ليس مجديا إنكارُ الواقائع ونحن نحلل في
السياسة وفي معارك الأحزاب وفي أداء السلطة ومواقف الناس من السياسيين ومن الأنظمة
الحاكمة، وليس مجديا أيضا تضخيم تلك الأحداث لكسب جزء من الرأي العام أو لترذيل
الخصوم والمنافسين والحط من شأنهم.
المتابع لتظاهرة يوم 25 تموز 2026، بمناسبة
الذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية للبلاد
التونسية، يقف على الملاحظات التالية:
منذ إقدام قيس سعيد على "فرملة" مسار التدرب الديمقراطي ليلة 25 تموز 2021، رفعت عدة أحزاب وشخصيات شعار "إسقاط الانقلاب" وتشكّلت حركة "مواطنون ضد الانقلاب" قادتها وجوه ثقافية فكرية مستقلة، ثم خلفتها "جبهة الخلاص الوطني" المشكلة من أحزاب سياسية وشخصيات نضالية، وظلت دائرة المعارضة تتسع كلما تقدمت "ٱلة التجربف" في قصف القامات والكيانات العنيدة، وأيضا كلما فشلت السلطة في تحقيق انتظارات الناس الحقيقية من شغل وتغطية اجتماعية وراحة معيشية.
أولا ـ رغم حرارة الطقس فإن الحضور كان
كبيرا مقارنة بتظاهرات سابقة قامت بها قوى
معارضة لسلطة قيس سعيد.
ثانيا ـ الحضور كان متنوعا، بين زعامات
سياسية معروفة ورموز جمعياتية ووجوه ثقافية وأكاديمية ومنهم من كان مساندا
لإجراءات قيس سعيد الاستثنائية ليلة 25 تموز 2021.
ثالثا ـ كثافة الحضور الشبابي من الجنسين
يدعو الباحثين السياسيين وعلماء الاجتماع السياسي إلى إعادة طرح السؤال حول مدى
تعلق الشباب بقضاياه الوطنية وبمسألة الحرية وبقضايا حقوق الإنسان ومشاغل التنمية
والتشغيل والعدالة الاجتماعية.
رابعا ـ غياب الشعارات الحزبية وتوحّد
الجميع حول عناوين كبرى أهمها الحريات والعدالة والشغل وسراح المساجين، وكأنّ تونس
تستجمع قواها مرة أخرى بعد أن كانت استجمعتها ذات "ربيع عربي" ديسمبر
2010/ جانفي 2011.
خامسا ـ شعار "ديقاج" الذي ردّدته
الجموع المتظاهرة ، قد يكون مجرد ورقة حمراء للفت انتباه السلطة الى أن
"السيل بلغ الزبى" وأن البلاد لم يعد باستطاعتها تحمل المزيد من
"العبث".
مفردة "عبث" مرسومة في يافطة
كبيرة، وهي تختصر كون المشهد قد خرج عن مسار السياسة ودخل مرحلة
"المقامرة" دون تخطيط ولا رؤية ولا دراسات علمية لمشاريع ومخططات
واستشرافات.
سادسا ـ المحتجون مارسوا احتجاجهم بهدوء تام
وانضباط واع، ولم يجدوا تضييقا أو إزعاجا من العناصر الأمنية، وهو ما جعل الأجواء
تبدو هادئة ومريحة للجميع.
سابعا ـ التظاهرة حظيت بتغطية إعلامية عربيا
ودوليا، وهوما يعكس اهتماما خارجيا بالشأن التونسي، وقد تابع التونسيون أخيرا
تناول وسائل إعلام فرنسية وإيطالية خاصة لشأن بلادنا بأسلوب لا يفيد قط متابعة
إعلامية موضوعية بل فيها ما يفيد تدخلا في شؤون دولة مستقلة لها مشاكلها ولها
نخبها القادرة على ابتداع طرائق معالجاتها.
والأسئلة المهم طرحُها بعد هذا التحرّك
النوعي:
ما هي ٱفاق الحركة النضالية في تونس؟ وهل
تتفاعل السلطة إيجابيا مع رسالة الشارع ؟ ثم هل تشتغل المعارضة فعلا على سقف
"رحيل" السلطة برفعها شعار "ديقاج" أم إنها فقط ترفع السقف
لتحصيل تنازلات نحو مستوى معتدل من الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية؟ وما
حقيقة اشتغال أطراف خارجية على تونس بعنوان "دراسة أزمة" وإعداد بدائل؟
وكيف يوائم المجتمع السياسي التونسي بين النضال المدني وبين رفض التدخل الخارجي ؟
وهل مازال قيس سعيد يحظى بدعم داخلي وخارجي يمنع تحول المشاكل الاجتماعية الحقيقية
إلى أزمة عصيّة على محاولات السلطة وحتى على صبر "الصادقين" كما يسميهم
قيس سعيد؟
منذ إقدام قيس سعيد على "فرملة"
مسار التدرب الديمقراطي ليلة 25 تموز 2021، رفعت عدة أحزاب وشخصيات شعار
"إسقاط الانقلاب" وتشكّلت حركة "مواطنون ضد الانقلاب" قادتها
وجوه ثقافية فكرية مستقلة، ثم خلفتها "جبهة الخلاص الوطني" المشكلة من
أحزاب سياسية وشخصيات نضالية، وظلت دائرة المعارضة تتسع كلما تقدمت "ٱلة
التجربف" في قصف القامات والكيانات العنيدة، وأيضا كلما فشلت السلطة في تحقيق
انتظارات الناس الحقيقية من شغل وتغطية اجتماعية وراحة معيشية.
لقد صار الشارع الاجتماعي واعيا، وعي الحاجة، وليس تعنيه فلسفات ولا أشعار ولا فرزدق ولا بحتري، الحاجة مدرسة لإنتاج الوعي الاجتماعي، وليس لعموم الناس مشكلة مع ديمقراطية ولا مع شيوعية ولا مع إسلامية ولا مع مسار ومسارت، إنما لعموم الناس مشكلة مع من لا يحقق حاجاتهم وهو يحكمهم ، ولن يبحثوا له طويلا عن مبرراتٍ لفشله.
لم تكن السلطة متفرغة بالكلية للمسألة
الاجتماعية بقدر ما كانت منشغلة بتفكيك المجتمع السياسي وتهرئة المنظمات والهيئات
المدنية وبملاحقة من تعتبرهم متٱمرين وفاسدين وعملاء وخونة ومنافقين، ولعل تلك
الشتائم وتلك الملاحقات تحقق إشباعا نفسيا لأنصار قيس سعيد ممن يئسوا من السياسيين
وصدقوا حكاية التعويضات والمغانم والتسفير والاغتيالات واتهامات أخرى كثيرة.
مشاهد الخصام في البرلمان وصخب المنابر
الاعلامية كلها كانت جزءا من بيئة سهّلت عملية الانقضاض على السياسة والسياسيين
ليلة 25 تموز 2021.
ولكن، وبعد خمسة أعوام يُوشك مخزون
"مقذوفات" قيس سعيد أن ينفد من مخازن 25، وتوشك "منصاته" أن
تُنزِل "صورايخه" بعد أن طال انتظار مواعيد إطلاقها على أعداء حقيقيين
من فقر وبطالة ونقص أدوية.
لقد صار الشارع الاجتماعي واعيا، وعي الحاجة، وليس تعنيه فلسفات ولا أشعار ولا
فرزدق ولا بحتري، الحاجة مدرسة لإنتاج الوعي الاجتماعي، وليس لعموم الناس مشكلة مع
ديمقراطية ولا مع شيوعية ولا مع إسلامية ولا مع مسار ومسارت، إنما لعموم الناس
مشكلة مع من لا يحقق حاجاتهم وهو يحكمهم ، ولن يبحثوا له طويلا عن مبرراتٍ لفشله.
هل يكون غضب عموم الناس من "المسار
القيسي" خادما لمعارضيه من الوجوه السياسية التقليدية؟
طبعا وبكل تأكيد،
وحاليا، لا، فثمة انطباع سيء استطاعت وسائل إعلام داخلية وخارجية تثبيته في وجدان
كثير من عموم الناس وفي أمزجتهم حتى صار الحديث عن الرجوع إلى المسار الديمقراطي
غير مُغرٍ لمن ينتظرون حلولا عاجلة لمتطلبات عيشهم.
هل ستظل السلطة تقيم جدارا سميكا بينها وبين
كل الأصوات الداعية الى فتح طريق أخرى وطرائق مجدية للخروج من الأزمة؟
وهل ستظل المعارضة تكتكفي بممارسة الاحتجاج
وبإدانة الاعتقالات والتعريف بظروف المساجين السيئة؟ كيف يمكنها التحول إلى طرف
مقابل أو محاذ لمسار 25 تموز المتعثر؟ أي كيف يمكنها أن تتحول إلى قوة فاعلة لا
إلى مجرد ظاهرة احتجاجية تُحصي المظالم وفي ذات الوقت ودون قصد، تقدم دليلا يخدم
السلطة إذ تعطي انطباعا بكون تلك السلطة منفتحة حين تسمح لمعارضيها بالتظاهر بكل
حرية ثم يعود عناصرها إلى بيوتهم سالمين؟
يتبع
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.