأن نقف مكتوفي الأيدي ونحن نشاهد بلدا يتحول إلى الشيوعية نتيجة لتهور شعبه وعدم تحليه بالمسؤولية".

ورغم هذه الانتكاسات، واصلت الشعوب التي خضعت للاستعمار سابقا سعيها الحثيث لإيجاد السبل الكفيلة باستعادة سيادتها الاقتصادية في مواجهة النظام الاقتصادي الإمبريالي المهيمن. وقد تجسدت آخر تلك المحاولات الجماعية في حقبة السبعينيات من القرن العشرين، في وقتٍ كان فيه العالم على أعتاب الخضوع لهيمنة النيوليبرالية الاقتصادية وموجة "العولمة"؛ وتمثلت تلك المحاولة تحديدا في مشروع "النظام الاقتصادي الدولي الجديد". كانت تلك مجموعة مقترحات قدمتها البلدان النامية عبر "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (الذي تأسس عام 1964 على يد البلدان التي كانت مستعمَرة سابقا، بالإضافة إلى بلدان أمريكا اللاتينية التي خضعت للهيمنة الإمبريالية، وترأسه الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبيش)؛ بهدف تعزيز "المساواة" الاقتصادية ومعالجة "المظالم" الاقتصادية بين الدول، وصولا إلى تسريع وتيرة "التنمية الاقتصادية والاجتماعية". غير أن تلك المقترحات باءت بالفشل ولم يُكتب لها التحقق.

استمرت الولايات المتحدة في استخدام حق النقض لعرقلة تحرر شعوب الجنوب الأفريقي من نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني -في أنغولا وموزمبيق وروديسيا (زيمبابوي لاحقا) وناميبيا وجنوب أفريقيا- ولم تتوقف عن ذلك إلا بعد الحصول على ضمانات تكفل احتفاظ الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الإمبرياليين، فضلا عن المستوطنين البيض، بالسيادة الاقتصادية على تلك البلدان حتى بعد نيلها "الاستقلال". كما كان هنري كيسنجر هو المهندس الفعلي للاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الروابط الأمريكية مع المستعمرات الاستيطانية التي يسيطر عليها دعاة تفوق العرق الأبيض في جنوب أفريقيا وروديسيا، فضلا عن المستعمرات البرتغالية في موزمبيق وأنغولا. وفي الحالة الشهيرة لـ"روديسيا/زيمبابوي"، استمر العمل بهذا الترتيب الاقتصادي لما يقرب من عقدين من الزمن بعد نيل الاستقلال الذي تحقق في عام 1980.

وبحلول عام 1990، كان لا يزال هناك مئة ألف مستوطن أبيض يقيمون في زيمبابوي، وظلت السيطرة على القطاع التجاري الخاص في أيدي البيض. كما ظلت الأحياء الراقية حكرا على البيض دون غيرهم، بينما كان الأفارقة يقطنون في أحياء شعبية مكتظة بالسكان. وهكذا حافظ المستوطنون البيض على تفوقهم، وعلى امتيازاتهم الاقتصادية، بل وحتى على امتيازاتهم السياسية في جوهرها. وقد أدى رفض كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة تقديم الدعم المالي لشراء الأراضي المملوكة للبيض إلى تفاقم ظاهرة "الجوع للأرض" وزيادة الشعور بالإحباط الاقتصادي. وعندما انقضت المهلة الزمنية التي كانت تحظر تأميم ممتلكات البيض في عام 1990، نُصح الرئيس روبرت موغابي بعدم إثارة مخاوف البيض في البلدان المجاورة (وتحديدا في جنوب أفريقيا)، لا سيما في أعقاب إطلاق سراح نيلسون مانديلا في شباط/فبراير 1990، وفي ظل الجهود التفاوضية الجارية آنذاك لإنهاء نظام الفصل العنصري، مع الحرص في الوقت ذاته على الإبقاء على الهيمنة الإمبريالية وسيطرة البيض على الموارد الاقتصادية لجنوب أفريقيا. ونتيجة لذلك، ظلت أجود الأراضي الصالحة للزراعة في زيمبابوي في قبضة المستعمرين البيض. وفي غضون ذلك، كان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد شرعا بالفعل -منذ حقبة الثمانينيات- في تكثيف سياساتهما النيوليبرالية، وذلك من خلال ممارسة الضغوط على زيمبابوي لإجبارها على تقليص إنفاقها الاجتماعي المخصص للتعليم ودعم الغذاء، بهدف القضاء على نظام "دولة الرفاه" فيها.

ومع نيل ناميبيا استقلالها أخيرا وانتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1994، ظل موغابي على علاقة ممتازة مع البريطانيين؛ لدرجة منحه لقب "فارس" فخريا في العام ذاته. بيد أن انتصار الإمبريالية الأمريكية والليبرالية الجديدة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي كان نذير شؤم لشعب زيمبابوي؛ إذ قُلِّصت الخدمات الاجتماعية المقدمة لهم بناء على أوامر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وذلك عندما تبنت البلاد "برنامجا للتكيف الهيكلي الاقتصادي" في عام 1991، وحيث ظل "الفصل العنصري الاقتصادي" هو السمة السائدة، مع استمرار المستوطنين البيض في جني المكاسب المالية. وسرعان ما تراجعت الإنجازات التي تحققت في مجالات الصحة والتعليم والتوظيف والإسكان خلال حقبة الثمانينيات، لتتلاشى في التسعينيات، كما استفحل الفساد داخل أروقة الحكومة على يد طبقة رجال الأعمال السود الناشئة.

وفي هذا السياق، اتجهت الحكومة نحو تبني مواقف أكثر راديكالية استجابة لمطالب السكان السود المحرومين من الأراضي -لا سيما بعد عام 1997- حيث اقترحت الاستيلاء على نحو 800 مزرعة مملوكة للبيض، وفرض ضرائب على المزارعين التجاريين لغرض دعم الميزانية العامة للدولة. كما أدت السياسات الاقتصادية الراديكالية الجديدة التي تبنتها الحكومة إلى تعليق العمل بسياسات "التكيف الهيكلي" التي كان قد فرضها صندوق النقد الدولي.

لم يُثر أي إجراء اتخذه موغابي منذ عام 1980 -أو قبله- العداء مع البريطانيين بقدر ما أثاره إقدام حكومته على المساس بممتلكات المستوطنين البيض؛ مما أدى إلى تدهور العلاقات مع المملكة المتحدة بشكل متسارع. وقد أشار موغابي -محقا-إلى أن المستوطنين الأوائل، بقيادة المستعمر البريطاني سيسيل رودس، كانوا قد استولوا على الأراضي في أواخر القرن التاسع عشر دون دفع أي تعويضات، مستندين في ذلك إلى "حق الغزو"؛ وعليه، فقد أكد أن حكومته لن تدفع شيئا لاستعادة تلك الأراضي. ورغم أن الفلاحين الذين لا يملكون أراضي كانوا قد بدأوا في الاستيلاء على المزارع التي هجرها البيض منذ منتصف الثمانينيات، إلا أن أعدادهم تزايدت الآن، ولم يقتصر استيلاؤهم على المزارع المملوكة للبيض فحسب، بل امتد ليشمل مزارع مملوكة للسود أيضا.

وبحلول عام 2000، كانت العقوبات الغربية المتزايدة -التي بدأت في عام 1997- والآثار المستمرة لسياسات التكيف الهيكلي قد زادت من إفقار السكان والدولة على حد سواء. وفي خضم هذه الأوضاع، عُلّقت الآمال على أن تؤدي موجة المنظمات غير الحكومية الممولة غربيا، ونشوء معارضة ليبرالية تتلقى تمويلا غربيا (مثل "حركة التغيير الديمقراطي" التي تأسست عام 1999)، إلى إضعاف النظام الحاكم. وقد وقفت المعارضة الليبرالية الموالية للغرب ضد عمليات استيلاء السكان الأصليين في زيمبابوي -وهم من الفقراء المتعطشين للأرض- على مزارع البيض. وقد عوّل هؤلاء على إسقاط الحكومة ووقف محاولتها المتأخرة لإنهاء حقبة الاستعمار الاستيطاني الأبيض بشكل نهائي، وكبح جماح موجة النهب الغربي الإمبريالي.

ومن أبرز إنجازات تلك الفترة إعادة توزيع 80 في المائة من الأراضي الزراعية دون تقديم تعويضات للمستوطنين البيض، و"تصفية" السياسات الاستيطانية، وإنهاء الامتيازات الاستعمارية والعرقية التي كان يتمتع بها البيض، فضلا عن توسيع قاعدة ملكية الأراضي. وقد ساهمت هذه الخطوات في ترسيخ مكانة الطبقة البرجوازية السوداء، التي سعت بدورها إلى إنهاء الحالة الثورية التي كانت تعيشها البلاد من خلال التوصل إلى تسوية جديدة مع رأس المال الدولي عقب عام 2005؛ وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى إبرام اتفاقية لتقاسم السلطة بين "حركة التغيير الديمقراطي" وحزب "زانو" الحاكم لتولي زمام الحكم في البلاد عام 2008.

وقد صبّت بريطانيا جام غضبها على موغابي، الذي تحوّل إلى هدفٍ لسهام الاستهجان الغربي؛ غير أن هذا الاستهجان لم يكن بسبب سماحه بانحدار البلاد نحو الفقر امتثالا لأوامر الأدوات الغربية للسيطرة الاقتصادية، ولا بسبب الفساد الذي استشرى في صفوف النخبة الأفريقية -سواء داخل الحكومة أو خارجها- عقب هيمنة النيوليبرالية، بل انحصر الغضب الغربي حصرا في مصير الممتلكات التي اغتصبها المستوطنون البيض بغير وجه حق؛ إذ كانت تلك الممتلكات هي وحدها التي شكلت تهديدا حقيقيا لامتيازات البيض وللاستعمار الغربي الجديد في زيمبابوي.

بدأت رؤوس الأموال الدولية في مغادرة البلاد، وتلا ذلك سيلٌ من الإدانات الغربية؛ إذ علّق البنك الدولي تقديم "المعونات"، وسرعان ما أعقبت ذلك تهديدات غربية بفرض عقوبات. وعمّت الأجواء حملات إعلامية غربية شيطنت "موغابي" وحكومته، إلى جانب دعوات بريطانية صريحة لتغيير النظام، وتوالت بعد ذلك العقوبات الغربية المُستهدِفة. ورغم ذلك، بقي نحو عشرين ألفا من البيض داخل البلاد، مستخدمين كافة الوسائل القانونية المتاحة وعلاقاتهم الدولية لاستعادة "أراضيهم". وبمجرد وصول حكومة جديدة إلى سدة الحكم -عبر انقلاب عسكري أطاح بـ"موغابي" في عام 2017- اتسمت بميلٍ أكبر لتلبية مطالب الغرب والمستوطنين بنهب البلاد، استعاد أول مزارع أبيض "أرضه".

ذلك لم يثنِ الولايات المتحدة عن مواصلة نهجها؛ إذ دأبت على رعاية الانقلابات العسكرية للإطاحة بالقادة الملتزمين بتحقيق السيادة الاقتصادية، وعملت على إزاحتهم من سدة الحكم

ولم يكن مصير كلٍ من ناميبيا المستقلة وجنوب أفريقيا في حقبة ما بعد الفصل العنصري بأفضل حال؛ إذ كان إنهاء نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي في كلتا الدولتين مشروطا باستمرار نهب المستوطنين ورأس المال الإمبريالي لأراضيهما ومواردهما. وفي حين جرى تفكيك النظام السياسي القائم على الفصل العنصري، تكرّس نظام "الفصل العنصري الاقتصادي" في جنوب أفريقيا الجديدة. وبحلول عام 1996، انضمت حكومة "المؤتمر الوطني الأفريقي" إلى كبرى الشركات ورؤوس الأموال في إخضاع جنوب أفريقيا للسياسات النيوليبرالية. وقد حرصت الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية الأوروبية، ومعها أدواتها الدولية للسيطرة الاقتصادية -وعلى رأسها صندوق النقد الدولي- على ضمان ألا تُقدم جنوب أفريقيا الجديدة على تأميم ثروات البيض وإعادة توزيعها على أصحابها الشرعيين، وذلك تحت طائلة التهديد بفرض عقوبات اقتصادية جديدة. وهكذا، كانت الصفقة التي أبرمها "المؤتمر الوطني الأفريقي" مع القوى الإمبريالية والطبقة الحاكمة المحلية من البيض واضحة المعالم: فثمن إنهاء نظام الفصل العنصري السياسي القائم على العرق كان الإبقاء على نظام الفصل العنصري الاقتصادي، واستمرار النهب الإمبريالي لموارد البلاد.

أما فيما يخص إيران، فإن إصرار قادتها على أن بلادهم لن تلقى المصير الذي آلت إليه فنزويلا في عهد "مادورو" يستند إلى النجاح الذي حققته الولايات المتحدة -على مدار عقدٍ كاملٍ على الأقل- في تقويض الحكومة الفنزويلية ونزع الشرعية عنها؛ وذلك بالتعاون مع حلفائها الأوروبيين الذين سارعوا في عام 2019 إلى الاعتراف بـ"خوان غوايدو" -الذي عيّنته الولايات المتحدة بديلا لمادورو وهو شخصية منبوذة ومقيمة في المنفى- رئيسا شرعيا للبلاد. وعلاوة على ذلك، شكّلت العدائية التي أبدتها أوساط رجال الأعمال والطبقات الوسطى العليا في فنزويلا تجاه إصرار "مادورو" على مبدأ السيادة الاقتصادية ودولة الرفاه الاجتماعي، ما يُشبه "طابورا خامسا" فاعلا؛ وهو تحالفٌ طبقيٌ لا وجود له في الحالة الإيرانية.

في إيران، لم تضعف شرعية النظام الثوري قط، رغم الجهود الجبارة التي بذلتها إسرائيل والولايات المتحدة للبحث عن قيادة بديلة -على غرار ابن الشاه- ولتجنيد إيرانيين مناهضين للنظام داخل البلاد وخارجها. بالإضافة إلى ذلك، يجدر التنويه إلى أن الإمكانات العسكرية الإيرانية أقوى بكثير من إمكانات فنزويلا، وهذا عامل رئيس في مقدرة إيران على مقاومة البطش الأمريكي والإسرائيلي.

إن ما تقوم به الولايات المتحدة حاليا من سرقة للنفط الفنزويلي، ومحاولتها إخضاع إيران -وهما أمران يبدو أنهما يثيران استياء بعض الليبراليين الأمريكيين- لا يُعدّان بأي حال من الأحوال ابتكارا خاصا بإدارة دونالد ترامب؛ بل هما ببساطة سياسة ثابتة في تاريخ الإمبريالية الأمريكية، سواء كان الحكم في يد الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)