اقتصاد الفيتو في ليبيا.. لماذا يربح من يملك القدرة على تعطيل الدولة؟

صابر بن عامر
"كلما أثبت طرف أنه يستطيع إغلاق النفط، أو تهديد العاصمة، أو منع الانتخابات، أو تعطيل مؤسسة سيادية، ارتفعت قيمته التفاوضية"- جيتي
"كلما أثبت طرف أنه يستطيع إغلاق النفط، أو تهديد العاصمة، أو منع الانتخابات، أو تعطيل مؤسسة سيادية، ارتفعت قيمته التفاوضية"- جيتي
شارك الخبر
في ليبيا، لا تكفي الانتخابات للوصول إلى السلطة، ولا يكفي امتلاك برنامج سياسي أو قاعدة اجتماعية؛ الطريق الأقصر غالباً هو إثبات القدرة على تعطيل الدولة.

هذه ليست مبالغة، بل خلاصة نمط تكرر خلال السنوات الماضية. فكل طرف يسيطر على مساحة جغرافية، أو يحتفظ بقوة مسلحة، أو يستطيع إغلاق النفط أو شل مؤسسة عامة، يتحول تدريجياً من جزء من الأزمة إلى طرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.

بهذا المعنى، نشأ في ليبيا ما يمكن تسميته "اقتصاد الفيتو"، وهو نظام سياسي غير مكتوب ترتفع فيه قيمة الفاعل بقدر ما يملكه من قدرة على المنع، لا بقدر ما يملكه من شرعية أو قبول عام.

ومن هنا ينبغي قراءة مبادرة مسعد بولس؛ فالمشكلة ليست فقط في الأسماء التي قد تدخل السلطة الجديدة، ولا في توزيع المقاعد بين الشرق والغرب، بل في نوع السلوك الذي تكافئه التسوية.

كل طرف يسيطر على مساحة جغرافية، أو يحتفظ بقوة مسلحة، أو يستطيع إغلاق النفط أو شل مؤسسة عامة، يتحول تدريجياً من جزء من الأزمة إلى طرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية

تنطلق الوساطات الدولية من منطق واقعي، فهي تريد جمع الأطراف القادرة على تنفيذ الاتفاق أو إفشاله. عبد الحميد الدبيبة يملك أدوات السلطة والمال في طرابلس، وعائلة حفتر تسيطر على الشرق ومساحات واسعة من الجنوب، فيما تحتفظ تشكيلات مسلحة أخرى بقدرة متفاوتة على الاعتراض. تجاهل هذه القوى يبدو مستحيلاً، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح القدرة على إفشال الحل الطريق الأضمن للحصول على حصة فيه.

كلما أثبت طرف أنه يستطيع إغلاق النفط، أو تهديد العاصمة، أو منع الانتخابات، أو تعطيل مؤسسة سيادية، ارتفعت قيمته التفاوضية. وفي المقابل، كلما كان فاعل آخر بلا سلاح ولا قدرة على خلق أزمة عامة، تراجعت أهميته في حسابات الوسطاء.

هكذا تنشأ المفارقة الأخطر: من يستطيع إفساد الدولة يصبح أكثر ضرورة لإنقاذها. القضية هنا لا تتعلق فقط بسوء نيات الفاعلين، بل بتصميم العملية السياسية نفسها. وإذا كانت كل أزمة تنتهي بمنح أصحاب الفيتو مزيداً من السلطة، فإن الرسالة تصبح واضحة: الاعتدال لا يمنحك مقعداً، أما القدرة على الشل فقد تفعل.

وقد اختبرت ليبيا هذا المنطق بعد تعذر انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 2021. فلم يؤد فشل المسار إلى تقليص نفوذ القوى التي أسهمت في تعطيله، بل فتح جولة جديدة من الصراع على الشرعية والمناصب، ثم عاد الوسطاء إلى الأطراف نفسها بوصفها مفاتيح الحل.

وتكرر الأمر مع إغلاق النفط، فبدل أن يترتب على تعطيل المورد الرئيسي للدولة ثمن سياسي، تحول أكثر من مرة إلى وسيلة لرفع سقف المطالب وإعادة توزيع النفوذ.

في "اقتصاد الفيتو"، لا يربح من يملك مشروعاً للدولة، بل من يملك القدرة على إيقافها. لذلك، فإن السؤال الأهم بشأن مبادرة بولس ليس فقط ما إذا كانت ستنجح في جمع الدبيبة وصدام حفتر، أو في تركيب سلطة تنفيذية جديدة، بل ما إذا كانت ستكسر اقتصاد الفيتو أم ستمنحه شرعية أوسع.

قد ترى واشنطن أن الاتفاق بين أقوى مراكز النفوذ هو الطريق الأسرع إلى الاستقرار. فمن منظورها، المطلوب سلطة تضمن تدفق النفط، وتخفض احتمالات الحرب، وتحد من النفوذ الروسي، وتفتح السوق الليبية أمام مصالح اقتصادية قابلة للحماية.

هذا المنطق مفهوم في إدارة الأزمات، لكنه يحمل خللاً بعيد المدى، فما يصلح لوقف الأزمة اليوم قد يصنع الأزمة التالية غداً. فإذا حصل كل طرف على موقع يتناسب مع قدرته على التعطيل، فلماذا يتخلى عن أدوات الضغط بعد دخوله السلطة؟ ولماذا يسلم سلاحه أو نفوذه المالي أو سيطرته الجغرافية إذا
نحن أمام دورة سياسية تعيد إنتاج نفسها: أزمة، ثم فيتو، ثم تفاوض مع أصحابه، ثم توزيع جديد للسلطة، ثم أزمة أخرى عندما يشعر أحد الأطراف بأن حصته لم تعد تعكس حجم قوته
كانت هذه الأدوات هي التي أوصلته إلى طاولة المفاوضات؟ بل قد تنتج التسوية حافزاً معاكساً، فقد يتعلم كل فاعل جديد أن الطريق إلى السلطة لا يمر عبر المجتمع أو الانتخابات، بل عبر بناء قوة تجعل الدولة مضطرة إلى التفاوض معه.

وهنا يصبح الخطر أكبر من مبادرة واحدة، نحن أمام دورة سياسية تعيد إنتاج نفسها: أزمة، ثم فيتو، ثم تفاوض مع أصحابه، ثم توزيع جديد للسلطة، ثم أزمة أخرى عندما يشعر أحد الأطراف بأن حصته لم تعد تعكس حجم قوته.

بهذا المعنى، لا تفشل التسويات الليبية دائماً؛ أحياناً تنجح، لكن بالطريقة الخطأ. فهي توقف الحرب من دون تفكيك أسبابها، وتجمع الخصوم من دون تغيير قواعد المنافسة، وتوزع المواقع من دون بناء مؤسسات تستطيع الاستغناء عن شاغليها.

ولا يعني ذلك أن أي تسوية تستطيع تجاهل موازين القوة، لكن هناك فرقاً بين إدماج أصحاب القوة لإخضاعهم لقواعد الدولة، وبين إعادة تصميم الدولة لتناسب القوة التي يمتلكونها.

ليس السؤال من سيحصل على رئاسة الحكومة أو المجلس التنفيذي، بل ماذا سيخسر كل طرف مقابل دخوله السلطة؟ هل سيتخلى عن جزء من قدرته المستقلة على استخدام القوة؟ هل ستخضع موارده ونفوذه لقواعد عامة؟ وهل يستطيع الناخب لاحقاً إخراجه من الحكم من دون أن يتمكن هو من شل النظام كله؟ إذا كانت الإجابة لا، فلن نكون أمام تسوية تنهي الأزمة، بل أمام استثمار جديد في اقتصاد الفيتو.

وأخطر ما قد تفعله أي عملية سياسية ليس أن تختار الأشخاص الخطأ فقط، بل أن تعلم الجميع القاعدة الخطأ. وفي ليبيا، إذا أصبح من يعطل الدولة أكثر أهلية لحكمها، فلن تنقص البلاد قوى مستعدة لإتقان اللعبة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)