في التاريخ، لم تكن صحة الحاكم هي القضية
الكبرى، بل صحة الدولة. فالأمم التي تبني مؤسساتها تتجاوز مرض القادة وغيابهم،
بينما ترتجف الدول التي تربط مصيرها بالأفراد مع كل إشاعة أو أزمة.
ولعل الجدل الذي أثارته مؤخراً شائعة مرض
الرئيس
التونسي قيس سعيّد يكشف، في حد ذاته، جانباً من الأزمة التي تعيشها تونس. فعندما
تتحول شائعة تتعلق بصحة رئيس الدولة إلى مناسبة للشماتة من طرف، وللتخوين والاتهام
من طرف آخر، فإن المشكلة لا تعود في الشائعة ذاتها، بل في المناخ السياسي
والاجتماعي الذي يسمح لها بأن تتحول إلى مصدر للقلق والانقسام.
إن صحة أي إنسان، مهما كان موقعه، ليست
مجالاً للشماتة أو التوظيف السياسي. لكن غياب المعلومات الواضحة يفتح الباب أمام
الشائعات والتأويلات، خصوصاً في مجتمع يعيش أزمة ثقة عميقة. وفي الدولة المستقرة،
لا ينبغي أن تكون صحة الرئيس سبباً لاضطراب الدولة أو المجتمع؛ فالمؤسسات القوية
تضمن استمرار الدولة أياً كانت الظروف التي يمر بها الأشخاص.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل مرض الرئيس أم لم يمرض؟ بل: لماذا أصبحت شائعة حول صحة رئيس كافية لإثارة كل هذا القلق؟ ولماذا لم تنجح تونس بعد في بناء مؤسسات تجعل مصير الدولة منفصلاً عن مصير الأفراد؟
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل مرض
الرئيس أم لم يمرض؟ بل: لماذا أصبحت شائعة حول صحة رئيس كافية لإثارة كل هذا
القلق؟ ولماذا لم تنجح تونس بعد في بناء مؤسسات تجعل مصير الدولة منفصلاً عن مصير
الأفراد؟
المؤسف أن هذا السجال يجري في وقت تواجه فيه
البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية صعبة، من الضائقة المالية وتراجع الاستثمار إلى
أزمة الهجرة واستنزاف الشباب والكفاءات، فضلاً عن الصعوبات اليومية التي يواجهها
المواطن. وفي ظل هذه الأوضاع، تبدو معارك الكراهية وتصفية الحسابات السياسية
استنزافاً إضافياً لبلد يحتاج إلى توجيه طاقته نحو المستقبل.
وتزداد الصورة تعقيداً مع وجود عدد من قادة
الرأي والسياسة والإعلام في السجون، من اتجاهات مختلفة، وسط جدل واسع حول بعض
القضايا والأحكام. وبغض النظر عن
المواقف من هؤلاء أو من التهم الموجهة إليهم، فإن
الدول لا تطمئن عندما تصبح السجون بديلاً عن
السياسة، ولا تزدهر عندما تتحول
الخلافات الفكرية والسياسية إلى معارك قضائية متواصلة.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُبنى
بالانتقام، وأن الإقصاء لا ينتج استقراراً دائماً. كما أن الديمقراطية لا يمكن أن
تقوم على قبول المنافس عندما يوافقنا، ورفضه عندما يختلف معنا. فالاختلاف سنة
طبيعية، وإدارته بالحوار والمؤسسات هي التي تحفظ الدولة، أما تحويله إلى معركة
وجود فلا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام.
ولا يعني ذلك تبرئة أي طرف من أخطائه.
فالسلطة والمعارضة والنخب والإعلام يتحملون جميعاً نصيباً من مسؤولية الوصول إلى
هذا الانسداد. لكن الأوطان لا تستطيع انتظار اعتراف الجميع بأخطائهم حتى تبدأ رحلة
الإنقاذ. المطلوب هو شجاعة سياسية تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية،
وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة.
وقد قدمت تونس، بعد الثورة، نموذجاً مهماً
عندما اختارت الحوار الوطني طريقاً لتجنب الانزلاق إلى الاحتراب الأهلي. وكان ذلك
دليلاً على قدرة التونسيين على إنتاج الحلول عندما تتقدم الحكمة على الانفعال. وما
أحوج البلاد اليوم إلى استعادة تلك الروح.
قدمت تونس، بعد الثورة، نموذجاً مهماً عندما اختارت الحوار الوطني طريقاً لتجنب الانزلاق إلى الاحتراب الأهلي. وكان ذلك دليلاً على قدرة التونسيين على إنتاج الحلول عندما تتقدم الحكمة على الانفعال. وما أحوج البلاد اليوم إلى استعادة تلك الروح.
ومع إحياء عيد الجمهورية، ينبغي أن نتذكر أن
هذه المناسبة ليست مجرد تاريخ في روزنامة الدولة، بل فرصة لاستحضار تضحيات من
أسسوا الجمهورية ودفعوا حياتهم ثمناً للاستقلال والحرية والكرامة الوطنية.
والوفاء لهؤلاء الشهداء لا يكون بتحويل
الوطن إلى ساحة للثأر السياسي، ولا بتقسيم التونسيين إلى خونة ووطنيين، بل بالحفاظ
على الدولة التي ضحوا من أجلها، وصون وحدتها، واحترام القانون، وضمان حق كل تونسي
في الاختلاف والتعبير والمشاركة في الحياة العامة.
ومنطق الواقع يقول إن السلطة هي الجهة
الأقدر اليوم على فتح صفحة جديدة. فهي التي تمتلك مفاتيح المبادرة، وتستطيع أن
تنتقل من إدارة الخلاف إلى صناعة الوفاق. وعندما تمد السلطة يدها إلى خصومها،
فإنها لا تفقد قوتها، بل تثبت ثقتها بنفسها وبقدرتها على قيادة الدولة من موقع
القوة لا الخوف.
إن فتح باب الحوار والمصالحة الوطنية لا
يعني تبرئة أحد، ولا إسقاط حق الدولة في تطبيق القانون، وإنما يعني أن تكون هناك
مساحة للسياسة حتى لا يصبح القضاء اللغة الوحيدة لإدارة الخلافات. فالعدالة
ضرورية، لكن السياسة أيضاً ضرورية، والدولة التي تجمع بين قوة القانون وسعة الأفق
السياسي هي الأقدر على تجاوز أزماتها.
وفي عيد الجمهورية، قد يكون أفضل ما يمكن أن
تقدمه السلطة للشعب التونسي أن تقول، بالفعل لا بالقول فقط: إن الجمهورية تتسع
للجميع، وإن الاختلاف ليس خيانة، وإن الخصم السياسي ليس عدواً، وإن الدولة لا تخاف
من التعدد بل تقوى به.
فالتاريخ لا يخلّد فقط من انتصروا على
خصومهم، بل يخلّد أكثر من امتلكوا شجاعة إنهاء الخصومة عندما أدركوا أن مصلحة
الوطن أكبر من انتصار فريق على آخر.
ي عيد الجمهورية، قد يكون أفضل ما يمكن أن تقدمه السلطة للشعب التونسي أن تقول، بالفعل لا بالقول فقط: إن الجمهورية تتسع للجميع، وإن الاختلاف ليس خيانة، وإن الخصم السياسي ليس عدواً، وإن الدولة لا تخاف من التعدد بل تقوى به.
إن السؤال الحقيقي ليس ماذا لو غاب الرئيس،
بل: هل تمتلك تونس من المؤسسات والثقة ما يجعل الدولة تستمر مهما تبدلت الوجوه؟
وهل نملك من الحكمة ما يكفي حتى لا تتحول كل أزمة سياسية إلى أزمة وطن؟
ستتعافى تونس عندما يدرك الجميع أن الوطن
ليس غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ولا ساحة ينتقم فيها المهزومون، بل أمانة تتسع
للجميع. فالجمهورية عنوان للوحدة لا للفرقة، وللمؤسسات لا للأشخاص، وللتعايش لا
للفتنة.
وفي عيد الجمهورية، لعل أفضل وفاء لتضحيات
الشهداء أن نتذكر أن تونس ليست ملكاً لحزب أو جماعة أو سلطة أو
معارضة. إنها ملك
لجميع أبنائها، وأن الوطن الذي استشهدوا من أجله يستحق أن نختلف فيه دون أن
نتقاتل، وأن نتنافس دون أن نتآمر، وأن ننتقد دون أن نخون.
ذلك هو المعنى الحقيقي للجمهورية: أن تتسع
للجميع.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.