رغم أن
الحرب
الأمريكية- الإسرائيلية على
إيران ولبنان لم تنته حتى الآن في ظل الغموض حول
مستقبل المفاوضات على الجبهتين، وبانتظار وضوح الصورة على الصعد العسكرية والأمنية
والتداعيات السياسية للحرب، فإن النقاشات حول اليوم التالي للحرب بدأت في العديد من
مراكز
الدراسات والأبحاث ولدى الأوساط العلمية والبحثية والفكرية في العالم العربي
والإسلامي وعلى الصعيد الدولي.
فآثار هذه الحرب
لن تقتصر على الدول المشاركة فيها أو الجبهات المباشرة، بل هي ستؤثر على الصعيد
الدولي والعلاقات بين الدول والنظام الدولي الجديد، كذلك على النظام الإقليمي
وموقع ودور العديد من الدول العربية والإسلامية، والأهم أن هذه الحرب سيكون لها
تأثيرا مباشر على الكيان الصهيوني ومستقبل القضية الفلسطينية.
وكما تركت الحروب
الكبرى أو الحروب الإقليمية انعكاساتها على الصعد الفكرية والأخلاقية (ما بعد
الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وحرب العام 1967 وغيرها)، فإن هذه
الحرب سيكون لها تأثير كبير على مستقبل القيم الدينية والفكرية؛ لأنها ستعيد
النقاش حول دور القيم الدينية في الصراعات الدولية وكذلك مستقبل القوى والحركات
الإسلامية ونظام الجمهورية الإسلامية وموقع ودور هذا النظام على الصعيد الإقليمي
والدولي.
هذه الحرب سيكون لها تأثير كبير على مستقبل القيم الدينية والفكرية؛ لأنها ستعيد النقاش حول دور القيم الدينية في الصراعات الدولية وكذلك مستقبل القوى والحركات الإسلامية ونظام الجمهورية الإسلامية وموقع ودور هذا النظام على الصعيد الإقليمي والدولي
وفي إطار
الدراسات والأبحاث التي تستشرف مستقبل النظام الدولي على ضوء التطورات والأحداث
الجارية في المنطقة والعالم، أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علمية مهمة تستشرف ملامح النظام الدولي في السنوات
المقبلة، مرجّحة دخول العالم مرحلة انتقالية عميقة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية
لصالح نظام أكثر تعقيدا يقوم على تعدد المراكز وتداخل أدوات القوة الصلبة والناعمة.
وتشير الورقة،
التي أعدّها الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي، إلى أن النظام الدولي يتجه نحو إعادة
تشكّل تدريجية في موازين القوى، مع صعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى عبر
مشاريع استراتيجية مثل "الحزام والطريق" واستثماراتها الضخمة في البنية
التحتية العالمية، مقابل عودة روسيا إلى توظيف أدوات القوة الجيوسياسية والعسكرية
لتعزيز نفوذها، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها القيادي من
خلال التفوق التكنولوجي والتحالفات الدولية. (مع أن نتائج الحرب الدائرة اليوم
سيكون لها تأثير كبير على دور وموقع أمريكا وحليفها الكيان الصهيوني).
وتشير الدراسة المهمة
إلى أن طبيعة القوة في النظام الدولي لم تعد تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل
أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة والمضائق (كما هو
الحال بشأن مضيق هرمز وباب المندب وغيرها)، والقيود المفروضة على تصدير الرقائق
الإلكترونية المتطورة، إضافة إلى السباق المحموم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي
والحوسبة الكمية، باعتبارها عناصر حاسمة في تحديد موازين القوة مستقبلا.
وفي هذا السياق،
تشير الورقة إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة تحولت إلى فاعل دولي مؤثر، حيث
باتت تتحكم بجزء كبير من تدفق المعلومات والبيانات عالميا، ما يمنحها دورا يتجاوز
الاقتصاد إلى التأثير في السياسات العامة وصياغة الرأي العام، وهو ما يعيد تعريف
مفهوم السيادة في العصر الرقمي.
ومن خلال هذه
الورقة وغيرها من الأبحاث والدراسات التي تنشرها مراكز الدراسات والأبحاث
والنقاشات التي تجري في بعض اللقاءات الحوارية، يمكن الاستنتاج أن العالم سيكون أمام
تحولات مهمة على صعيد الصراعات الدولية، بحيث تتراجع الحروب التقليدية لصالح
الحروب الهجينة التي تجمع بين أدوات متعددة، مثل الهجمات السيبرانية على البنى
التحتية الحيوية، واستخدام العقوبات الاقتصادية للضغط السياسي، إضافة إلى حملات
التضليل الإعلامي والتأثير الرقمي. وتُظهر هذه الأنماط كيف بات الصراع أقل وضوحا
وأكثر انتشارا، دون إعلان حرب تقليدية.
كما يمكن القول إننا
سنكون أمام تحولات جديدة على صعيد التحالفات الدولية (الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب وصف حلف الناتو بأنه نمر من ورق، وهاجم كل حلفائه في آسيا وأوروبا لعدم
وقوفهم معه في هذه الحرب، وهاجم بابا الفاتيكان)، مما يعني أننا سنشهد تراجعا في التحالفات
الصلبة طويلة الأمد لصالح تحالفات مرنة ومؤقتة تُبنى وفق المصالح المتغيرة، وهو ما
يظهر في توجه عدد من الدول إلى تنويع شراكاتها بين قوى متنافسة في مجالات الطاقة
والتجارة والأمن، بدلا من الانخراط في محور واحد ثابت.
وعلى صعيد الشرق
الأوسط والعالم العربي والإسلامي، فإن هذه المنطقة ستظل مركزا للتنافس الدولي نظرا
لأهميتها الجيوسياسية ومواردها الحيوية، لكنها قد تشهد تحولا في طبيعة النفوذ
الخارجي، مع تراجع التدخل العسكري المباشر لبعض القوى الكبرى مقابل تصاعد أدوات
النفوذ الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى تنامي أدوار قوى إقليمية تسعى لإعادة
تشكيل التوازنات (دور تركيا وباكستان والسعودية ومصر كنموذج).
إدراك هذه التحولات لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية، في ظل نظام عالمي يُعاد تشكيله ليس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضا بالقدرة على التحكم بالتكنولوجيا والمعرفة والتأثير في تدفقات الاقتصاد العالمي
وعلى ضوء ذلك،
تطرح الدراسة التي أعدها مركز الزيتونة وغيرها من الدراسات حول النظام الدولي؛ مفهوما
جديدا يتمثل في الانتقال من "تعدد الأقطاب" إلى "تعدد
المراكز"، حيث لا تقتصر القوة على الدول، بل تمتد لتشمل الشركات الكبرى
والمنصات الرقمية والفاعلين غير الحكوميين، ما يخلق شبكة معقّدة من التأثيرات
المتداخلة، ويضع تحديات غير مسبوقة أمام مفهوم السيادة الوطنية.
كما تشير بعض
الدراسات إلى تساؤلات استراتيجية حول مستقبل النظام الدولي، من بينها: هل يتجه
العالم نحو توازن مستقر بين القوى الكبرى، أم نحو حالة من التنافس المفتوح؟ وهل
ستؤدي التحولات التكنولوجية إلى تقليص الفجوة بين الدول، أم إلى تعميقها؟
على ضوء ذلك يمكن
القول إن العالم مقبل على مرحلة جديدة تتسم بالسيولة الاستراتيجية وعدم اليقين،
حيث تتقاطع المنافسة والتعاون في آنٍ واحد، ما يتطلب من صناع القرار والباحثين
تطوير أدوات تحليل جديدة تتجاوز النماذج التقليدية في فهم العلاقات الدولية. وإدراك
هذه التحولات لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية، في ظل نظام عالمي يُعاد
تشكيله ليس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضا بالقدرة على التحكم بالتكنولوجيا
والمعرفة والتأثير في تدفقات الاقتصاد العالمي.
هذه الأفكار
والنتائج والموضوعات، سواء تلك التي وردت في دراسة مركز الزيتونة أو غيرها من
الدراسات، تتطلب المزيد من النقاش والحوار من قبل الباحثين والمفكرين ومراكز
الدراسات والأبحاث وعدم انتظار نهاية الحرب، مع التأكيد دوما انه عند نهاية هذه
الحرب سنكون أمام وقائع وتطورات جديدة.
x.com/kassirkassem
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.